Uncategorized

حكايات اسما 1

بعد خمس سنين من طلاقنا، القدر جمعني بطليقي على نفس الطيارة، وقعد جنبي بالصدفة! وأول ما شافني، بصلي من فوق لتحت بابتسامة كلها غرور، وكأنه متأكد إن حياتي وقفت من يوم ما سابني!

لكن اللي ما كانش يعرفه إن الخمس سنين اللي فاتوا غيّروا حياتي تمامًا… وإن المفاجأة اللي كانت مستنياه قبل ما الطيارة توصل هتخليه يندم على كل كلمة قالها في حقي!

كنت قاعدة في مكاني بهدوء، لابسة بلوفر أسود بسيط، وماسكة كتاب بقرأ فيه، وشنطتي الصغيرة تحت الكرسي.

وفجأة سمعت صوت أعرفه كويس جدًا= معقول؟! إنتِ؟!

رفعت عيني، ولقيت طليقي واقف قدامي!

نفس الوش، ونفس النظرة المتعالية، ونفس الابتسامة اللي كان دايمًا بيحاول يثبت بيها إنه أحسن من أي حد.

ابتسمت بهدوء وقلت: أهلًا… إزيك؟ بقالنا كتير ما اتقابلناش.

قعد على الكرسي اللي جنبي، وفضل يبصلي كأنه بيدور في ملامحي على أي علامة ندم أو تعب.

وبعدين قال بسخرية:خمس سنين بحالهم! بصراحة ما كنتش أتوقع أشوفك هنا… شكلك لسه زي ما إنتِ، بسيطة وعلى قدك!

فهمت قصده فورًا.

طول فترة جوازنا، كان عنده موهبة غريبة في إنه يهينني بكلمتين، ويخليني أحس إنه بيجاملني!

رديت بابتسامة: الحمد لله، أنا كويسة جدًا.

ضحك وقال:ولسه شغالة في التصميم؟ ولا قفلتي المشروع الصغير اللي كنتِ بتحلمي بيه؟

كانت طريقته في الكلام كفيلة إنها ترجعني سنين لورا، للأيام اللي كان بيقلل فيها من شغلي، ويقولي إن أحلامي أكبر من إمكانياتي.

لكن المرة دي ما اتضايقتش.قلت بهدوء: أيوه، لسه شغالة في نفس المجال.

هز راسه بابتسامة شفقة وقال: كويس إنك لسه بتحاولي! أنا بقى الحمد لله الدنيا فتحت معايا جدًا بعد الطلاق. بقيت في منصب كبير، ومرتبي اتضاعف، وحياتي اتغيرت تمامًا.

سكت لحظة، وبعدين بصلي وقال بنبرة كلها غرور: عارفة؟ ساعات الواحد لازم يتخلص من الحاجات اللي بتعطله علشان يعرف ينجح!

فهمت إنه يقصدني أنا لكن بدل ما أرد، فتحت كتابي وكملت قراءة.

واضح إن هدوئي ضايقه أكتر من أي رد كنت ممكن أقوله.

قرب مني وقال: على فكرة، لو محتاجة أي مساعدة في شغلك، ممكن أشوفلك فرصة مناسبة. أنا دلوقتي ليا علاقات مع ناس مهمة جدًا.

ابتسمت وقلت: متشكرة، مش محتاجة.

ضحك باستخفاف: لسه عندك نفس الكبرياء القديم! بس خلي بالك، الفرص مش بتتكرر كتير.

بصيتله وقلت بهدوء: فعلًا… وفي ناس بتضيع من إيديها فرص عمرها ما هترجع.

اتغيرت ملامحه للحظة، لكنه رجع ضحك وقال: واضح إنك لسه بتحبي الكلام الكبير!

وقبل ما أرد عليه، ظهرت مضيفة الطيران، وبصت ناحيتي بابتسامة واسعة.

وقالت بصوت واضح خلاه يلتفت لها باستغراب:حضرتك هنا؟! إحنا كنا بندور على حضرتك من ساعة ما طلعنا الطيارة!

رفعت عيني باستغراب بسيط، لكن قبل ما أسألها عن السبب، كملت كلامها بجملة خلت طليقي يتجمد مكانه، وتختفي ابتسامته المتعالية تمامًا!

 

بصت للمضيفة بهدوء، وسألتها: “في حاجة يا فندم؟”

المضيفة ابتسمت باحترام شديد وقالت: “كابتن الطاقم كله بيبعت لحضرتك أخلص التحيات، وبيعتذروا إن مقعد الدرجة الأولى كان مشغول وقت صعودك، بس جهزنا لحضرتك الجناح الخاص في مقدمة الطيارة، ولو تحبي تنقلي دلوقتي فورًا إحنا تحت أمرك.. المدير التنفيذي لشركتنا الطيران موصي بنفسه، وأي طلبات لحضرتك مجابة فورًا بصفتك الراعي الرئيسي وشريك استثماري استراتيجي للخطوط!”

الكلمات نزلت على طليقي كالصاعقة.

تجمد في مكانه، وابتسامته المتعالية اختفت تمامًا كأنها ما كانتش موجودة. بصلها، وبعدين بصلي بعيون مذهولة، ووشه اتقلب من الغرور للصدمة والخوف. كأنه مش مصدق إن الست اللي كان لسه بيديها دروس في الطموح والنجاح من دقايق، هي نفسها الشخصية المهمة اللي طاقم الطيارة كله واقف قدامها بانحناء وتقدير.

قفلت كتابي بهدوء تام، وحطيت بوكس المارك فيه، ورفعت شنطتي الجلدية الفاخرة اللي كانت تحت الكرسي. بصيت لطليقي، ولقيت شفايفه بتترعش ومش عارف ينطق حرف واحد.

ابتسمت ببرود وقلت بصوت هادي: “شكل كلامك عن الفرص اللي مش بتتكرر كان صادق فعلاً… بس يمكن كنت تقصد نفسك.”

سيبته قاعد مكانه، مكبل بصدمته وذهوله، ومشيت ورا المضيفة اللي كانت ماشية قدامي باهتمام بالغ لحد ما وصلَتني للجناح الخاص. الجناح كان أوسع بكتير، ومرتب بفخامة واضحة، وقعدت على الكرسي الواسع وأنا مستنية أسمع باقي المفاجأة اللي كنت متأكدة إن الطيارة مخبياها ليه وللسفرية دي كلها.

ما عدتش دقايق، ولقيت الباب الخارجي للقسم الخاص بيتفتح، ودخل منه شخص لابس بدلة رسمية أنيقة جداً، وملامحه مألوفة ليّا كويس.

ده مش أي مسافر عادي… ده “مهاب”، رجل الأعمال المعروف، ومالك واحدة من أكبر مجموعات الاستثمار في الشرق الأوسط، واللي كنت لسة ممضية معاه عقد الشراكة الضخم من أسبوعين بس لمشروع التصميم العالمي بتاعي!

مهاب شافني، فوقفت فورًا بابتسامة ترحيب، وجه ناحيتي ومد إيده بحرارة وقال بصوت دافئ: “ألف مبروك يا فندم.. شكلنا كده نحسد نفسنا إننا حجزنا على نفس الطيارة، لأن عندي ليكي خبر هيغير مجرى الرحلة دي خالص!”

بصيتله باهتمام وقلت: “خير يا مهاب؟ في إيه؟”

مهاب قعد على الكرسي المقابل، وفتح ملف جلد أنيق طلعه من شنطته، وقال بابتسامة واسعة: “قبل ما نطلع الطيارة بساعة، وصلني رد من اللجنة العليا لمعرض الموضة والتصميم الدولي في باريس. مش بس وافقوا على التصاميم الجديدة بتاعتك، دول اختاروا شركتك تكون هي الوكيل والمصمم الرئيسي لجناح الشرق الأوسط بالكامل في النسخة الجاية، والشرط الوحيد اللي حطوه في العقد الجديد هو إنك تكوني حاضرة بنفسك بصفتك المدير التنفيذي والمؤسس للمشروع هناك.”

سمعت الجملة، وحسيت بكل سنين التعب، والسهر، والإحباط، والكلام الجارح اللي سمعته طول سنين الجواز، بيتحولوا لدفعة قوية تثبتلي إن صبري ومجهودي ما ضاعوش هدر. ضحكت بسعادة وقلت: “يعني المعرض وافق نهائي؟ من غير أي تعديلات؟”

“ولا حرف واحد!” رد مهاب بثقة، وبعدين كمل بمزاح: “ده غير إن في رجل أعمال مصري كبير كان بيفاوضنا من يومين علشان يشتري حصة صغيرة في شركتنا، بس لما عرف إنك المالكة والمديرة، اعتذر فورًا بعد ما حس إن الحجم أكبر بكتير من إمكانياته.. تصدقي؟ بيقولوا إنه كان هنا على نفس الطيارة في الدرجة العادية!”

ابتسمت بسخرية خفيفة وأنا باصص للأجهزة والشاشات اللي حوالينا، وقلت بصوت هادي: “الدنيا دي صدفها غريبة يا مهاب… وفي ناس بتكتشف متأخر أوي إن الحصى اللي كانوا بيقللوا منه، كان جبل دهب بس هما اللي ما يعرفوش يقيموه.”

في اللحظة دي، المضيفة دخلت الجناح ومعاها تليفون داخلي خاص بالكبينة، وقالت باحترام: “فندم، في راكب من الدرجة الاقتصادية بيحاول يوصل لإدارة الطيارة، ومصر بإصرار غريب إنه يقابل حضرتك شخصيًا، وبيقول إنه يعرفك كويس وبيطلب فرصة دقيقة واحدة.”

بصيت لمهاب نظرة سريعة، ورجعت بصيت للمضيفة، وابتسمت ببرود وأنا بقول: “قولي له إن وقتي النهاردة أغلى بكتير من إنه يضيع في كلام فاضي، وإن اللي ساب فرصة عمره زمان، مستحيل يلاقيها تاني ممدودة له على طبق من فضة.”

المضيفة هزت راسها باحترام وخرجت، وسيبت طليقي هناك في الدرجة العادية، محشور بين صدمته وغروره اللي اتكسر، بينما طيارتي كانت طايرة بيا لفوق… لفوق أوي، لمكان ما كنتش أحلم حتى أني أوصله يوم ما هواني.

ساعات بتعدي، والطيارة كانت قاطعة السما في طريقها لباريس، وأنا قاعدة في الجناح الخاص بقرأ تفاصيل العقود الجديدة بهدوء، كأن اللي حصل من شوية مجرد مشهد عابر في فيلم قديم. لكن برّه الجناح، في الدرجة العادية، الوضع كان مختلف تمامًا.

طليقي كان قاعد مكانه، ووشه أصفر وعينيه بتبص في الفراغ بصدمة تامة. مش مصدق إن الست اللي كان لسه بيعايرها ببساطتها، وبيحاول يكسر ح,ل,مها، بقت دلوقتي شريك استراتيجي لشركات الطيران، والمالكة لشركة تصميم عالمية بيحسب لها ألف حساب!

حاول كذا مرة يفك الحصار النفسي اللي هو فيه، وقם من مكانه بحجة إنه رايح الحمام، مع إنه كان متجرّد من أي شجاعة إنه يقرب تاني من مقدمة الطيارة. بس في طريقه، عدى من جنب الجناح الخاص، وكان الباب مردود نص مردة.

عينه جت عليا وأنا قاعدة بشرب قهوتي وبناقش مهاب في تفاصيل المعرض. شاف بعينه أناقة المكان، وشاشات المتابعة الذكية، والتقدير البالغ في عيون طاقم الطائرة اللي كان بيلبي أي إشارة مني بلهفة واهتمام.

وقف لحظة كأنه اتشل في مكانه. حس إن الغرور اللي عاش بيه سنين طويلة، والتعالي اللي بنى عليه شخصيته، اتهدوا في ثواني. فهم أخيرًا معنى جملته القديمة: “أنتِ مكانك مش هنا”.. بس بالمعنى العكسي تمامًا! مكاني أنا فعلاً ما كانش ينفع يفضل في دائرته الضيقة المليانة إحباط.

مهاب لاحظ وجوده برّه، فبصلي بابتسامة خبيثة وقال بصوت هادي: “شكل الراكب اللي كان بيحاول يكلمك من شوية لسه مصر يتفرج من بعيد.. أقول لأمن الطيارة يطلبوا منه يرجع مكانه؟”

رديت بهدوء وأنا بشرب رشفة من القهوة: “سيبه.. خليه يتفرج. في ناس العلاج الوحيد ليها هو إنها تشوف بعينها الحاجة اللي ضيعتها بإيدها، علشان تعرف حجم خسارتها الحقيقي.”

مهاب ضحك بتقدير وقال: “أحييكِ على برود أعصابك. ده إنتِ لو كنتِ ناوية تنتقمي، ما كنتيش هتعملي أكتر من كده.”

“الانتقام الحقيقي مش إنك تذل حد.. الانتقام الحقيقي هو إنك تكبر لدرجة إنه ما يبقاش قادر يوصل حتى لنص الطموح اللي بقيت فيه،” قلتها وأنا ببص من شباك الطيارة على الغيوم اللي تحتنا.

بعد ساعات، أعلنت مكبرات الصوت عن بدء هبوط الطيارة في مطار شارل ديغول بباريس. الكل كان بيستعد للنزول، والتوتر كان مالي كابينة الطيارة.

أول ما الطيارة وقفت على أرض المطار، وفتحوا الأبواب، دخل قائد الطاقم بنفسه لحد الجناح الخاص، وابتسم باحترام بالغ وقال: “فندم، سيارات الاستقبال الخاصة بالوفد الرسمي وبالمعرض في انتظارك عند مخرج كبار الزوار، وتحت أمرك في أي إجراءات.”

وقفت، لبست نظارتي الشمسية الأنيقة، وخدت شنطتي الفاخرة، ومشيت بخطوات ثابتة وواثقة. وأنا خارجة من الجناح، عديت على ممر الدرجة العادية، ولمحته قاعد مكانه، مستني لحد ما الكل ينزل علشان يتفادى أي إحراج.

شافني معدية وسط استقبال واهتمام من أمن المطار ومضيفين الطيارة اللي كانوا بينحنوا بتقدير، ونظراته ليا كانت مليانة مزيج من الندم، والكسرة، والذهول. وقفت قدامه لحظة واحدة، بصيت له بابتسامة هادية خالية من أي شماتة، وقلت بصوت هادئ وصله لوحده:

“شكرًا على كل كلمة قلتها زمان.. هي دي اللي خلتني أوصل هنا.”

وسيبته ورايا، ونزلت على سلم الطيارة لأرض باريس، لهواء جديد، وحياة أنتظرتها طويلًا، وقصة نجاح لسه في بدايتها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى