
وصلت البيت والعربية مركونة تحت العمارة. نزلت وبصيت للشنطة المفتوحة والترابيزة والكرسيين الملفوفين ببطانية قديمة في الكنبة الوراانية. كان الشارع هادي في الوقت ده من بعد الظهر.
طلعت السلم خطوة بخطوة، مسكة الظرف في إيدي كانت أقوى من أي حاجة ثانية. فتحت باب شقتي الصغيرة، ولقيت بنتي قاعد على ترابيزة الصالة الصغيرة، حواليها كتب الثانوية العامة والمذكرات، وباصة في الملازم بتعابير وش مجهدة وشكلها شايل هم كل كلمة بتمتحن فيها.
أول ما سمعت صوت الباب فتحت ورَفعت رأسها: “تأخرتي ليه يا ماما؟ مش قيلالي هتروحي وتيجي بسرعة؟”
ما رديتش عليها فوراً. حطيت مفاتحي على الرف وقربت منها بالراحة. بصيت في وشها اللي شبهي، وشفت الفزع المستتر في عينيها من المستقبل، من مصاريف الدروس، ومن حلم التمريض اللي كانت خايفة تحرم نفسها منه عشان الفلوس.
قعدت جنبها على الأرض وحطيت الظرف التخين على الترابيزة قدامها.
بنتي بصت للظرف بستغراب وضيقت عينيها: “إيه ده يا ماما؟”
“افتحيه يا نور.” بصوت مش قادرة أسيطر على رنته.
نور مدّت إيدها، مسكت الظرف واستغربت تقله، وبعدين فتحت لسان الظرف وطلعت الأوراق. بدأت تقرأ السطور الأولى، وعينيها بتتنقل بين الشهادات وحساب الاستثمار المفتوح باسمها والخطاب المكتوب بخط الست نادية.
شفت الصدمة وهي بتتشكل على وشها تدريجياً، لغاية ما جمود وشها اتفك، والدموع جمعت في عينيها بسرعة.
“ماما… إيه الحاجات دي؟ دي مصاريف الجامعة كلها! مين… إزاي؟”
مسكت إيديها الاثنين بين إيديا وقلت لها: “الست نادية… الست اللي بنضف عندها كل خميس بقالي ثمان سنين.”
نور بصتلي بذهول مش مصدقة: “الست اللي كنتِ بتمشي قبل ما تمشي من عندها عشان ما تتقليش عليها؟ اللي كنتِ بتسيبيلك أزازت المية على الترابيزة؟”
“هي يا نور… طلعت كانت شايفانا طول الوقت. كانت شايلة همك وهمي من غير ما تحسسنا بحاجة، ومن ثمان سنين وهي بتعمل الصندوق ده عشان يوم زي ده.”
نور حطت الأوراق على صدرها وقامت ارتمت في حضني. بكينا إحنا الاثنين، بس المرة دي ما كانش بكاء تعب أو خضار من بكرة، كان بكاء نِفس عميق أخيراً قدرنا ناخده بعد سنين من الخوف.
بعد ما هدينا، بصيت لنور وقلت لها: “إنزلي معايا تحت… فيه أمانة ثانية نادية بعتاهالك بنفسها.”
نزلنا الشارع، فتحت باب العربية الورااني، وساعدتني نور في شيل الكرسيين والترابيزة الخشب القديمة. طلعناهم الشقة، وحطيناهم في نص الصالة الصغيرة بعد ما شيلنا الترابيزة البلاستيك القديمة المكسورة.
الترابيزة الخشب المدهونة بطلاء بني دافي غيرت شكل المكان كلياً. حطينا الكراسي، وقعدنا عليها إحنا الاثنين.
نور حطت إيدها على الملمس الخشب الناعم للترابيزة وقالت بصوت خافت: “الترابيزة دي شكلها شايل حكايات كتير أوي يا ماما.”
“شايلة ثمان سنين تعب… وثمان سنين حنية ما كناش شايفينها.”
في المساء، نور مسكت مذكراتها وقعدت تذاكر على نفس الترابيزة، بس المرة دي وشها كان هادي، والتوتر اللي كان ملازمها طوال السنة اختفى كأنه ما كانش. وأنا قعدت قصادها، بصيت للأوراق المبسوطة على جنب، وللمفتاح النحاسي الجديد اللي سبته جنب ورقة صغيرة كتبت فيها رقم نادية الجديد.
مسكت التليفون، وترددت لحظة… وبعدين طلبت الرقم.
جرَس… اتنين… وفي الثالثة جالي صوت نادية الدافئ:
” ألو… وصلتي بالسلامة يا أمل؟”
بتسمت وأنا ببص لنور وهي بتذاكر في نور اللمبة البسيط:
“وصلت يا ست نادية… والأمانة وصلت، ونور قاعدة بتذاكر دلوقتي على ترابيزتك.”
ضحكت نادية على الناحية التانية من التليفون، ضحكة صافية حسيت بيها بتدفي الأوضة كلها: “الحمد لله يا أمل.. أنا كده هنام مرتاحة. بكرة الصبح إن شاء الله هبدأ أرتب الشقة الجديدة، ومتنسيش وعدك.. الصيف ده بتاعكم أنتي ونور.”
قفلت المكالمة مع نادية، والهدوء ساد الشقة. نور كانت اندمجت في المذاكرة، وعينيها رايحة جاية بين أوراقها بنفس الشغف القديم بس بقلب رايق، وأنا كنت قاعدة قصادها مش قادرة أشيل عيني عنها. لأول مرة من سنين طويلة، الشغف الممزوج بالخوف اللي كان بيخنقني كل ما أفكر في بكرة يختفي.
مرت الأيام اللي فاضلة على امتحانات الثانوية العامة زي السحاب. الشقة بقت مختلفة، وجود الترابيزة والكرسيين في نص الصالة بقى يفكّرنا كل يوم إن فيه أمل طالع من أكتر الأماكن اللي ما كناش نتوقعها. كنت أقوم الساعة 6 الصبح، أعمل القهوة لنور، وأحط لها الفطار على نفس الترابيزة، وهي تقعد تذاكر بحماس مش طبيعي.
وأنا؟ لأول مرة من 8 سنين، يوم الخميس جه وأنا مش رايحة البيت الكهرمان القديم.
أول خميس يعدي عليا من غير ما أشيل شنطة أدوات التنظيف كان غريب جداً. صحيت الساعة 7 الصبح بعادة 8 سنين، لبيت نفسي لابس الجينز وبجهز الحاجات.. وبعدين وقفت في نص المطبخ وافتكرت. البيت اتسلم، ونادية مشت، وأنا بقيت حرّة من الجدول الصارم ده. قعدت على الكرسي وخنقني إحساس متلخبط بين الفراغ والراحة.
عشان أكسر الوقت، قررت أنضف بيتي أنا. البيت اللي كنت بكسل أعمل فيه حاجة من كتر التعب لما برجع من بيوت الناس. كست، ومسحت، ورتبت الدواليب القديمة، وطلعت الصور القديمة بتاعتي أنا وأبو نور لما كنا مع بعض، ورتبت الألبوم من جديد.
مرت الأسابيع، وإمتحانات نور بدأت وانتهت. كانت بتخرج من كل امتحان وهي بتضحك، وتقولي: “الأسئلة كانت صعبة يا ماما، بس أنا حاسة إن فيه إيد بتطبطب عليا وبتهديني جوة اللجنة.”
وفي يوم النتيجة..
كنت قاعدة على الترابيزة، ماسكة التليفون وإيدي بترتعش، ونور جنب ضافرة صوابعها في بعض. دخلنا على الموقع، حطينا رقم الجلوس.. وشاشة التليفون حملت.



