روايات وقصص

حكايات اسما 2

“أمي ومدحت تحت التحقيق المشدد دلوقتي في المقر الرئيسي. وأمي لما شافت المستشفى متحصنة وفاكرة إن الحقيقة اتكشفت بالكامل… انهارت تمامًا في التحقيق، وبدأت تعترف بكل حاجة.”

أنا اتسمرت مكاني وبصيت له بلهفة:

“قالت إيه؟ قالت سلمى فين؟”

المقدم هشام أخد نفس طويل، وملامح وشه تحولت لجدية متألمة وقال:

“قالت إن سلمى لسه عايشة… وموجودة في مكان متأمن في استراحة قديمة على طريق بلبيس… ومدحت كان حاجزها هناك عشان يجبر أمك تفضل ساكتة وما تبلغش عنه. والفرق الخاصة متحركة للمكان ده في اللحظة دي عشان يقتحموا المكان ويرجعوا سلمى!”

عيني اتفتحت على آخرها، ودموعي نازلت بغزارة… بس المرة دي ما كانتش دموع خوف، كانت دموع أمل. أختي سلمى عايشة!

الممرضين دخلوا السرير جوه عربية الإسعاف وقفلوا الأبواب، والسرينات اشتغلت وانطلقت عربيات الحراسة بسرعة في شوارع المدينة.

أنا قفلت عيني وسندت راسي، والصفارة بتاعة جهاز النبض كانت لسه بتدق… بس المرة دي كانت بتعد الثواني لحد ما اللحظة الحاسمة توصل… اللحظة اللي هقابل فيها سلمى، واللي السر الأكبر عن مدحت والشبكة دي ينكشف بالكامل قدام النيابة.

عربية الإسعاف المصفحة كانت بتشق طريقها بسرعة في شوارع القاهرة، وسرينات الحراسة حوالينا كانت بتهز السكون. أنا كنت نامية على السرير، ماسكة البطانية بقوة وإيدي بترتعش، مش من البرد ولا من وجع الضلوع… لكن من الأمل اللي زاد جوايا بعد سنتين من الظلمة.

الدكتور والممرضة كانوا معايا جوه العربية، بيتابعوا جهاز النبض والمحاليل. الدكتور كان كل شوية يبص لي ويهز رأسه بطمأنينة:

“قاومي يا شمس… خلاص، الكابوس بيخلص.”

بعد نص ساعة، عربية الإسعاف وقفت فجأة داخل المستشفى العسكري. الأبواب الخلفية اتفتحت، واستقبلنا فريق طبي كامل أخد السرير النقال وجري بيا على غرفة الرعاية المركزة المتطورة. المكان كان أمان تام، ورجالة الحراسة واقفين عند كل باب.

أول ما دخلت الأوضة وتم تثبيت الأجهزة، بدأت أحس بمهدئ قوي بيجري في دمي. عيني بدأت تتقل، ورأسي بدأت تلف، لكن عقلي كان رافض ينام… كنت خايفة أنام وأصحى ألاقي كل ده مجرد حلم، وأرجع تاني لضغط مدحت والورق والمستندات.

مرت ساعات… ومش عارفة الوقت كان كام لما صحيت.

النور في الأوضة كان هادي، والوجع في صدري خف كتير بفضل الرعاية. فتحت عيني بالبطيء، ولقيت المقدم هشام واقف عند الشباك، بيكلم حد في التليفون بصوت وطي لكن حاسم.

أول ما سمع حركة سريري، لفلّي بسرعة وقف التليفون، وقرب مني بابتسامة واسعة، ملامحه اللي كانت دايماً شاحبة ومجهدة كانت المرة دي منورة.

“صباح الخير يا شمس… حمد الله على سلامتك،” قالها وهو بيقعد على الكرسي جنب السرير.

أنا تحاملت على نفسي وسألته بصوت مبحوح ولهفة طفلة اتحرمت من الأمان:

“سلمى… سلمى فين يا سيادة المقدم؟ مسكوهم؟”

المقدم هشام أخد نفس طويل، ومسك دفتر صغير جيبه وقالي:

“القوة الخاصة اقتحمت الاستراحة في بلبيس النهاردة الصبح قبل الفجر. المكان كان متأمن بشبكة حراسة، لكن رجالتنا حاصروا المكان وقبضوا على العصابة كلها من غير ما حد يقدر يهرب… ولقينا سلمى جوه.”

دموعي نازلت فوراً، وسألته ورعشة في زوري:

“هي… هي كويسة؟ هي عايشة بجد؟”

المقدم هشام هز رأسه بالإيجاب:

“عايشة يا شمس… كانت محبوسة في أوضة متأمنة، خايفة ومصدومة، بس سليمة وجسمانياً كويسة. ونقلناها هنا لنفس المستشفى، وهي دلوقتي في الأوضة اللي جنب أوضتك بتتعالج وبترتاح.”

أنا قعدت أبكي من الفرحة… سنتين وأنا فاكرة إن أختي الكبيرة راحت للأبد، سنتين وأنا شايلة ذنب اختفائها.

المقدم هشام سكت شوية، وبعدين كمل كلامه بجدية:

“مدحت وأمك أكلوا بعض في التحقيقات. لما أمك عرفت إننا أنقذنا سلمى وإن المكان اتكشفت، انهارت وقدمت كل تسجيلات المكالمات والأوراق اللي كانت مخبياها… أوراق بتثبت إن مدحت كان الراس المدبرة لشبكة تلاعب مالي، وكان بيستخدم أمك وشقتكم كستار لعملياته. النيابة أصدرت قرار بإحالة مدحت وكل أعضاء الشبكة لمحكمة الجنايات العاجلة بتهم استغلال، إكراه، وتجارة غير مشروعة.”

“وأمي؟” سألته بصوت وطي وأنا ببص للحيطة.

“أمك اتحولت للمحاكمة كشريكة أساسية في التستر على الجرائم دي، وهتتجازى على كل قرار غلط أخدته.”

في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح برفق. الدكتور دخل وهو بيزق كرسي متحرك… وعلى الكرسي ده كانت قاعدة بنت جسمها نحيف، شعرها أسود طويل، ولابسة زي المستشفى الأبيض.

أول ما عيني جت في عينها… الزمن وقف.

“سلمى…”

سلمى قامت من على الكرسي بصعوبة، وجريت عليّ على السرير، اترمت في حضني وهي بتعيط بكل قوتها. أنا حضنتها بكل طاقتي، نسيت كل تعب وكل ضغط عشته.

“شمس… أنا آسفة يا حبيبتي، أنا آسفة إني سبتك!” سلمى كانت بتقولها وهي بتبوس راسي.

“أنا بخير يا سلمى… خلاص، محدش هيقدر يضغط علينا تاني، مدحت وأمي اتقبض عليهم وخلاص كل حاجة خلصت.”

المقدم هشام والدكتور كانوا واقفين عند الباب بيبتسموا بهدوء. المقدم هشام قرب مننا وحط إيده على كتف سلمى وقال:

“الدولة تكفلت برعايتكم الكاملة، وفي دار رعاية متخصصة وهادئة هتتنقلوا ليها بعد ما تخرجوا من المستشفى، وهتكملوا تعليمكم في بيئة آمنة تماماً.”

بصيت لـ سلمى، ومسحت دموعها، وبعدين بصيت للسقف الأبيض… النور كان دافي، وبيعلن بداية حياة جديدة.

السنين اللي فاتت من الخوف والقلق انتهت فوراً… والحقيقة ظهرت والعدل أخد مجراه أخيراً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى