
الدكتور بصل للراجل الغريب بذهول، وساب القلم من إيده. النبرة الحازمة اللي اتكلم بيها الراجل وطريقة دخوله الأوضة خلت السكون يرجع للمكان، لكن المرة دي السكون كان أتقل وأرعب. “حراسة مشددة؟” الدكتور سأل وهو بيقوم يقف، “البنت مصابة بإرهاق شديد وضغط عصبي مستمر ومحتاجة رعاية دقيقة، مين حضرتك عشان تتدخل بالسرعة دي؟”
الراجل قرب من السرير، أخد نفس طويل، وبص لي بنظرة غموض متخلطة برحمة، وقال وهو بيبص للدكتور:
“أنا المقدم هشام من أمن الدولة. ومدحت اللي لسه مقبوض عليه بره ده، مش مجرد زوج أم غير مسؤولة… مدحت جزء من شبكة تلاعب مالي وتجارة غير مشروعة، والبلاغ اللي جه من المستشفى هنا ضرب جرس إنذار في قضية بنحقق فيها بقالنا سنتين.”
الكلمات كانت بتنزل على راسي زي الحجارة. سنتين؟ نفس المدة اللي اختفت فيها “سلمى” أختي.
قلبي بدأ يدق بسرعة، والجهاز اللي جنبي بدأ يطلع صفارات أسرع وأعلى. الممرضة جرت على الجهاز ووضبت المحلول، والدكتور قرب مني وحط إيده على كتفي يحاول يهديني، لكن أنا كنت بحاول أقعد رغم الإرهاق الرهيب اللي كان حاسه صدري.
“سلمى…” صرخت بصوت خافت ومكتوم ودموعي بتغرق وشي، “سلمى أختي راحت فين؟ هو ورّط أختي في إيه؟”
المقدم هشام قرب مني، وقعد على حرف السرير برفق، وبص في عيني مباشرة وقال بصوت هادي جدًا:
“هدّي نفسك يا شمس… أنا هنا عشان أرجع لك حقك، وعشان أعرف سلمى فين. بس محتاجك تكوني قوية وتفتكري معايا كل حاجة… أي حاجة سمعتيها أو شفتيها في الشركة والبيت.”
أنا قفلت عيني… والضغط النفسي في جسمي بدأ يختلط بذكريات كنت بحاول أدفنها جوه عقلي.
افتكرت الليلة اللي سلمى اختفت فيها. كان الوقت متأخر بالليل، وصوت مطر شديد بره. صحيت على صوت نقاش حاد ومكتوم جاي من الصالة. لما فتحت باب أوضتي حتة صغيرة، شفت مدحت واقف مع راجلين غراب، أشكالهم رسمية، ولابسين معاطف سوداء طويلة. أمي كانت قاعدة على الأرض بتعيط وبتمسك رجل مدحت، وهو زقها برجله بعنف وقالها: “فلوسك هتجيلك لحد عندك، والموضوع ده يتنسى خالص، ولو فتحتي بقك… البنت التانية هتروح ورائها!”
في اليوم ده، سلمى ما رجعتش. وأمي قالت لي الصبح بوش شاحن وعينين ميتة: “سلمى راحت عند خالتك.” ولما سألتها ليه ما أخدتش هدومها، زجرتني ولأول مرة أشوف أمي بالتوتر ده.
فتحت عيني وبصيت للمقدم هشام، ودموعي نازلة:
“أمي كانت عارفة… أمي أخدت فلوس عشان تسيب سلمى تبعد! ومدحت كان بيضغط عليا عشان كان عاوز يخفي باقي الأوراق زي ما عمل مع سلمى، وأمي كانت خايفة على الفلوس وخايفة منه!”
الدكتور هز رأسه بصدمة وبص للضابط: “يعني الأم كانت متورطة؟”
المقدم هشام قام وقف وهو بيشد جاكيت بليزر بتاعه وقال:
“الأم متورطة للرقبة. ولما العساكر مسكوها بره وهي بتصرخ، لقوا في شنطتها اللي وقعت على الأرض إيصالات أمانة ومبالغ مالية مفيش أي مصدر شرعي ليها. مدحت كان بيستخدم البيت ده كمحطة تجميع وتخبئة للمستندات… والنهاردة، لما ضغط على شbs لحد ما فقدت الوعي، كان فاكر إنها هتمضي على كل حاجة، لكن الأم خافت وحبت تنقذ الموقف في آخر لحظة عشان ضميرها… أو يمكن عشان خايفة البوليس يوصل لقصة سلمى.”
فجأة، الطرقة بره الأوضة اتملت بصوت حركة غير طبيعية. أصوات استفسار وتحرك سريع!
المقدم هشام تحرك في ثانية، والممرضة استخبت ورا المكتب. الدكتور وقف قدام سريري بحماية.
“اثبتوا مكانكم!” المقدم هشام قال بصوت حازم، وخرج للطرقة بسرعة.
أنا كنت حاسة برعب لا يمكن وصفه. جسمي اتصلب على السرير، وعيني كانت مثبتة على الباب المفتوح.
سمعنا صوت رجلين بتجري في الطرقة، وصوت راجل بيزعق: “هاتوا الملفات! ما تسيبوهاش تتكلم!”
الصوت ده… أنا عارفاه كويس. ده ما كانش صوت مدحت. ده كان صوت واحد من الأشخاص اللي شفتهم ليلة اختفاء سلمى!
المقدم هشام تعامل مع الموقف بسرعة، وصوت سيطرة أمنية حصل في الطرقة. فردين الأمن بتوع المستشفى دخلوا الأوضة بسرعة وقفلوا الباب الخشب الثقيل وقفلوا القفل الحديدي، وزقوا سرير تاني قدام الباب عشان يمنعوا أي حد يدخل.
“اهدي يا شمس… اهدي!” الدكتور كان بيمسك إيدي اللي كانت بترتعش.
الخبط والضغط على الباب بدأ بكثافة. حد كان بيحاول يفتح الباب من بره بعنف.
أنا غمضت عيني ودعيت بكل قوتي، وفي وسط التوتر ده… سمعنا صوت صفارة إنذار الحريق بدأت تشتغل في جزء خارجي من المستشفى، والدخان الخفيف بدأ يتسرب من تحت الباب نتيجة مشكلة في اللوحات الكهربائية بره.
الشبكة اللي مدحت شغال معاها ما كانتش مجرد عصابة عادية… دول كانوا مستعدين يخفوا كل آثارهم عشان ما أقولش السر اللي هيوديهم كلهم للسجن.
الدخان الخفيف بدأ يتسرب من تحت الباب وزوايا الخشب، وريحة الشياط البسيطة ظهرت مع ريحة المطهرات. صفارات إنذار الحريق كانت بتصرخ بصوت عالي، ومياه الرشاشات المربوطة بالسقف بدأت تنزل فوق جزء من الطرقة.
الدكتور قلع الجاكيت بتاعه بسرعة وحطه على طرف السرير عشان يمنع القلق، وقرب من فردين الأمن اللي كانوا حاطين كل أوزانهم ضد الباب.
“افتحوا شباك الأوضة للتخوية!” الدكتور زعق بصوت مبحوح وهو بيحاول يتنفس، “عشان الهواء والضغط!”
فرد أمن أسرع ناحية الشباك الزجاجي الكبير، وبكرسي خشب تقيل فتح زاوية التهوية كويس. هواء الشارع البارد دخل الأوضة، ومعه أصوات الحركة بره المستشفى بعد ما شافوا تجمع الشرطة.
وفجأة… السرير اللي زاقينه اتحرك من مكانه نص متر!
الباب اتفتح فتحة صغيرة، وظهر منها شخص محاولاً الوصول للكرة الحديدية بتاعة الباب عشان يفتحه للآخر. فرد الأمن مسك عصايته وصد المحاولة، والشخص انسحب بسرعة.
لكن من فتحة الباب، شفت وش الراجل اللي بره… كان لابس نظارة شمسية وشارع من وجهه مختفي، وبص لي مباشرة بنظرة باردة وكأنه بيبص لهدف ضائع.
في اللحظة دي، سمعنا صوت تعزيزات أمنية مكثفة بره في الطرقة. ضربات متتالية وسريعة!
صوت الأشخاص اللي كانوا بيحاولوا يقتحموا الأوضة بدأ يتراجع، وسمعنا سيطرة تامة للأمن. المقدم هشام كان بره وبيؤكد السيطرة على المجموعة اللي اقتحمت المستشفى.
“افتحوا الباب! أمن الدولة!” صوت المقدم هشام زعق بثبات وصرامة من بره.
فردين الأمن زاحوا السرير الثقيل بسرعة وفتحوا الباب.
المقدم هشام دخل الأوضة، هدومه كانت متبهدلة بالهباب الخفيف، وبص للدكتور وقال ونفسه مقطوع:
“المنطقة أمنة مؤقتًا… القوة جتلنا ودعم الشرطة وصل تحت، وقبضنا على أفراد المجموعة اللي هاجمت.”
التفت لي المقدم هشام، وجرى ناحية السرير، ومسك إيدي برفق:
“أنتِ كويسة يا شمس؟ خلاص، هما مش هيقدروا يوصلولك.”
أنا كنت بترتعش من التوتر، والوجع في صدري كان متعبني مع كل نفس باخده. بصيت للضابط ودموعي نازلة:
“هما… هما كانوا جايين يمنعوني عشان ما أقولش على سلمى؟”
المقدم هشام مسح على راسي وقال بصوت حاسم:
“الراجل اللي قبضنا عليه بره اعترف بكلمتين… العصابة دي كانت مستنية مدحت يسلّمهم العقود الأخيرة. ومدحت كان بيستغل بيتكوا كمخزن للورق والإلكترونيات اللي فيها أسماء واعترافات الشبكة دي كلها.”
الدكتور اتدخل بسرعة وقال وهو بيفحص نبضي:
“يا سيادة المقدم، البنت لازم تتنقل فورًا لمستشفى متخصص أو مكان آمن فيه غرفة رعاية متطورة، الإرهاق والضغط العصبي عندها بيزيد، ولو استنينا هنا أكتر من كده حياتها في خطر حقيقي.”
المقدم هشام هز رأسه وافق فورًا، وتكلم في جهاز اللاسلكي بتاعه:
“محتاج عربية إسعاف مجهزة بحراسة مشددة فورًا عند الباب الخلفي للطوارئ. تحريك الحالة للرعاية المركزة في المستشفى العسكري.”
الممرضة جابت بطانية ولفتني بيها بسرعة، والدكتور وفردين الأمن شالوا السرير النقال وبدأوا يتحركوا بيا في الطرقة.
الطرقة كانت آثار التوتر فيها واضحة، ورجالة الأمن محاصرين المكان كله. وأنا معدية، شفت واحد من المهاجمين مقيد على الأرض، وكان بيبص لي بحدية.
نزلنا بالمصعد المخصص لحد الباب الخلفي. عربية إسعاف ضخمة كانت مستنية ومفتوحة أبوابها، وحواليها عربيات شرطة مصفحة.
قبل ما يدخلوني جوه عربية الإسعاف، المقدم هشام قرب من السرير وقال لي بابتسامة طمأنينة:




