
كنت بنت ١٨ سنه لما أمي جبتني من شعري واجبرتني اتجوز ابن اختها مراد واسيب ابن عمي اللي روحي فيه.. ومفيش علي لسانها غير ” انتي عاوزه تفضحينا يابن المركوب” ” ملقتيش غير ابن دلال السحاره.. بكيت واتوسلت ليها وفي الاخر رضيت بمراد اللي عنده ٤٠ سنه ومسافر الخليج.. وكسرت قلبي وقلب ابن عمي وكان عزائي في الدنيا أن هتجوز وهخرج من الارياف وقرفها..
وقد كان ليلة دخلتي مكنتش عاديه..اتصدمت بإنسان همجي ومش همه غير نفسه وملذاته إنما أنا كنت آله بيحركها ابن خالتي
-
١٨ سنه حكايات اسما السيد 3منذ ساعتين
-
حكايات اسما السيد 3منذ ساعتين
-
حكايات نورهان العشرى 2منذ 20 ساعة
-
حكايات اسما السيد 1منذ يومين
لا راعي سني ولا حرمة جسـ مي وهو مطلع امه واخته يشوفوا ويطمنوا علي شرفي ومرت الايام عذاب في عذاب واخدني معاه الخليج.. عشت معاه أمر ايام حياتي.. ورغم كل ده كان قدامي هدف واحد اكمل تعليمي واخلي بالي من ابني اللي حملت فيه غصب عني رغم كل الاحتياطات .. وبين تريقته وتحطيمه ليا.. حققت ذاتي وبقيت الدكتوره أزل .. شخصيتي اتغيرت، حياتي ، تفكيري، كل حاجه فيا اتغيرت الا عشق شاهين ابن عمي.. مرت ١٥ سنه كنت في شغلي لما تليفوني رن وكان رقم جوزي واول ما قولت الو..سمعت خبر اللي غير حياتي.. دكتوره أزل بشمهندس مراد مات فجاه كنت زي المخبوطه علي دماغي بين دفن مراد وأوراق ادم ووجعي ووحدتي .. كل حاجه كانت ملخبطه بس حسيت باني اخيرا اتحررت من سجـ ن مراد وبقيت حره .. قررت ارجع بلدي واربي ابني وخلاص .. وفعلا رجعت بيت امي كبرت … وبان عليها الكبر .. بحكم السن.. بس قلبها لسه جامد زي الحجر
أول كلمه قالتها بعد ما ارتحت: شوفتي انا كنت علي حق اهو مراد مات وسابلك بيت وابن اللهم بارك وفلوس بالكوم في البنك.. لا وبفلوسه علمك احلي علام وبقيتي دكتوره أزل.. كان شاهين الكحيان هيأكلك ايه؟
قلبي وجعني علي ذكر اسمه بس مبينتش.. ساعات كنت اقول لنفسي يمكن هي علي حق ولو اتجوزت شاهين يمكن كرهته..اكيد ربنا ليه حكمه في كده..وساعات اقول لنفسي اكره ايه وانا بتنفس اسمه وهواه… مرت الايام وانا بين دوامه الاوراق والمصالح الحكوميه.. لحد ما اخيرا رجعت شغلي في الوحده الصحيه اللي بقت حاجه ولا المستشفي الخاص بالبلد..
وأول يوم ليها وقفت أزل في الممر تتكلم مع مدير الوحدة.
— الجناح الجديد لسه ناقص شوية تجهيزات، بس إن شاء الله خلال شهر يبقى شغال.
= دا تمويل حكومي؟
هز رأسه : جزء منه حكومي، والباقي تبرعات.
— مين المتبرع؟
فتح الرجل ملفًا: شركة الشاهين للمقاولات والتنمية.
لم تتحرك ملامحها…لكن شيئًا صغيرًا انقبض داخلها.
: الشاهين؟
— أيوه. شركة كبيرة جدًا دلوقتي.
ثم ابتسم: صاحبها من بلدنا أصلًا.
تظاهرت بعدم المعرفة: مين؟
: المهندس شاهين عبد الرحيم.
توقفت أنفاسها للحظة.
: الراجل ده عامل شغل كبير. بدأ من الصفر تقريبًا. شغال في القاهرة والصعيد وكمان ليه مشاريع بره مصر.
— كويس.
— وهو جاي النهارده أصلًا.
رفعت راسها : هنا؟
— آه. فيه اجتماع بعد الضهر بخصوص جناح الأطفال.
مرت ساعتين القدر مش مدهاش فرص للهروب..
فحصت مرضى…كتبت تقارير.. اتكلمت مع الممرضات.
قالت لنفسها بعصبية: فوقي يا أزل.
لحد ما اخترق سمعها صوت رجل بيتكلم مع مدير الوحدة في الخارج.
صوت أعمق مما تتذكر.
أهدأ…. اقسى…لكنها عرفته.
جسمه كله عرفه قبل ما تشوفه…بقيت جالسة خلف مكتبها.
دق الباب: اتفضل.دخل مدير الوحدة أولًا.
— دكتورة أزل، أحب أعرفك بالمهندس…
ثم دخل هو… ووقف الزمن.
مكنش شاهين اللي سابته.
كان اللي الراجل اللي عليه دلوقتي ..طويل اطول مما تتذكر…أعرض لكنه وسيم…لسه بيخطف كل الحواس معاه
ملامحه حادة، ناضجة، بس رسم الزمن خطين صغيرين قرب عينيه.
كان لابس قميص أبيض بأكمام مرفوعة ، وبنطلون داكنً وساعة سودا بسيطة…مكنش فيه حاجه استعراضيه لكن حضوره كان ليه هيبه
شافها… عينه وقفت عليها ..مكنش مستغرب.. ودا اللي ضايقها كانها عادي.. ساعتها قال مدير الوحدة:
— المهندس شاهين عبد الرحيم.
ثم ابتسم.
— والدكتورة أزل الشافعي، الاستشارية الجديدة عندنا.
امتدت ثوانٍ طويلة.
ثم قال شاهين:…
… أهلاً دكتورة أزل.
نطقها بنبرة هادئة كسطح بحر غدار، خالية تماماً من أي ارتباك، وكأن اسمها لم يكن يوماً هو القيد والحرية لخمسة عشر عاماً مضت. كانت نبرته تحمل صرامة رجل الأعمال الذي يعلم تماماً أين يضع قدمه، وكأنه يعرف مسبقاً بوجودها في هذا المكان، ولم يكن اللقاء بالنسبة له سوى خطوة مجدولة في جدول أسبوعه المزدحم.
مدّ يده بثبات، ويده الكبيرة العريضة كانت تحمل بعض الندوب الخفيفة—آثار سنوات الكفاح والشقاء التي بناها حجراً بحجر بعدما تخلت عنه الدنيا—وكانت ساعته السوداء البسيطة تلمع تحت إضاءة الممر النيون.
شعرت أزل بغصة تخنق ألمها المتجدد. نظرت إلى يده الممتدة، ثم رفعت عينيها لتلتقي بعينيه الحادتين. لم تكن هناك الشعلة القديمة، ولا العتاب الفاضح، بل كان هناك جدار سميك من البرود الجليدي، يخفي خلفه خبايا رجل أتقن اللعبة وقرر أن يلعبها بشروطه الخاصة.
مدت يدها بخطوة ثابتة حاولت ألا ترتجف فيها، ولمست أناملها كفه. كانت لمسة سريعة، كشرارة كهربائية خاطفة، لكنها أعادت لجسدها ذكريات عصور من الشوق والوجع.
— أهلاً بحضرتك يا بشمهندس.. نورت الوحدة.
قالها صوتها بثبات أذهلها هي شخصياً، الثبات الذي اكتسبته في أروقة المستشفيات وبين أجهزة الإنعاش وهي تصارع الموت وتكتسب لقب “الدكتورة أزل”.
ابتسم مدير الوحدة بقلة حلاوة وهو ينظر بينهما، غير مدرك لحجم الركام الذي يقفان عليه:
— المهندس شاهين هو الداعم الأول للجناح الجديد يا دكتورة، والحقيقة لما عرف إننا بنتوسع في خدمات الأطفال والأورام، ما ترددش لحظة إنه يمول الجزء الأكبر من المشروع.
تحرك شاهين بخطوات واثقة ونزل بنظره إلى المكتب، جائلا بعينيه في أرجاء الغرفة البسيطة، ثم وضع يديه في جيبي بنطاله ومال برأسه قليلاً:
— المستشفى دي بتخدم البلد كلها، وأنا يهمني إن أهل بلدنا يلاقوا خدمة تليق بيهم.. مش كده ولا إيه يا دكتورة؟
كانت كلماته تحمل بطنها معنى قاطعا؛ “أهل بلدنا” لم تعد تشملها هي، وكأنه يشير إلى أنه يعمل للعامة، وأن وجودها هنا مجرد تفصيل عابر لا يغير من معادلاته شيئاً.
ردت أزل وهي تجلس خلف مكتبها وتحاول استعادة شتات نفسها، مشيرة له وللمدير بالمقاعد:
— أيد واحدة ما بتسقفش يا بشمهندس. التبرعات مهمة، بس الإدارة والتنظيم وتوفير الرعاية الطبية الحقيقية هي الأساس.. ونحن هنا علشان نقدم ده.
جلس شاهين على الكرسي المقابل لها تماماً. وضع ساقاً فوق الأخرى، وانثنت أكمام قميصه الأبيض لتبين سواعده المفتولة. نظر إليها بتمعن لم يخفه، يستكشف التغيرات التي طرأت على الفتاة التي يبكي قلبه لأجلها يوماً. لم تعد تلك الصبية الخائفة ذات الأرجل المرتجفة والأحلام المكسورة؛ أمامه الآن امرأة ناضجة، بثوب طبي أبيض ناصع، ووجه يضج بالهيبة والذكاء، وعينين تغطيهما كبرياء سنوات العذاب.
— الإدارة المظبوطة هي اللي بتعرف تختار أولوياتها يا دكتورة.. قالها شاهين وهو يسند ذقنه بسبابته، ونبرته تحمل تهكماً خفياً لم يفهمه غيرها. — في ناس بتختار الطرق السهلة، وفي ناس بتحب تبني من الصفر وتستحمل وجع السكة.. والأهم، إن الصبر في الآخر بيكسب.
أحست أزل وكأن حساماً قد غُرس في صدرها. كان يعيرها باختيارها القديم، أو ما ظنه هو “اختياراً”. لم يكن يعلم كيف سُحبت من شعرها، ولا كيف دُعست طفولتها تحت جزمة المادة ورغبة أمها القاسية. بالنسبة لشاهين، أزل هي الفتاة التي باعت حبهما ورضيت برجل أربعيني ميسور لتخرج من “قرف الارياف”، وتركته هو يصارع الفقر والخذلان في أزقة القرية.
قبل أن تنطق بكلمة تدافع بها عن كرامتها المنتهكة، فتح باب العيادة فجأة دون استئذان.
— ماما! أوراق التحويل اللي طلبتيها من السكرتارية اهي..
كان هذا صوت “آدم”. دخل الولد ذو الأربعة عشر عاماً، بطوله الفارع الذي يشبه أباه مراد، لكن بملامح حادة تشبه أمه كثيراً. كان يحمل ملفاً أزرق، ويتحدث بثقة وجرأة ابن الخليج الذي عاش في رغد وتدليل.
توقفت ألسنة الجميع في الغرفة.
تسمرت عينا شاهين على الفتى. انقبض فكه فجأة، وظهت عروق رقبته جلياً وهو يتأمل الطفل—ابن مراد.. الرجل الذي أخذ منه حبيبته، الرجل الذي ملك جسدها ولها منه ولد يناديه “ماما” أمام عينيه. كان هذا المشهد هو الاختبار الأصعب لشاهين؛ القسوة التي ارتدى قناعها كادت أن تتهاوى أمام تجسد الخيانة في صورة هذا الطفل.
وقف آدم محتاراً من الصمت السائد والنظرة الصارمة التي رمقه بها الرجل الغريب الجالس أمامه.
— مين ده يا ماما؟ استفسر آدم بنبرة طفولية بها لمحة من الاستكبار.
أخذت أزل أنفاساً متقطعة، ومسكت يد ابنها بقوة كأنها تستمد منه الحماية، أو ربما تعلن للعالم ولشاهين أن هذا هو درعها الحقيقي.
— ده البشمهندس شاهين يا آدم.. صاحب الشركة اللي بتصمم الجناح الجديد في المستشفى. وده آدم ابني يا بشمهندس.. في أولى ثانوي.
قام شاهين من مقعده ببطء. كان أطول من آدم بكثير، وحضوره طغى على الغرفة بأكملها. نظر إلى الفتى من الأعلى إلى الأسفل، ثم انحنى قليلاً ومد يده لآدم:
— أهلاً يا آدم.. أهلاً بيك في بلدك.
تصافح الاثنان. كان آدم ينظر لشاهين بإعجاب فطري لرجل يبدو عليه النفوذ والقوة، بينما كان شاهين يقرأ في ملامح الفتى كل الأيام التي حرم منها، وكل الليالي التي قضاها يبني إمبراطوريته فقط ليمحو من رأسه صورة أزل وهي في أحضان غيره.
— ابن مراد بيه الشافعي.. الله يرحمه. قالها شاهين ببرود يذبح الحجر وهو ينظر لأزل مباشرة. — سمعت إن والدك سابلك تركة كبيرة يا آدم.. حافظ عليها، مش كل الناس بتعرف قيمة اللي في إيديها.
تغيرت ملامح أزل إلى الغضب الساطع. قامت هي الأخرى ووقفت أمام مكتبها، تجابهه بثبات:
— آدم يتعلم يحافظ على نفسه وعقله وتفكيره الأول يا بشمهندس.. الفلوس بتروح وتيجي، إنما النخوة والأصل والقدرة على الفهم.. دي الحاجات اللي بتبني البني آدم حقيقي، ومش أي حد بيمتلكها.
صمت شاهين، وارتفعت زاوية شفته بابتسامة قاسية، كأنه يستمتع برؤية نارها وهي تشتعل.
— مظبوط يا دكتورة.. النخوة والأصل. للأسف، الحاجات دي مبقتش قريبة من كل الناس، وفي ناس بتكتشف إنها ضيعتها بعد فوات الأوان.
دخل مدير الوحدة ليقطع هذا التوتر المكتوم الذي كان يوشك على انفجار الممر:
— طيب يا بشمهندس، المكاتب الهندسية بره مستنية حضرك علشان نعاين موقع البناء للجناح الجديد.. تتفضل معانا؟
رمق شاهين أزل بنظرة أخيرة، نظرة عميقة، حادة، وكأنه يقول لها: “اللعبة ياللا بدأت”، ثم التفت وقال بنبرة صلبة:
— ياللا بينا يا دكتور.. ورانا شغل كتير، وأنا ما بحبش أضيع وقتي في كلام ملوش لازمة.
خرج شاهين ومدير الوحدة، وتركا خلفهما صمتاً أثقل من الجبال. سقطت أزل على كرسيها كأنما قُطعت حبالها. وضع آدم يده على كتفها بحيرة:
— مالك يا ماما؟ الراجل ده شكله يخوف.. وطريقته غريبة قوي.
مسحت أزل وجهها بكفيها المرتجفتين، ورفعت رأسها لابنها، محاولة أن تبتسم ابتسامة باهتة:
— مفيش يا حبيبي.. الإرهاق بس بتاع أول يوم شغل.. روح أنت للبيت، وتأكد إن تيتة أكلت علاجها، وأنا ساعة وهحصلك.
خرج آدم، وبقيت أزل وحدها في المكتب.
أرجعت رأسها إلى الخلف وإغماض عينيها. كانت أصداء صوته تدوي في أذنيها: “أهلاً دكتورة أزل”. لم يكن شاهين هو ذلك الشاب الفقير الذي يكتب لها القصائد تحت شجرة التوت في غيط عمها. شاهين اليوم وحش جريح، بنى قصر نجاحه على ركام حبه القديم، وعاد ليثبت لنفسه وللبلد كلها أنه أوفى وأقدر وأعلى شأناً من الجميع.
لكن الألم الأكبر لم يكن بروده ولا تهكمه.. الألم الحقيقي كان في أن أزل تنفست هواه مجدداً. رغم كل شيء، رغم الخمسة عشر عاماً، ورغم قسوة مراد، ورغم كبرياء شاهين القاتل، كان قلبها يطرق ضلوعها بشدة لم تشعر بها منذ كان عمرها ثمانية عشر عاماً.
مرت ساعات العمل كأنها دهر. في مسائها، أغلقت أزل مكتبها وخرجت متجهة إلى بيتها في أطراف القرية—البيت الكبير الذي بناه مراد قبل وفاته ورثته أزل وابنها.
كان الليل قد ألقى بسدوله على الأرياف، ورائحة الطمي والزرع تملأ الجو. نسيم داكن يعيد لها الذكريات. كانت تسير ببطء نحو سيارتها في الموقف الخاص بالمستشفى، حين لاحظت سيارة سوداء ضخمة من طراز أحدث الموديلات تتوقف على جانب الطريق الترابي المقفر المعتم.
كانت السيارة معتمة الزجاج، لكن الباب الخلفي انفتح ببطء، ونزل منه شاهين.
لم يكن هناك مدير وحدة، ولا ممرضات، ولا آدم. كانا وحدهما تماماً تحت ضوء عمود إنارة يتأرجح بفعل الهواء.
توقفت أزل في مكانها، وانقادت مشاعرها بين الخوف والكبرياء.
ارتقى شاهين نحوها بخطوات هادئة حتى صار على بعد خطوات قليلة منها. لم يكن يحمل أوراقاً ولا ملفات. وضعت أزل يدها في جيب معطفها الأبيض واعتدلت في وقفتها:
— خير يا بشمهندس؟ في حاجة تخص الشغل نسينا نناقشها؟
وقف شاهين، ونظر إلى وجهها تحت ضوء الشارع الأصفر الباهت. غابت عن عينيه تلك الابتسامة التهكمية، وحلت مكانها نظرة معتمة، شديدة الغموض والحرارة في آن واحد.
— الشغل خلص من ساعة ما خرجت من عندك يا أزل.. قالها بصوت خفيض، صوت عاد فيه النطق القديم لاسمه بدون ألقاب، صوت شاهين الذي كان يهمس به في أذنها قديماً.
ارتجف فك أزل، لكنها تماسك بصعوبة:
— يبقى مفيش داعي للوقفة دي.. أظن حضرتك عارف إن البلد صغيرة، والكلام بيطير.
ضحك شاهين ضحكة مكتومة، خالية من الفرح:
— البلد؟ خايفة من كلام البلد؟ أنتي من إمتى بتهتمي بكلام البلد؟ مش أنتي اللي سبتي البلد وقرفها وطلعتي على الخليج علشان تعيشي في العز؟
كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر بعير صبرها. تقربت منه خطوة، وصاح صوتها المكتوم بالوجع:
— أنت ما تعرفش حاجة يا شاهين! ما تعرفش إيه اللي حصل! أنت شفت الظاهر.. شفت الواجهة اللي رسمتها علشان أعيش وأحمي نفسي وابني!
اقترب شاهين منها أكثر حتى صار يفصلهما إنشات قليلة. كانت رائحة عطره الخشبي الفاخر تختلط برائحة هواء الأرياف، تحيط بها كالقيد.
— ما أعرفش؟ سأل بنبرة همس حاد كالموس. — أنا أعرف إنك مشيتي معاه.. أعرف إنك سيبتيني أصارع الفقر والذل، وأمي كانت بتموت ومش لاقي حق دواها لأن عمك طردني لما جيت أطلب إيدك! أعرف إنك رضيتي بيه وبفلوسه.. وجايه النهاردة ترجعي بصفتك “الدكتورة الناجحة” اللي جايه تتصدق على أهالي البلد!
انهمرت دمعة واحدة قسراً من عين أزل، مسحتها بسرعة قبل أن يراها في الظلام، وقال بصوت يرتجف من الكتمان:
— أمي جابتني من شعري يا شاهين..!! أمي غصبتني، وقفت قدامي وقالتلي هتفضحينا مع ابن دلال السحارة! بعتتني لمراد وهو عنده أربعين سنة.. اشتريت حريتي وتعليمي بدمي ودموعي في كل ليلة! أنت فاكر إن العز ده كان ببلاش؟ ده كان بسجن.. سجن أشد من سجن الفقر اللي أنت كنت فيه!
ساد الصمت بينهما.
تصنمت حدقتا شاهين. انقبضت ملامحه، وكأن الكلمات نزلتا عليه كالصاعقة، لكن جرح كبريائه الممتد لخمسة عشر عاماً لم يكن ليرممه تصريح واحد في ظلام الليل. كان قد درّب نفسه على كرهها، على جعلها الوقود الذي يدفعه للقمة، وسماع حقيقتها الآن كان يهدد بانهيار كل السدود التي بناها حول قلبه.
تراجع شاهين خطوة إلى الخلف، واستعاد بروده المصنوع بصعوبة، بالرغم من أن عينيه كانتا ترتجفان بذهول مكتوم:
— حكايات المظلومية دي متأخرة قوي يا دكتورة.. خمسة عشر سنة كفيلة إنها تمحي أي عذر. اللي اتكسر ما بيتصلحش بكلام في الشارع.
أدار ظهره متجهاً نحو سيارته، وقبل أن يفتح الباب، التفت إليها بملامح حجرية وقال:
— أنا هنا علشان عندي مشروع لازم يكمل.. والوحدة الصحية دي هتبقى من أكبر المراكز في المحافظة. احتفظي بمشاعر مجروحة وحكايات القديمة لنفسك.. عشان الشغل بينا هيبقى طويل.. وطويل قوي يا أزل.
ركب سيارته وانطلقت فيتم تحريك الغبار في الهواء، متجهة إلى عمق القرية، بينما ظلت أزل واقفة في منتصف الطريق الترابي، وقلبها يخفق بقوة ووجع، تدرك أن عودتها للبلد لم تكن نهاية المطاف.. بل كانت بداية حرب جديدة مع الرجل الذي لم تتوقف يوماً عن حبه، والذي يبدو أنه عاد فقط ليقتص لنفسه منها.







