
مر باقي الليل أثقل من الجبال، لم يغمض لي جفن، ولا لزوجي الذي كان يذرع الغرفة جيئة وذهاباً، والصدمة تلجمه. كيف لامرأة عاشت بيننا سبع سنوات أن تحمل كل هذا الكره والتخطيط الخبيث؟ وكيف تجرأت على قسم المصحف الشريف وسط العائلة وهي تعلم تمام العلم أن الجهاز يقبع في حقيبتها السرية فوق الدولاب؟!
مع تباشير الصباح الأولى، ومع انطلاق أذان الفجر، رن هاتف زوجي مجدداً. كان المتصل هذه المرة حماتي. كان صوتها متورماً من البكاء، تناديه بصوت متهدج: «تعالى يا محمد أنت ومرايتك حالاً.. عمامك وجدك وصلوا، وأهل فلانة (سلفتي) بره البيت وجايبينها معاهم، والشارع كله هيتفرج علينا لو الموضوع ده ما اتحلش جوه البيت!».
نظر إليّ زوجي بنظرة امتزج فيها الخجل والاعتذار، وقال: «يلا يا حبيبتي.. لازم تيجي معايا، حقك ولازم تاخديه قدام الكل، والمهزلة دي لازم تنتهي».
ارتديت ملابسي بسرعة، وذهبت معه إلى بيت حماتي. عندما فتحنا الباب، كان المنظر كأنه ساحة محكمة مصغرة. الصالون كان مكتظاً؛ حماتي تبكي في الزاوية وهي تمسك برأسها، أخي زوجي الكبير يمتلئ وجهه بغضب عارم وعيناه محمرتان كالدم، وعلى الناحية الأخرى يقف والد سلفتي وشقيقها الأكبر، وهي تجلس بينهما تبكي بصوت خافت، وجهها أصفر كالموتى، تكاد لا ترفع عينها من الأرض.
أول ما دخلنا، وقف والدها بقلة حيلة وقال وهو يوجه كلامه لأخي زوجي ولعمامهم: «يا جماعة، صلوا على النبي.. إحنا طول عمرنا أهل ونسايب، واللي حصل ده طيش ومرض، وإحنا جايبين البنت وجايين نعتذر ونصلح كل حاجة، بس بلاش الفضايح وبلاش نخرّب البيت عشان نزغة شيطان!».
هنا وقف أخي زوجي الكبير بركان من الغضب، ورشق الحقيبة والصندوق الخشبي وأوراق العقود وإيصالات الأمانة وجهاز البراون على الطاولة في المنتصف، وصرح بصوت هز أرجاء الشقة:
«نزغة شيطان؟! شيطان إيه اللي يخليها تسرق ذهب أمي من سنتين وتتفرج علينا وإحنا بنفتش في الشغالات؟! شيطان إيه اللي يخليها تكتب إيصالات أمانة وتزوّر توقيعي عشان تبتزني بيها؟! ولا شيطان إيه اللي يخليها تحلف على كلام ربنا كدب وزور قدام العيلة كلها عشان تغطي على سرقتها وتطلع مراتي أنا (يقصدني) كدابة وبتافترِ عليها؟!».
التفتت حماتي نحوها وهي تبكي بمرارة وقالت: «ليه يا بنتي؟ ده أنا كنت بعتبرك زي بنتي، وبفضّلك على الكل! أخدتي ذهبي اللي كنت شايلاه للزمن ليه؟ وحلفتي كدب على مصحف ربنا إزاي؟ ما خفتيش من عقاب ربنا؟!».
كانت سلفتي تحاول الدفاع عن نفسها بصوت متهدج، وتنظر إليّ بعينين تتوسلان: «والله العظيم أنا ما كان قصدي أسرق الذهب.. أنا كنت خايفة من المستقبل، وكنت باخد الحاجات دي أشيلها عندي أمان.. والجهاز والله نسيت إنه عندي، والشنطة كانت مقفولة فما افتكرتش إلا بعد ما حلفت، وخفت أقول الحقيقة تتفهم غلط!».
رد عليها زوجي هذه المرة بكل قوة وثبات، واضعاً يده أمامي دفاعاً عني: «تتأهل غلط؟! إنتي خليتي مراتي تبكي طوال الأسبوع، وخلتينا نطالبها تسكت وتشتري غيره، وحلفتي عين عينك قدامنا كلنا إنك ما أخدتيهوش! إنتي مش بس ضيعتي الأمانة، إنتي كنتِ هتربي كره وفتنة بين إخواتي!»
وقف عم زوجي الكبير، وهو رجل طاعن في السن وله هيبة في العائلة، وأشار للجميع بالصمت. نظَر إلى سلفتي وإلى والدها وقال بلهجة حاسمة لا تقبل النقاش:




