قصص وروايات

حكاوى شيمو2

«اللي بيحلف على المصحف زور، ما بقاش فيه أمان لأي حاجة. الأوراق والعقود دي هتتقطع قدامنا دلوقتي، وذهب الحجة يرجع جرام بجرام، والجهاز يرجع لصحابته مع اعتذار رسمي قدام كل اللي كانوا قاعدين في العزومة إمبارح.. أما بالنسبة لموضوع الجوازة دي، فالقرار ويرجع لأخوك يا محمد، محدش يقدر يجبره يعيش مع واحدة خانه الأمانة وحلفت بكتاب الله كذب».

والد سلفتي، من شدة الخجل والكسوف، أخذ الأوراق والمستندات وجعل ابنائه يوقعون على تنازلات فورية، وسلّم الذهب لحماتي فوراً، ثم التفت إليّ وقال بصوت كسير: «يا بنتي، حقك عليا أنا، أنا اللي مربيتهاش صح.. سامحينا على اللي هي عملته فيكي وعلى اتهامها ليكي».

أخذت جهاز البراون الخاص بي، والعلبة التي جلبها لي أخي هدية، ونظرت إليها بهدوء وقلت: «ربنا هو اللي بيحاسب، وأنا سامحت في حقي الشخصي، بس اللي بيحلف على كتاب الله زور عشان يغطي على باطل، ربنا هو اللي بياخد منه الحق».

لكن الموقف لم ينتهِ عند هذا الحد، فالأحداث التي تلت هذه القعدة، والسر الآخر الذي انكشف بعد أن غادرت سلفتي بيت زوجها إلى غير رجعة، كان مفاجأة أشد صدمة على العائلة كلها… مفاجأة بطلها كان شخصاً آخر لم يكن يخطر على بال أحد!

غادرت سلفتي بيت حماتي مجرورة بجريرة أفعالها، برفقة والدها وشقيقها اللذين كانا يعتصران خجلاً، وتركا خلفهما بيتاً يأنّ تحت وطأة الصدمة. أخذتُ جهازي وعلبته، ورجعت مع زوجي إلى شقتنا، ونحن نظن أن هذه هي النهاية الحتمية لقصة مليئة بالجشع والخيانة، وأن الأمر اقتصر على امرأة طماعة كشفتها الأيام وحاففظ الله بها على حقي.

لكن الهدوء الذي ساد البيت لم يدم سوى أربعة أيام فقط.

في مساء اليوم الرابع، وبينما كان أخو زوجي الكبير يجلس في شقته وحيداً يجمع ما تبقى من أغراض زوجته السابقة ليُرسلها إلى منزل أهلها وينتهي من هذا الكابوس تماماً، قرر أن يفتش في بقية دولابها وأغراضها الشخصية للتأكد من عدم وجود أي ممتلكات تخص العائلة أو أوراق أخرى قد تُستخدم ضده لاحقاً.

وأثناء تقليبه في أسفل صندوق الميكياج القديم الخاص بها، وجد خيطاً أزرق ملفوفاً بطريقة غريبة ومربوطاً حول شريحة هاتف صغيرة (SIM Card) ملصقة بكارت ممغنط ومخبأة داخل كيس مخملي صغير.

دَفعه الفضول والسيئ من الشكوك لتركيب هذه الشريحة في هاتف قديم لديه. وبمجرد أن فتح الهاتف وتدفقت الرسائل والتسجيلات الصوتية المخزنة على التطبيقات المربوطة بهذا الرقم، نزل عليه الخبر كالصاعقة التي جعلته يفقد القدرة على التنفس!

الشريحة لم تكن تُستخدم للسرقة أو للحديث مع غرباء، بل كانت تحتوي على محادثات وتسجيلات صوتية متواصلة على مدار عامين كاملين بين سلفتي وشخص آخر من داخل العائلة نفسها!

شخص كان يتواجد معنا في كل عزومة، ويظهر بمظهر الحمل الوديع، وكان ينقل لها كل صغيرة وكبيرة تدور في بيتنا وبيوت إخوته، ويحرضها على جمع الأوراق وإخفاء الذهب، بل وكان هو نفسه مَن أشار عليها بوضع جهاز البراون في الحقيبة السرية وتحديي بالحلفان على المصحف حتى يكسر كلمتي أمام الجميع ويُحدث شرخاً لا يُبرأ بيني وبين زوجي وبين إخوته!

لم يتمالك أخو زوجي نفسه، وفي تمام الساعة الواحدة صباحاً، اتصل بزوجي وبحماتي وبجميع أفرع العيلة، وصوته يرتجف بانهيار كامل وهو يقول: «تجمعوا فوراً في شقتي.. المصيبة أكبر من فلانة بكتير، إحنا كان عايش وسطنا تعبان تاني وبياكل معانا في طبق واحد!».

نزلنا جميعاً والأرض تكاد لا تحملنا، لنكتشف الشريك الخفي الذي طالما تظاهر بالحب والأخوة، والذي كان يخطط لدمار هذه العائلة من الداخل…

صعدنا السلالم والوجوم يخيم على الجميع، خطاطيف الخوف تنهش في قلوبنا. عندما فتح أخو زوجي الكبير باب شقته، لم يكن الرجل الذي نعرفه؛ كان مظهره يوحي بأنه أسنّ عشر سنين في ساعات قليلة. الشقة كانت مضاءة بنور خافت، وعلى الطاولة المنخفضة في المنتصف، كان الهاتف القديم يضيء بشاشته المفتوحة، وإلى جواره الشريحة والتسجيلات المفرغة.

جلسنا جميعاً في صمت ثقيل، وحماتي تمسك بتلابيب عباءتها وترتجف وهي تنظر إلى وجه ابنها الأكبر وتسأله بصوت متقطع: «في إيه يا أحمد؟ مين التعبان اللي بتقول عليه؟ مين اللي كان بيخرب بيتك من جوه؟».

وقف أحمد، ونظر إلى الجميع، ثم وجه نظره مباشرة نحو الشخص الذي لم يخطر على بال أحد قط… **زوج أخت زوجي (صهر العائلة)!**

ساد الذهول المكان، وشهقت حماتي صدمة، بينما وقف زوجي من مكانه مذهولاً يصرخ: «أنت بتقول إيه يا أحمد؟! “سامح” جوز أختنا؟! ده راجل مهندس ومحترم وفي حاله ومالوش في أي مشاكل!».

رمى أحمد الهاتف على الطاولة وصاح بصوت مزق سكون الليل: «شغلوا التسجيلات واسمعوا بنفسكم! اسمعوا المهندس المحترم وهو بيتفق مع مراتي إزاي يوقعوا بيننا، وإزاي يزرعوا الفتنة عشان الشقة العائلية والمحلات المأجرة اللي باسم أمي تتكتب باسمه وباسم أختنا تحت بند البيع والشراء!».

ضغط أحمد على زر التشغيل، وخرج صوت “سامح” واضحةً نبرته، وهو يقول لسلفتي في تسجيل يعود لثلاثة أشهر:

*(«يا فلانة، لو “محمد” ومراته مسكوا في موضوع الجهاز أو أي حاجة تانية، خليكي جامدة واطلعي منها بالهجوم.. احلفي على المصحف قدام الحجة وأحمد مش هيقدروا يتكلموا. إحنا عايزين محمد يتخانق مع أحمد، ولما النفوس تشيل من بعضها، أحمد هيبيع نصيبه في المحلات وأنا هشتري منه برخص التراب، وتستفيدي أنتِ وأنا بالنص!»)*.

وفي تسجيل آخر أحدث، كان يحرضها على أخذ ذهب حماتي وإخفائه في الشنطة السرية، حتى تتهم حماتي الشغالات أو تشك فيّ أنا شخصياً، فيحدث الشرخ الأكبر وتتفكك العائلة تماماً!

تبين أن “سامح” كان يمر بأزمة مالية طاحنة في عمله، وبدلاً من أن يطلب المساعدة بشرف، استغل طمع سلفتي وضعف نفسها وهوسها بالمظاهر والممتلكات، وأنشأ معها هذا التحالف الشيطاني. كان يعطيها التعليمات، وهي تنفذ داخل البيت بكل غلّ وكبرياء، متسلحة بجرأتها التي وصلت بها إلى حد القسم بكتاب الله كذباً وباطلاً!

سقطت حماتي على الأرض وهي تبكي بحرقة على ابنها وعلى أختهم التي لم تكن تعلم شيئاً عن مخططات زوجها الخبيث، بينما أخذ زوجي ينظر إليّ وهو في قمة الخجل والندم، متذكراً كيف كان يطالبني بالسكوت والتنازل عن حقي في جهاز البراون، وكيف كان سيتسبب هذا السكوت في تمهيد الطريق لهؤلاء الأشرار لتهديم السقف فوق رؤوسنا جميعاً.

وقف أحمد وهو يتنفس ببطء قاتل، وقال بصوت حاسم أبرد من الثلج: «أختنا ملهاش ذنب، لكن الندل ده مش هيدخل البيت ده تاني.. والصبح بدري الصاحب المؤتمن ده هيكون في قسم الشرطة بالرسائل والتسجيلات وبإيصالات الأمانة اللي كان ناوي يبتزنا بيها!».

لكن ما لم يكن يتوقعه أحد، هو الرد المفاجئ الذي جاء من أخت زوجي نفسها عندما علمت بالحقيقة في الصباح، والتصرف غير المتوقع الذي قامت به سلفتي بعد أن عرفت أن أوراق اللعبة كلها أصبحت مكشوفة…

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى