روايات وقصص

حكايات امانى السيد

جوزي من النوع اللي ممكن يحرجني قدام أي حد، حتى قصاد أهلي. وماما كذا مرة قالتلي: «خدي موقف منه»، بس أنا مكنتش بعرف إزاي أعمل كده، وكنت بخاف أعمل مشكلة والوضع يتأزم أكتر.

لكن اللي بقيت ألاحظه إن أسلوبه بدأ يزداد سوء، ومبقاش يراعي، كأنه بيتعمد إنه يحرجني قصاد الناس. ومش بس كده، ده بدأ يهينني ويقلل مني قدامهم.

يعني مثلًا، لو في عزومة، يبدأ يشكر في أكلهم ويذم أكلي. في الأول كنت بقول يمكن بيجاملهم، لكن بعد الأكل يطلب مني إني أقوم أنضف مكان الأكل وأغسل المواعين، حتى لو العزومة عند ناس غريبة. وأنا كنت بتحرج أرفض قصاد الناس أو أكبر الموضوع.

في مرة كنت عند حماتي، وإخوات وسلايف جوزي قاعدين، وأخته كانت عايزة تعمل حفلة تخرج ليها.

جوزي راح عزم عليها إن الحفلة كلها تبقى عندي في البيت، وأنا اللي أضيف كل الناس دي، بحجة إن لو عملتها في بيت حماتي هيتبهدل، وأمه وأخته هيتعبوا في التنضيف، لكن في شقتي هتبقى براحتهم، وأنا هنضف وراهم.

في اللحظة دي، الكلمة نزلت على ودني زي جردل مية متلجة. القعدة كلها سكتت، وسلايفي بصوا لبعض بنظرات فيها شماتة واضحة ومكتومة، كأنهم بيقولوا في سرهم: «شفتوا الجارية اللي جايبها؟»

أخته ابتسمت بفرحة وقالت له: «بجد يا حبيبي؟ تسلملي يا رب، أصل صحابي كتير وكنت شايلة هم البهدلة هنا، وماما صحتها ما تستحملش».

وأمه هزت راسها بارتياح وقالت له: «ربنا يخليك لأختك يا ابني، أهو ده الأخ السند… ومراتك برضه مش غريبة، شقتها أوسع وهتشيلنا كلنا».

وهو باصص لي بتحدي وفارد ضهره، كأنه بيتفضل عليّ، وقال بصوت عالي قدامهم: «طبعًا يا ماما، هي وراها إيه يعني؟ تقف تظبط كل حاجة وتعمل البوفيه، وتخدم على الضيوف، والبيت لو اتبهدل عادي، هي شاطرة في التنضيف وهتقوم بيه تاني يوم. أهم حاجة إنتوا تيجوا تتهنوا وتتبسطوا من غير ما حد فيكم يشيل كوباية من مكانها».

في الثانية دي بالذات، سكتّ ومقدرتش أنطق بحرف. والكسوف بلع لساني زي كل مرة، لحد ما جه اليوم الموعود.

شقتي من الصبح كانت مقلوبة. دخلت المطبخ من الفجر ومخرجتش منه. ريحة القلي والخبز لزقت في هدومي، وشعري لميته بأي كلام عشان العرق كان نازل يغرقني، وكنت لابسة عباية بيت قديمة وسهلة في الحركة عشان البهدلة، ومكنش عندي ثانية واحدة حتى أدخل أغسل وشي أو أتنفس.

هو كان قاعد برة، لابس ومروق على سنجة عشرة، مستني ضيوف أخته، وكل همه إن الحفلة تبان «فخمة».
دخلت ميادة، بنت عمه، متزوقة ولابسة على آخر طراز، كأنها رايحة فرح. ريحة برفانها سبقتها، ودخلت لحد عندي في المطبخ. حسام أول ما شافها، وشه نور وضحكته وسعت، وقام وقف بنفسه يستقبلها، ومسك إيدها بذوق مبالغ فيه، عمرى ما شفته منه.

وفي وسط الصالة، وكلهم باصين بفضول، وقف حسام بفخر، ونحَّن صوته وقال بصوت عالي، سمّع الشقة كلها ووصلني حتى وأنا جوه المطبخ:

«يا جماعة، أحب أعرفكم.. دي ميادة، مهندسة ديكور، وخطيبتي، وقريب هتبقى عروسة البيت ده».

أخته سقفت بفرحة مصطنعة، وصاحباتها بدأوا يباركوا ويقولوا: «مبروك، وربنا يتمم على خير»، وأنا واقفة بتفرج على المشهد، مش مستوعبة اللي بسمعه.

لكن حسام ما اكتفاش بكده، وبدأ يزيد في عمايله لدرجة إنه وصلني لمرحلة مكنتش أتخيل إني أوصلها في يوم من الأيام.

لف وشه ناحية المطبخ، وشاورلي بإيده قدام المعازيم كلهم، وهو لسه ماسك إيد ميادة، وبمنتهى التبجح قال بصوت عالي:

«إنتِ يا بنتي.. هاتي العصير والشربات لميادة هانم هنا في إيدها، واطلعي جري نضفي أوضة النوم اللي جوه عشان لما ميادة تحب تدخل تظبط ميك أب ولا ترتاح، متلاقيش كركبة وزبالة من بتوعك.. يلا بسرعة، متتأخريش!».

ميادة بصتلي بتعالي وقرف، وهي بتبتسم بانتصار، ومدت إيدها تاخد الكوباية من الصينية، كأنها بتتعامل مع واحدة شحاتة على باب جامع. وحماتي وسلايفي قاعدين يتهامسوا ويضحكوا تحت لتحت، مستنيين أشيل الكوبايات وأجري أنفذ الأوامر وأنا باصة في الأرض زي عادتي.

بس النظرة المرة دي كانت مختلفة.

كل نقطة دم في جسمي كانت بتفور، وحسيت فجأة إن الست المكسورة اللي كانت بتخاف من المشاكل ومن كلام الناس، ماتت في اللحظة دي بالذات.

مسكت الصينية بإيدين ثابتين، وثبت عيني في عينه هو مباشرة. ملامحي اتفرغت تمامًا من أي خوف أو كسرة، وخطيت خطوتين لقدام، ووقفت في نص الصالة، وسط الدايرة اللي عاملينها.

وبدل ما أروح ناحية الأوضة، رفعت إيدي بكل برود وعزم، وقلبت الصينية بالشربات والقهوة على هدومه وهدوم ميادة.

الكوبايات نزلت ترن وتتكسر، والبقع غرقت قميصه المكوي وفستان ميادة الغالي.

الصالة كلها شهقت، والصريخ طلع من البنات، وميادة بتنطط في مكانها وهي بتصرخ:

«يا متخلفة يا بيئة.. إيه اللي عملتيه ده!».
مبقاش فاضل في الصالة غيري أنا وهو.. واقف متسمر في مكانه، مبلول بالشربات، وعينه رايحة جاية في الأرض، عاجز حتى إنه يحط عينه في عيني.

جه يقرب خطوة، وبدأ يبرطم:

«إنتِ زودتيها.. إنتِ فضحتي نفسك وفضحتيني..».

قطعت كلامه بنبرة حادة وباردة، خلت رجله تقف مكانها.

روحت على الترابيزة، مسكت موبايلي، ورفعت شاشته في وشه:

«شايف الرقم اللي على الشاشة ده؟ ده رقم أبويا وإخواتي.. يا تاخد ديلك في سنانك وتطلع برة شقتي حالًا بهدومك اللي عليك دي، يا قسمًا بالله هدوس اتصال وهحطهم على الإسبيكر، وهحكي لأهلي وعيلتي كلها عن خطوبتك اللي عملتها في شقتي، وعن المهزلة اللي دبرتها من ورايا.

وابقى وريني وشك بقى، وهيستقبلوك إزاي ويغسلوك إزاي على الفضيحة والعملة السودة دي.. وخلي بابا يشوف المهندس اللي بيضحك على بنته».

وشه بهت تمامًا، والرعب بان في عينيه، لأنه عارف إن أهله، وعمه بالذات، مش هيرحموه، وهيمسحوا بيه الأرض لو عرفوا إنه استغل بنتهم في تمثيلية رخيصة عشان يتمنظر بيها على مراته.

قربت من باب الشقة وفتحته على آخره، وشاورت على السلم وقلت له بقوة:

«برة.. تطلع برة شقتي حالًا. واللي ما بيني وما بينك خلاص مات واتدفن تحت رجليا النهاردة.

ورقة طلاقي توصلي على بيت أهلي بالذوق، بدل ما المحاكم هي اللي هتجيبلي حقي وتفضحك أكتر من كده.. اطلع برة!».

وقف ثواني، وشه بيغلي من القهرة والغل، بس ملقاش قدامه أي حل تاني. الكبرياء المزيف اللي كان عايش بيه اتكسر، ونزل راسه في الأرض وخرج من الباب يجرجر خيبته، ورزع الباب وراه برزعة هزت العمارة كلها.

أول ما رزعت الباب وراه، حسيت إن جبل اتشال من على صدري.

لفيت ورجعت الصالة، وبصيت حواليا. الهيصة خلصت، ومبقاش فيه غير آثار «الفضيحة» اللي هو عملها لنفسه ولأهله.

مسكت تليفوني وإيدي بتترعش، بس المرة دي من الحماس، واتصلت ببابا.

«أيوة يا بابا.. تعالى حالًا إنت وإخواتي، ومش عايزة مخلوق من أهل حسام يعرف إنكم جايين».

بابا حس بلهجتي وسألني:

«خير يا بنتي؟»

قلت له:

«كل خير يا بابا.. تعالوا بس، وهتعرفوا كل حاجة».

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى