
أشرقت شمس اليوم التالي ثقيلة محملة بالغبار، وكأن الطبيعة نفسها ترفض أن تتنفس في هذا البيت الذي امتص كل هذا القدر من الغدر والخيانة. لم يكن أحد قد ذاق طعم النوم، وكانت حماتي تجلس في الصالة كالجثة الهامدة، عيناها متورمتان من شدة البكاء، وجسدها يرتجف كلما تذكرت أن ابنتها الوحيدة، نورة، كانت تسكن في بيت واحد مع هذا الشيطان الذي أوشك أن يدمّر العائلة بأكملها.
في تمام الساعة السابعة صباحاً، وصل صوت سيارة تتوقف أمام البوابة الخارجية. كان ذلك صوت سيارة “سامح”. نزلت “نورة” أخت زوجي من السيارة وهي تحمل طفلها الصغير، ودخلت الشقة بابتسامتها العفوية كعادتها، لا تدري أن الأرض تحت قدميها قدُزفِت وشُقّت، وأن البيت الذي تركت فيه زوجها قبل ساعة واحدة أصبح ساحة حرب.
أول ما دخلت ونظرت إلى الوجوه؛ شقيقها الكبير “أحمد” الممسك بالهاتف القديم، وزوجي “محمد” الذي يذرع المكان وعيناه تجري منهما الشرر، وحماتي التي انخرطت في نوبة بكاء هستيرية بمجرد رؤيتها.. أوقفت خطوتها وسألت برعب: «في إيه؟ مالكم؟ أمي جرالها حاجة؟!».
تقدم منها أخوها “أحمد” بهدوء مخيف، واقتادها من يدها وجلس بجوارها، ثم وضع الهاتف في يدها وأسفل أذنيها، وشغّل التسجيلات الصوتية بصوت عالٍ.
كان منظر “نورة” وهي تستمع إلى صوت زوجها وهو يخطط لسرقة أمها، وابتزاز إخوتها، وتحريض سلفتها على الحلفان على المصحف زوّراً، كمن يتلقى طعنات متتالية في صدره بلا رحمة. بدأت ألوان وجهها تتغير من الذهول إلى الصدمة، ثم إلى انهيار كامل. سقط طفلها من يدها على الكنبة، وقامت مذعورة وهي تصرخ: «أنتوا بتكذبوا! الصوت ده مش صوت سامح! سامح بيحبكم، سامح بيعتبركم إخواته! ده أكيد ملعوب!».
هنا تقدم زوجي محمد وقال لها ونبرته تخنقها العبرة: «يا نورة صحي من النوم! البراون اللي اتسرق من مراتي كان خطة منه، الذهب اللي اختفى من أمك كان بتوجيه منه، إيصالات الأمانة المكتوبة على أحمد بياض كانت بعلمه ومساعدته! الراجل ده كان بيستغلك وبيستغل طيبتك عشان ياخد المحلات والأرض ويفلسنا كلنا!».
انهارت “نورة” على الأرض وانخرطت في بكاء مرير، لكن رد فعلها لم يكن الاستسلام؛ بل كان مزيجاً من القهر والكبرياء والجرح العميق. رفعت رأسها وقالت بصوت متهدج ولكن بثبات لم نعهده فيها من قبل: «لو الكلام ده صح.. يبقى الراجل ده مات بالنسبة لي من الدقيقة دي! أنا مش هسمح له يكسر إخواتي أو يستغلني عشان ياكل مال أيتام!».
وقبل أن يكتمل المشهد، حدث المفاجأة الأكبر التي لم تكن في حسان أحد!
فجأة، انفتح باب الشقة بفرقعة شديدة، ودخلت “سلفتي” بنفسها!
نعم، دخلت هي وأخوها الأكبر وشخص غريب يبدو عليه الهيبة والقوة. كانت عينها متورمتين، ومظهرها يوحي بأنها تعرضت لضرب أو مواجهة عنيفة في بيت أهلها. لكن وجهها لم يكن يطغى عليه الخجل هذه المرة، بل كان يحمل ملامح غضب أعمى وغلّ لا حدود له!
صرح أخوها في منتصف الشقة: «إحنا مش جايين نعتذر تاني! إحنا جايين ننهي المهزلة دي ونرد الضربة اللي اتضربناها!».
تقدمت سلفتي ونظرت إليّ بغل، ثم التفتت إلى أحمد وقالت بصوت عالٍ اهتزت له جدران البيت: «فكرين إنكم كشفتوني وأني هطلع من اللعبة دي مكسورة ومكسورة الجناح؟! لا يا أحمد! سامح اللي بتسمعوا تسجيلاته ده، ما كانش بيحرضني لوحدي.. سامح كان شريكي، وكان واخد مني مبالغ كبيرة عشان يشتري بيها أسهم وشقق باسمه، وأنا معايا الأوراق اللي تثبت إن فلوس الذهب وفلوس العقود اللي خدتها، نصها راح لحسابه في البنك! ولو أنا هتدمر وهتطلق وسمعتي تروح في الوباء.. فأنتم كلكم هتتسحبوا معايا للنيابة، وأولكم جوز أختكم المحترم!».
ثم أخرجت من حقيبتها ملفاً أصفر كبيراً ورشته على الطاولة أمام الجميع!
ساد صمت أثقل من الجبال. تبين أن سلفتي، وبسبب طمعها وذكائها الشيطاني، لم تكن تأمن لسامح أيضاً! كانت تسجل له مكالمات وتجعله يوقع على أوراق ومستندات تستلم بموجبها الأموال التي يسرقونها سوياً، وكانت تحتفظ بتلك المستندات في مكان آخر تماماً بعيداً عن الشنطة السرية التي وجد فيها أحمد جهاز البراون!
بدت اللعبة الآن وكأنها شبكة من الأفاعي يلتف بعضها حول بعض، ولم يعد الموضوع مجرد جهاز براون ضاع وحلفان على المصحف زوراً، بل تحول إلى قضية رأي عام عائلي، وصراع بقاء بين عائلة كانت ترى نفسها متماسكة، وبين حلف شيطاني انفرطت عقوده وأصبح يهدد بالسجن والفضائح للجميع!
وقف عم زوجي الكبير وقال بصرامة: «افتحوا الملف ده.. وخلينا نشوف السر التالت اللي مخفينه عننا!».
التقط عم زوجي الكبير الملف الأصفر بأصابع ترتجف، وفضّ غلافه ببطء، بينما كانت الأنفاس معلقة في الصالة، والعيون شاخصة نحو الأوراق التي تناثرت على الطاولة. أملتُ رأسي لأرى ما فيها، ليتبين أنها لم تكن مجرد إيصالات تحويل أموال أو عقود عادية، بل كانت كشف حساب بنكي مفصلاً ومفزعاً، يوضح تحويلات مالية ضخمة ومستمرة تمّت على مدار الثلاث سنوات الماضية من حساب سلفتي إلى حساب “سامح” الشخصي!
لكن الصدمة الحقيقية التي جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع لم تكن الرقم الفلكي المكتوب في نهاية الكشف، بل كانت **المصدر** الذي أتت منه تلك الأموال في أصلها!
قرأ العم الوثائق بصوت متهدج وهو يحاول استيعاب الكلمات: «تحويلات باسم الشركة العقارية… توكيلات بيع وإدارة… إيه الأوراق دي يا فلانة؟! الفلوس دي إنتي جبتيها منين؟ ودي مش أرقام ذهب أمي ولا إيجار المحلات، دي ملايين!».
ابتسمت سلفتي ابتسامة انكسار ممزوجة بشرّ وألم، وقالت بصوت يملؤه التحدي: «ملايين؟ أيوة ملايين! فكرين إن السرقة كانت مجرد حتتين ذهب وجهاز براون أخدته عشان أغيظ مرتك يا محمد؟ لا! الفلوس دي هي ثمن المحلات الكبيرة اللي في الشارع الرئيسي.. المحلات اللي الحجة فاكرة إنها متأجرة من خمس سنين، واللي أنتوا كلكم فاكرين إن العائد بتاعها بيدخل في مصاريف البيت!».
وقفت حماتي مذعورة، وألقت بجسدها على الطاولة وهي تصرخ: «المحلات؟! محلات أبوهوم؟! جرى لها إيه يا فلانة؟! ينقطع لسانك، المحلات متأجرة وأنا باخد إيجارها كل شهر من جوز بنتي سامح!».
ردت عليها سلفتي ببرود أشد من الجليد: «سامح ما كانش بيديكم إيجار يا حجة.. سامح استغل التوكيل العام اللي أختكم نورة عملتهوله بعد جوازهم بسنة، وراح بايع المحلات دي بعقود مسجلة للشركة العقارية اللي أنا وهي شغالين معاها من تحت لتحت! وكان بيديكم كل شهر مبلغ صغير ويقولكم ده الإيجار عشان ينيّمكم، بينما الثمن الأصلي للمحلات اتوزع بيني وبينه، واشترى بيه أرض باسمه هو شخصياً في أطراف المدينة!».
سقطت حماتي على أرضية الصالة وفقدت وعيها تماماً من هول الصدمة، لتعم الفوضى المكان. صرخ زوجي محمد وجرى نحو أمه يرفع رأسها، بينما جرى أحمد ليحضر الماء والضغط، وبدأت أخت زوجي “نورة” تلطم على وجهها وهي تصرخ بانهيار: «أنا اللي أمّنته.. أنا اللي وقعت له على التوكيل بنفسي لما قال لي هيدير أملنا عشان إخواتك مش فاضيين! أنا اللي خربت بيت أهلي وإخواتي بيدي!».
في وسط هذه المعمعة، وقفتُ أنا أتأمل المنظر بذهول دافق. كيف لموضوع بدأ بجهاز براون صغير حاولوا إقناعي بالتغاضي عنه والسكوت على حقي فيه، أن يفتح أبواب الجحيم هذه كلها؟ كيف كان السكوت سيعني تغطية كل هذه الأفعال الشيطانية وتمريرها بسلام؟ لو كنتُ صمتُّ إرضاءً لزوجي وحسماً للمشاكل كما طلبوا مني، لظلت هذه الأفاعي تلتف حول رقاب العائلة حتى تخنقهم جميعاً وهم لا يعلمون!
استعادت حماتي وعيها بصعوبة بالغة وهي تئن وتستغيث، ونظر أخي زوجي أحمد إلى سلفتي وإلى أخيها وقال بصوت كالرعد: «الأوراق دي والتسجيلات والشريحة والمصايب دي كلها، مش هتقعد هنا ثانية واحدة.. أنتِ وسامح والأوراق دي كلكوا على النيابة فوراً! بلا عيلة بلا فضايح بلا زفت، اللي سرق أهلي وخان أختي وحلف على كتاب الله زور مالوش عندنا إلا السجن!».
لكن في تلك اللحظة بالذات، وبينما كان أحمد يهمّ بجمع الأوراق والتوجه إلى الباب، سمعنا صوت صرير فرامل عنيف لسيارة تتوقف أمام الباب، يليها صوت ضربات خفيفة ومستعجلة على الباب الخارجي..
فتح زوجي الباب بسرعة، ليتفاجأ بشخص لم نكن نتوقعه إطلاقاً في هذا التوقيت، شخص يحمل في يده حقيبة سوداء صغيرة، ووجهه يقطر عرقاً وخوفاً…
تجمّد الجميع في أماكنهم، وتعلقت الأبصار بالباب المفتوح. كان الواقف عند العتبة هو المحامي الخاص بالحاج متولي—أحد أكبر تجار المنطقة وأقرب أصدقاء والد زوجي الراحل. كان الرجل يلهث كأنه كان يركض ميلاً كاملاً، ويمسك في يده حقيبة جلدية سوداء، ووجهه يفيض بتوتر وشحوب أطفآ كل أمل في أن يكون يحمل خبراً طيباً.
تخطى المحامي العتبة بخطوات وسعى بنظره بين الوجوه المصدومة، ثم وقعت عيناه على الأوراق الملقاة على الطاولة وعلى سلفتي التي كانت تقف متكتفة وملامح التحدي تخالطها ريبة مفاجئة.
قال المحامي بنبرة خفيضة ومتقطعة: «يا جماعة.. الحمد لله إنكم متجمعين كلكم. أنا جاي من مكتب النيابة حالا، وفيه مصيبة تانية طفحت من ساعتين ولازم تعرفوها قبل ما تعملوا أي خطوة أو تبلغوا عن حد!».
انقض عليه أحمد أخي زوجي وسحبه من يده صائحاً: «مصيبة إيه تاني يا أستاذ؟! هو فيه أكتر من إن المحلات اتباعت بتوكيل مزور والفلوس اتسرقت والجوازة كانت تمثيلية؟!».
فتح المحامي الحقيبة السوداء وهو يهز رأسه بأسف شديد، وأخرج منها ملفاً رسمياً مختوماً بشعار الدولة، وقال: «سامح.. جوز أختكم نورة.. اتقبض عليه من ساعة واحدة بس في المطار وهو محاول يهرب خارج البلد بفيزا مزورة وبحسابات بانكية متحولة بره!».
شهقت نورة وانخرطت في بكاء مرير، بينما ارتسمت علامات الذهول على وجه سلفتي التي تراجع لون وجهها فجأة ليصبح أبيض كالملاءة!




