قصص وروايات

لما عرفت إن أهل مرات2

الجزء الثالث

خيم سكون رهيب على الصالة، والأنفاس كلها اتكتمت. والد العروسة واقف مشدود، وأخوها باصص لابني بتحدي، وأنا قلبي بينبض بسرعة ومستنية أسمع القرار اللي هيحدد مصير البيت ده.

ابني بصلهم بجمود وقال بكل ثبات:

“يا عمي… أنا اشتريت بنتك بالمعروف، ودخلت بيتكم من الباب الكبير. لكن الشروط اللي حضرتك حاططها دي مفيش راجل عنده كرامة يقبلها على نفسه. الشقة دي شقتي بجد تعبي وعرقي، وكرامة أمي من كرامتي. أنا مش هكتب شقق، ولا هبصم على شيكات تحت التهديد، ومفيش مخلوق هيفرض عليا شروط عشان أعيش مع مراتي مرفوع الراس.”

والد العروسة وشه اتغير وأحمر من الغضب، وقال بصوت حاد:

“يعني ده أخر كلام عندك يا ابن الأصول؟ بتبيع بنتنا عشان كلمتين؟”

رد ابني بهدوء يرعب:

“أنا مبعتش… أنتوا اللي سعّرتوا المشكلة وحطيتوا لها ثمن بالفلوس. أنا شاري مراتي لآخر لحظة، وبيتي مفتوح لها ترجع له في أي وقت بعزتها وكرامتها وباحترامها لأمي وليا… لكن بشرطكم ده؟ لأ. لو مراتي شايفاني أستاهل تبيعني عشان شرط زي ده، يبقى القرار عندها هي، مش عندك يا عمي.”

أخوها اتعصب وخطى خطوة لقدم وهو بيزعق:

“إنت بتتشرط كمان؟! بنت أصول ومتربية وما غلطتش، جاي تقول القرار عندها؟”

وقفت في النص بوقار وقلت بصوت حادي وواثق:

“يا ابني اهدى وعيب رفع الصوت في بيت جوز أختك. إحنا كبار وبنتكلم بأصول. ابنكم جه وطلب بنتك على سنة الله ورسوله، ومقصرش معاها في حاجة. والأكل اللي رجع امبارح أنا اللي دفعت حق غيره وزيادة من جيبي وبعته مع ابني يجيبه عشان عزومة عمامها تطلع من بيت جوزها وباسمه. لو انتوا شايفين إن الستر والكرامة إهانة لكم، يبقى المشكلة مش عندنا إحنا… المشكلة في النظرة اللي بتشوفونا بيها.”

والد العروسة بص لابني بنظرة استعلاء وقاله:

“تمام يا ابن الحلال… يبدو إننا استعجلنا لما جوزنا بنتنا لبيت الكلام فيه بيمشي بالطريقة دي. بنتنا مش هتعتب البيت ده تاني إلا لما تيجي لحد عندنا وتعتذر وتوافق على اللي طلبناه.”

ولف ظهره وخرج من الشقة وهو بيخبط الباب وراه بقوة هزت المكان، ونزل أخوها وراه وهو بيتمتم بكلام مش مفهوم.

أول ما الباب اتقفل، الصمت نزل على الشقة زي جبل. ابني قعد على أقرب كرسي، وحط إيده على دماغه وهو بيلهث. قربت منه، طبطبت على كتفه وقلت له:

“عملت الصح يا ابني… الراجل اللي يسلم كرامته ورأسه من أول ابتزاز، هيعيش طول عمره مكسور في بيته.”

رفع راسه وقال بنبرة مكسورة:

“أنا مش زعلان على الفلوس ولا الشقة يا أمي… أنا زعلان عليها هي. إزاي هانت عليها تلات شهور عشره؟ إزاي سابت أهلها يكبروا الموضوع كده وما وقفتش تقولهم ‘جوزي مأهانيش، وأمه بتنصحني’؟”

مرت الأيام تقيلة أوي… الأسبوع الأول عدا كأنه سنة. الشقة فوق كانت مطفية، وابني كان بيدخل ويرجع زي الخيال. بياكل بالعافية، ومبيحكيش مع حد. وأنا قلبي بياكلني عليه، بس كنت عارفة إن أي تنازل دلوقتي معناه خراب أبدي للبيت ده.

وفي اليوم العاشر… وبعد ما كنا فاكرين إن الموضوع خلاص قفل على طريق مسدود، والمأذون هو الخطوة الجاية…

كنت قاعدة بالليل في الصالة، وسمعت صوت تليفون ابني بيرن.

ما كانش رقم أبوها… ولا رقم أخوها.

كان رقم “مرات ابني” نفسها!

ابني بص للشاشة وقلبه كان هيقف، بصلي بعيون مليانة حيرة وتسائل: “أرد يا أمي؟”

قلت له بابتسامة هادية: “رد يا ابني… واستمع لها، بس خليك راجل هادي وثابت.”

فتح الخط وفتح السبيكر ببطء…

سمعنا صوت عياط مكتوم وبكاء طالع من قلبها، وقالت بصوت مكسور وبترتعش:

“فلان… الحقني يا فلان، أنا اتخنقت… أنا مش قادرة أكمل كده!”

ابني اتعدل في قعدته وحبس نفسه، وقال بلهفة حاول يداريها:

“خير يا بنت الناس؟ في إيه اللي حصل؟”

ردت وهي بتبكي بحرقة:

“أنا اكتشفت إنهم بيستغلوا المشكلة عشان حاجة تانية خالص… بابا وأخويا حبسوني في الأوضة وخدوا مني التليفون، وأنا كلمتك دلوقتي من تليفون شغالة جارتنا بالعافية… يا فلان، بابا اتصل بمأذون وقايل له ييجي بكره بالليل عشان يطلقنا غيابي أو يضغط عليك، وفِي حاجة تانية أكبر من كده بكتير هما مخبينها عليك وعليا من يوم ما اتجوزنا!”

ابني وقف فجأة ووشه اتغير كلياً وقال بصدمة:

“حاجة إيه اللي مخبينها؟! اتكلمي يا بنت الناس في إيه?!”

وقبل ما تنطق بالسر اللي هيغير مجرى القصة كلها… سمعنا صوت باب بيتخبط بشدة في التليفون، وصوت أخوها العالي وهو بيدخل الأوضة عندها وبيصرخ: “بتكلمي مين بالتليفون ده?!”

وفجأة… الخط اتقطع!

الجزء الرابع

انقطع الخط فجأة، وصوت الصراخ اللي اتكتم في أخر لحظة نزل على مسامعنا زي الصاعقة. ابني كان واقف ماسك التليفون وإيده بتهتز بجد، عيونه كانت محمرة ووشه أصفر زي الليمونة. بصلي وقال بصوت مخنوق ومش طالع بالعافية:

“سمعتي يا أمي؟! حبسوها وخدوا منها التليفون… وكانت بتقول في سر مخبينه عني وعنها من يوم ما اتجوزنا! سر إيه ده اللي يخلي أبوها وأخوها يهدوا بيتها ويعملوا كل التمثيلية دي؟!”

قمت من مكاني بسرعة وقربت منه، مسكت إيديه الاثنين وقعدته على الكرسي وقلت له بصرامة عشان أثبت عقله:

“اسمعني يا ابني، اهدى خالص واجمع عقلك. الخوف والعصبية مش هيحلوا حاجة. البنت اتصلت وهي مرعوبة، وده معناه إنها عرفت إن أصل المشكلة مش الأكل ولا كلامي معاها… السر ده هو المفتاح اللي كان مستخبي ورا الهيصة دي كلها. هدي نفسك، إحنا مش هنروح نكسر باب بيتهم ولا هنعمل مشكلة، الأصول هي اللي هتكشف كل حاجة.”

فضلت أفكّر بسرعة وأنا مستعينة بالله… الليلة دي مش هتعدي بسكوت. اتصلت بأخويا الكبير (خال ابني)، راجل كبير وله كلمة مسموعة وصاحب حكمة وحزم، وحكيت له اللي حصل بالحرف الواحد من بداية يوم العزومة لحد المكالمة اللي اتقطعت.

خال ابني قال بثبات:

“اقفلي يا أم فلان، أنا جايلكم حالاً. اللي بيحصل ده مش أصول، وفي إنّ كبيرة في الموضوع… والبيت ده لازم يروح له كبارات يفهموا إيه المستخبي.”

بعد نص ساعة، كان خاله عندنا في الشقة. قعدنا ورتبنا خطتنا بالهداوة. خاله قال لابني:

“يا ابني، لو البنت مظلومة ومحبوسة زي ما بتقول، يبقى واجب علينا ننقذها ونعرف الحقيقة، ولو أهلها ناويين على غدر أو بيخفوا حاجة تمس بيتك وحياتك، لازم تظهر قبل ما المأذون يدخل في الموضوع.”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى