روايات وقصص

حكايات امانى السيد 2

سمعت صوت صراخ حماتي بره الباب وخبط عصايتها المتواصل على الأرض، وصوت محمود وهو بيحاول يهديها ويخدها بعيد عن الأوضة. كانوا فاكرين إن العاصفة هتهدأ واني لما هقفل الباب على نفسي هقعد أعيط وأندب حظي زي كل مرة، وبعدين أخرج الصبح وأنا بوطي رأسي وأستسمحهم.

 

بس المرة دي، الهدوء اللي كان جوة قلبي كان أشد وأقوى من كل صراخهم.

قعدت على طرف السرير، وبصيت لابني الكبير “أحمد” وابنتي “شهد”. أحمد كان عنده 14 سنة وشهد 12. كانوا باصين لي بنظرات فيها مزيج من الذهول والفخر.

أحمد قرب مني ومسك إيدي المبوشة وقالي بصوت فيه رجولة مبكرة:

“أنا سمعت كل حاجة يا أمي من بدري.. سمعت تيتا وهي بتتكلم مع بابا في المنور. متخافيش، أنا كبرت خلاص، مش هسيب حد يظلمك تاني ولا يستغلك.”

دمعة واحدة بس نزلت من عيني، بس ما كانتش دمعة ضعف، كانت دمعة راحة.. عرفت إن شقايا في تربية عيالي ما راحش هدر، إن الزرعة الوحيدة اللي سقيتها بعرقي وطلعت أصلية هي عيالي، مش عيلة جوزي.

قمت فتحت الدولاب بالراحة، طلعت منه الشنطة الصغيرة اللي حاطة فيها أوراق الشقة، وعقد ملكية الأرض اللي ورثتها من أبويا وبعتها زمان عشان أساعد محمود يبدأ شركته، وإيصالات الأمانة اللي كان كاتبها لي بفلوسي. كل ورقة كانت شاهدة على إني ما كنتش مجرد زوجة، كنت الشريك والداعم والأصل في كل قرش دخل البيت ده.

خرجت من الأوضة بعد ساعة بالظبط. الصالة كانت حالة من الفوضى. سحر أخت محمود كانت جت جري لما أمها كلمتها، وكانت واقفة مع سلوى وحماتي ومحمود بيتوشوشوا وصوتهم واطي، أول ما فتحت الباب وخرجت، سكتوا كلهم وبصولي.

سحر هجمت عليا وهي حاطة إيدها في وسطها وبتقول بشر:

“جرى إيه يا صابرين؟ أنتِ اتجننتِ رسمي؟ فاكرة نفسك مين عشان تطردي أمي وأخويا من بيتهم؟ ده بيت أخويا ومحدش يقدر يخرجهم منه!”

بصلتها ببرود تام، بصلت للست اللي وقفت في مطبخها 12 ساعة أخدم نسابها وأغسل مواعينها. قلت لها بصوت هادي وثابت:

“يا سحر.. البيت ده بيتي بالقانون وبفلوس ورث أبويا. أخوكِ عارف كده كويس، وأظن إيصالات الأمانة وعقد الملكية اللي معايا في الشنطة دي يقولوا كده للمباحث وللقاضي. ولو نسيتي خدماتي ليكِ ولعزوماتك، أنا مانسيتش، بس حسابنا مش معايا.. حسابنا عند ربنا، أما حسابتنا الدنيوية فبالقانون.”

سحر بصت لأخوها بصدمة: “محمود! الكلام ده صح؟ الشقة مكتوبة باسمها؟”

محمود كان قاعد على الكنبة، حاطط رأسه بين إيديه ومبيردش. حماتي كانت بتبص لي بغل وقالت:

“يا قادرة! يا مفترية! طمعانة في الشقة والبيت بعد ما لميناكي من الفقر؟”

ضحكت بصوت واطي وقربت من حماتي خطوتين:

“فقر؟ الفقر فقر النفوس يا حماتي. أنا جيتكم بكرامتي وبفلوس أبويا الله يرحمه اللي قوم بيهم ابنك شركة مقاولاته. أنا اللي عملت من ابنك ‘مهندس محترم’ يتباهى بيه قدام صحابه، وفي الآخر جايين تتفقوا عليا في المنور عشان تخطبوا له ‘عبير’ وتجيبوها تخدموها على حس الش شغالة القديمة؟”

الكلمة نزلت على حماتي كشفت كل أوراقهم المسحوبة في الضلمة. سلوى سيلفتي لمّت نفسها ورجعت لورا، عرفت إن اللعبة انتهت وإن صابرين بتاعة زمان ماتت خلاص.

قلت لمحمود وأنا بحط الأوراق قدامه على الترابيزة:

“أنت قدامك حلين يا محمود.. يا تخرج بالتي هي أحسن، تاخد هدومك وحاجتك الشخصية، وتشوف لأمك مكان تقعد فيه، وتيجي بكرة للمحامي نكتب ورقة الطلاق بالمعروف، وتسيب لي المصاريف الشهرية لعيالك اللي بيكبروا.. يا إما هرفع عليك قضايا بتبديد الممتلكات وحق الوراثة وإيصالات الأمانة، وساعتها شركتك اللي حيلتك هتروح منك قبل الشقة.”

محمود رفع رأسه، كانت عينيه أحمر من الخزي والكسرة. كان بيبص لي وكأنه بيشوف غريبة، ست قوية وحاسمة مش هي صابرين اللي كانت بتبوس إيده وإيد أمه عشان كلمة رضا.

قال بنبرة مخنوقة:

“صابرين.. بلاش تصغري الموضوع.. أمي كانت بتهزر، وأنا ما كنتش قاصد…”

قطعت كلامه وقاطعت نبرة الرجاء اللي في صوته:

“أنت سكت يا محمود.. السكوت في الموقف ده كان موافقة. أنت بعتني بـ ‘خلاص يا أمي اللي تشوفيه’. خلاص دي كانت نهايتك معايا. الشمعة اتطفت يا محمود، ومافضلش غير الدخان اللي هيعمي عينين أي حد فكر يستغلني.”

حماتي وقفت ورجلها بترعش من الغيظ، مسكت عصايتها وزقت ابنها:

“قوم يا محمود! قوم نمشي من عند الفاجرة دي! مش هنقعد في بيت كتبتيه باسم واحدة خائنة زي دي! هتشوف يا محمود، بكرة تجيب عبير وتربيها على إيدك وتعيش ست السيد، وهي تقعد هنا بالهم والغم!”

بصلت لحماتي وقلت لها بابتسامة نصر:

“الهم والغم كان وجودكم في حياتي يا حماتي. والنهاردة أنا برمي الهم ده ورا ضهري. يلا.. الساعة خلصت.”

محمود قام وهو مجرور الخيبة، لم هدومه في شنطة سفر بسرعة وسط ذهول سحر وسلوى اللي ما كنهوش متوقعين إن صابرين تهد المعبد فوق رؤوسهم في ليلة واحدة.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى