
وقف محمود عند الباب، بص لي بكسرة وقالي:
“مش هنسالك اللحظة دي يا صابرين.. هتيجي تبكي وتحفي تحت رجلي عشان أرجعك.”
رديت عليه وأنا بقفل الباب في وشه بالتدريج:
“اللي بيفوق من الغيبوبة يا محمود.. مابيرجعش يدخل فيها تاني بفرادته.”
ورزعت الباب.
صوت دبة الباب كان أرق وأحلى نغمة سمعتها من سنين. البيت هدي تماماً. الريحة اللي كانت خنقاني راحت. بصيت لأحمد وشهد اللي جوم حضنوني بقوة.
قعدت في الصالة، بس المرة دي ما كنتش قاعدة في الخفاء ولا مستنية حد يقول لي “تسلم إيدك يا صابرين”. كنت قاعدة هانم بيتي، ست أميرة في ملكها، ومعايا أولادي اللي بيبنوا معايا المستقبل.
بس القصة ما انتهتش هنا.. لأن بكرة الصبح كان أول يوم في معركة المحاكم، وكان محمود وأمه بيحضروا لي مفاجأة ثانية كفيلة تقلب القضايا كلها، مفاجأة كانت خبيّة أخت جوزي سحر مدبراها في الضلمة عشان تأخد الشقة مني غصب بالقانون..
أشرقت شمس اليوم التالي باردة، محملة بهواء ثقيل يحمل في طياته أنفاس الحرب المعلنة. لم أنم ليلتها سوى ساعات قليلة، لكنها كانت كافية لأسترد فيها روحاً ظننت أنها ماتت تحت ركام الخدمة والانكسار.
في الثامنة صباحاً، كنت أقف أمام مكتب أستاذ “عبد المجيد”، المحامي العتيق الذي كان صديقاً لوالدي -رحمه الله-. دخلت عليه بملامح ثابتة ووجه خالٍ من أي آثار للدموع. أخرجت الأوراق من شنطتي، وضعتها أمامه على المكتب الزجاجي، وقصصت عليه كل شيء.. من ليلة المحاشي وخدمة سحر، لخبز الفطير في عز الحر لحماتي، وصولاً لكلمات شباك المنور التي قطعت الحبل الأخير.
الأستاذ عبد المجيد نظّر للأوراق بنظاراته القريبة، ابتسم ابتسامة خفيفة فيها الكثير من الحكمة وقال:
“عقد الشقة صحيح ومسجل يا صابرين، وإيصالات الأمانة بتاعة فلوس ورثك ممضية من محمود ومصممة بدقة. وضعك القانوني زي الحديد.. بس عيلة جوزك مش سكتت، ومحمود مش هيسيبك تطلعي بالغنيمة دي بسهولة.”
قبل أن أستفسر عن قصده، رن هاتف المكتب. رفعه الأستاذ عبد المجيد، واستمع لثوانٍ معدودة قبل أن تتبدل ملامحه إلى الجدية الشديدة. نظر إليّ وقال بصوت خفيض:
“المحامي بتاع محمود لسه رافع عليكِ دعوى قضائية عاجلة.. وبلاغ في النيابة.”
وقفت على قدميّ بلحظة: “بلاغ؟ بلاغ بإيه؟”
رد المحامي وهو يضع السماعة: “سحر أخت جوزك راحت القسم الفجر، وعملت محضر بتتهمك فيه بسرقة مشغولات ذهبية ومبلغ مالي كبير من شقتها أثناء العزومة الأخيرة اللي كنتِ بتنضفي لها فيها.. ومحمود وأمه مقيدين شهادتهم معاه في المحضر، وبيطالبوا بالتمكين من الشقة بصفته الولي الطبيعي للأولاد، مع حظر تصرفك في أي ممتلكات لحين انتهاء التحقيق.”
سرت برودة مفاجئة في أطرافي.. الضربة كانت خبيثة، ومحبوكة بدقة من سحر وحماتي. كانوا يعلمون أن السلاح الوحيد الذي يكسر الست الشريفة هو طعنها في أمانتها وسمعتها. أرادوا إيجادي بين جدران القسم، متهمة مكسورة الجناح، لتسقط كل حقوقي وأتنازل عن الشقة وأوراق الملكية مقابل التنازل عن المحضر.
وقف الأستاذ عبد المجيد وأخذ معطفه: “يلا بينا يا صابرين.. اللعب بقى على المكشوف، والناس دي مش فاهمة إن الصابر إذا غضب.. بيبطش.”
في مركز الشرطة، كانت الأجواء خناقة مكتومة. في الممر العريض، كانت حماتي جالس على دكة خشبية ترفع يدها بالدعاء عليّ أمام الضباط والعساكر وتولول:
“يا نااااس.. طعمتها وسقيتها وعملتها هانم، وفي الآخر تسرق دهب بنتي وتطردني من بيت ابني في نص الليل!”
وكانت سحر واقفة بجوارها تتصنع البكاء والانهيار، ومحمود واقف بعيداً، يتهرب ببراق عينيه من مواجهتي، ووجهه مسودّ من الخزي.
أول ما شافتني حماتي، صرخت: “أهي جات الحرامية! أهي القادرة اللي هدمت البيت!”
لم أهتز، ولم أرفع صوتي. مشيت بخطوات واثقة بجوار الأستاذ عبد المجيد ودخلنا لمكتب رئيس المباحث.
المقدم رئيس المباحث نظر إليّ بنظرة تفحصية، ثم فتح الملف أمامه وقال:
“يا مدام صابرين.. في بلاغ رسمي ضدك من المدعوة سحر بسرقة دهب بقيمة 300 ألف جنيه، ومبلغ مالي من أوضة نومها يوم العزومة، وشاهد على ده زوجك وحماتك.. إيه ردك؟”
قبل أن أتكلم، قاطعني الأستاذ عبد المجيد بثبات:
“يا فندم، البلاغ ده كيدي وواضح كالشمس. الموكلة تم طرد زوجها وأمه من شقتها المملوكة لها بعقد مسجل يوم أمس، ورداً على ذلك قامت المشكو في حقها بتلفيق التهمة للضغط عليها للتنازل عن ممتلكاتها.”
سحر دخلت المكتب فجأة وهي تصرخ:
“كذب يا بيه! الدهب كان في الدولاب وهي الوحيدة اللي دخلت أوضة النوم تنضف وتلمس حاجتي! دي كانت زي الشغالة في بيتي وتعرف كل جحر فيه!”
هنا..لتفت إليها ببطء. كانت هذه أول مرة أنظر فيها لسحر بنظرة الخصم، مش بنظرة “صابرين المطيعة”.
قلت لرئيس المباحث بصوت هادئ ومزلزل في نفس الوقت:
“حضرتك يا فندم، أخت جوزي بتقول إن الدهب اتسرق يوم العزومة وقبل ليلة العزومة، صح؟”
سحر ردت بسرعة واندفاع: “أيوه! يوم ما جيتي نضفتِ واستغليتي إني تعبانة وسرقتيه!”
بتسمت ابتسامة هادئة، وطلبت من الأستاذ عبد المجيد يخرج ملفاً صغيراً من شنطته.
قلت للمقدم: “يا فندم.. سحر أخت جوزي عندها كاميرات مراقبة متوصلة بمدخل شقتها وعلى السلم لحماية شقتها، لأن جوزها بيسافر كتير. دي أول حاجة. ثاني حاجة.. ده هاتف موكلي، وعليه تسجيلات صوتية ورسائل واتساب بيني وبينها من ليلة العزومة.”
سحر أتقطعت أنفاسها ووشها أصفرّ.
كملت كلامي بثبات: “في الرسائل دي، هي بتبعت لي الساعة 2 بالليل وتقولي: ‘يا صابرين افتحي كاميرا السلم والمدخل بصي على البواب طالع يعمل إيه’، وفي الرسائل الصوتية بتقول لي بالنص يوم العزومة الصبح: ‘يا صابرين تسلم إيدك الدهب والمجوهرات بتوعي أنا حطاهم في الخزنة وباب الخزنة مقفول، تعالي بس شيل المفتاح وحطيه في المطبخ عشان خايفة يضيع من الزحمة’.”
شغّل الأستاذ عبد المجيد التسجيل الصوتي أمام الضابط. صوت سحر كان واضحاً جداً وهي بتقول بكل أريحية إن طقم الدهب محطوط في الخزنة المقفولة، وإنها بتبعت صابرين تجيب المفتاح من مكان محدد فقط!
الضابط بَصّ لسحر بنظرة نارية: “البلاغ المباشر بيقول إن الدهب كان في درج الدولاب المفتوح.. والتسجيل المباشر من تليفونك أنتِ يا مدام بتقولي فيه إن الدهب جوه الخزنة المغلقة اللي مفتاحها معاكي!”
سحر ارتبكت ورجلها ما بقتش شايلاها: “أصل.. أصل أنا نسيت يا بيه.. أنا كنت فاكرة…”
قاطعها رئيس المباحث بصرامة: “كنتِ فاكرة إيه؟ أنتِ جاية تعملي بلاغ كاذب وتتبلي على ست شريفة في القسم وتضيعي وقت النيابة؟”
في اللحظة دي، دخل محمود المكتب، وشفت في عينيه الخوف الحقيقي لأول مرة. كان عارف إن البلاغ الكاذب عقوبته السجن، وأن السحر انقلب على الساحر.
قرب محمود من الضابط وقال بصوت يرجف:
“يا فندم.. حصل سوء فهم.. إحنا بنسحب البلاغ.. بنسحبه حالاً!”
لكن الأستاذ عبد المجيد وقف وقال بصوت صارم:
“إحنا مش هنوافق على سحب البلاغ ببساطة يا فندم. إحنا بنطالب بتحرير محضر بلاغ كاذب وتزوير ضد المشكو في حقهم، وبنقدم طلب عاجل للنيابة العامة بتمكين موكلتي من حمايتها وعدم التعرض لها، وبإلزام الزوج بدفع نفقة المأكل والمشرب والمسكن فوراً بناءً على المستندات والبطاقة الضريبية لشركته!”
محمود بَصّ لي بعيون مكسورة ومصدمة، وقرب مني وقال بصوت واطي جداً عشان الضابط ما يسمعش:
“صابرين.. حرام عليكي، عاوزة تحبسي أختي؟ ده أنا جوزك أبو عيالك!”
بصلته في عينيه بمنتهى الجمود، وقلت له كلمة واحدة هزت أركانه:
“أنا ما بحبسش حد يا محمود.. أنا بس بسيب القانون يربيكم زي ما أنا فشلت أربيكم بأخلاقي.”
خروجنا من القسم كان مشهداً لا يُنسى. حماتي كانت قاعدة بره بتعيط بجد المرة دي، مش تمثيل، خوفاً على بنتها اللي كانت مهددة بالحبس، وسحر كانت مسندة على الجدار ومنهارة، ومحمود واقف في المنتصف زي الشجرة اليابسة التي أطاحت بها أول عاصفة حقيقية.
رجعت بيتي، فتحت الباب، واستقبلتني شهد وأحمد بالأحضان.
كانت الشقة هادية، والمستقبل قدامي مفتوح، لكنني كنت أعلم أن الجولة الأخيرة لم تبدأ بعد.. فمحمود وحماتي، بعدما خسرا الرهان في القسم والقانون، قرروا استخدام الكارت الأخير والأشد قسوة.. كارت “الأولاد” وورقة “عبير”.




