روايات وقصص

حكايات امانى السيد 3

مرت سنة كاملة على ذلك اليوم في السجن. سنة كانت كفيلة بأن تبدل أحوالاً وتغير مصائر، بينما كانت حياتي تسير بخطى ثابتة ومستقرة. أصبحت مديرة الشؤون المالية في الشركة بشكل رسمي، واستأجرت مكتباً صغيراً بدأت أستثمر فيه مدخراتي، لأبني لنفسي مستقبلاً صلباً لا يمكن لأي عاصفة أن تهزه.

أما على الجانب الآخر، فكانت العدالة الإلهية تتجلى في أبهى صورها.

في صباح يوم أحاد، جائني اتصال من الأستاذ حازم المحامي، يحمل لي أخباراً جديدة.

“صباح الخير يا مدام نادية.. في تطورات جديدة في قضية فوزي ونهى حببت أعرفك بيها.”

جلس خلف مكتبي وأمسكت الهاتف بثبات: “خير يا أستاذ حازم؟”

ـ “نهى صدر ضدها حكم إضافي بتهمة البلاغ الكاذب والتزوير في أوراق رسمية بناءً على القضية اللي رفعها جوزها القديم، والنيابة رفضت طلب الاسترحام اللي قدمته أمه. وفوق ده كله، المصحة النفسية اللي أتحولت ليها تقريرها أثبت إنها بتعاني من انهيار عصبي حاد ورفض تام لرؤية ابنها.”

ـ “وفوزي؟”

ـ “فوزي طلب العفو الشرطي بمناسبة قضاء نصف المدة، بس المحكمة رفضت الطلب لسوء السلوك جوة السجن وبسبب قضية التعويض المالي اللي كسبناها ضده، وتم التنفيذ على باقي عقاراته وأرض الصعيد للبيع في المزاد العلني لصالحك أسبوع الجاي!”

تنفسَت بعمق وقلت: “الحمد لله.. القانون أخد مجراه.”

بعد أسبوعين، أقيم المزاد العلني. كنت حاضرة مع محاميا في القاعة. رأيت أم فوزي وهي تجلس في آخر القاعة، ترتدي ثياباً سوداء بالية، تنظر إليّ بقلة حيلة وعينين فارغتين من أي قوة أو كبرياء. الست التي كانت تتحكم في حياتي وتأمرني بخدمة إبنت أختها، أصبحت اليوم بلا بيت، وبلا مال، وبلا هيبة.

تم بيع الأرض والعقار بأعلى سعر، وأُودعت المبالغ في حسابي البنكي تعويضاً رسمياً عن كل ما سُرق مني ومن جهدي طوال سنوات زواجي من فوزي.

عند خروجي من قاعة المزاد، اعترضت أم فوزي طريقي. لم تكن تهجم أو تصرخ كما كانت تفعل زمان، بل كانت خطواتها بطيئة وظهرها منحني.

وقفت أمامي، ورفعت عينيها المترعتين بالدموع:

“نادية.. أخدتي كل حاجة.. الأرض والشقة والفلوس، وابني في السجن وبنتي في المصحة.. ارتاح قلبك يا بنتي؟”

نظرت إليها بثبات، ولم أرفع صوتي، بل تحدثت بنبرة هادئة ورزينة:

“أنا ما أخدتش غير حقي يا أم فوزي.. الفلوس والأرض دي عرقي وتمني لصبري على ظلمكم. أنتم اللي بعتم إبنتكم وابنكم عشان الطمع والغل.. أنتِ اللي جيتي بيتي بيدك وجايبة نهى تتشرط عليا، وأنتِ اللي كنتِ بتضحكي وفوزي بينزل تحت رجلها يربط الشوز وأنا بتمزع من الجوى. ربنا ما بيظلمش حد، والزارع بياخد اللي زرعه.”

مسحت دموعها بطرف شالها البالي وقالت بصوت مكسور:

“أنا عايشة في أوضة بالإيجار مع أختي.. والولد اللي في الدار ما بنقدرش نزوره عشان مصاريف المواصلات.. ارحمي شيبتي يا نادية.”

ـ “الولد في دار رعاية محترمة، وبياخد أكل ورعاية أحسن من اللي كان هياخدها معاكم. وأنتِ وأختك لسه عندكم صحة تشتغلوا.. زيك زي أي ست بتسعى على أكل عيشها. الزمن اتغير يا أم فوزي، والخدامة اللي كنتِ بتعيريها بفقر أهلها، بقت هي المتبوعة وأنتِ التابعة.”

تركتها واقفت تترنح في مكانها، ومضيت في طريقي.

لم تكن هذه هي النهاية.. فالمفاجأة الأكبر كانت في انتهاء مدة عقوبة نهى وفوزي والتحديات الجديدة التي كانت تنتظرهم فور خروجهم، وهو ما جعل القصة تأخذ منحنى آخر أكثر سخونة .

مرت سنوات السجن الصعبة والمحملة بالخزي والندم على فوزي ونهى، وجاء اليوم الذي خشياه جميعاً.. يوم الخروج إلى العالم الخارجي بعد انقضاء عقوبة التزوير والزنا. خرجت نهى أولاً بوجة شاحب وعينين غائبتين عن الواقع، يلاحقها العار في كل خطوة، ولم تجد في استقبالها سوى أمها المكسورة وزوجة خالها المتشردة في غرفة ضيقة بالإيجار، بلا مال ولا سند ولا سمعة. وبعدها بأشهر، خرج فوزي بجسد نحيل وروح مهشمة، ملابس العفو الرخيصة يظهر عليه الضياع، ليجد نفسه بلا أصل ولا فصل، ولا قرش واحد في جيبه بعدما بيعت كل أملاكه وأرضه في المزاد العلني لصالحي.

في تلك الأثناء، كنت أنا أعيش في عالم آخر تماماً. نادية القديمة جرى دفنها بلا رجعة، ونادية الجديدة أصبحت سيدة أعمال ناجحة بكل ما للكلمة من معنى. أسست شركتي الخاصة للمحاسبة والاستشارات المالية، وانتقلت للعيش في حي راقٍ، واشتريت سيارة حديثة، وأصبح اسمي يتردد في السوق بكل احترام وتقدير. لم أعد تلك المرأة التي تبكي على أعتاب المطبخ، بل صرت امرأة تمتلك زمام أمرها وقرارها.

وفي يوم من أيام الشتاء الممطرة، وأنا أجلس في مكتبي المكيف والمفروش بأرقى الأثاث، أراجع الحسابات الختامية لأحد المشاريع الكبرى، دخلت عليّ سكرتيرتي بملامح مترددة:

“أستاذة نادية.. في واحد برة وضعه يرثى له، مصمّم يقابلك وبيقول إنه قريبك ومن طرف العيلة، ورفض يمشي من غير ما يشوفك.”

رفعت رأسي من بين الأوراق، وشعرت بحدسي يخبرني بهوية الطارق: “خليه يدخل يا مروة.”

فتحت الباب، ودخل فوزي!

كانت الصدمة في هيئته تتجاوز كل تصوّر. الرجل الذي كان يتباهى بقوته وماله ويصرخ في وجهي بقلة احترام، كان يقف أمامي ببنطال مهلهل وجاكيت قديم، ويداه تترعشان من البرد والخوف. نظر إلى المكتب الفخم، ثم نظر إليّ وأنا أجلس بخيلاء ووقار، وكأنه يشاهد حلمًا بعيد المنال.

ابتسمت ببرود ونشرت يدي على المكتب:

” خير يا أستاذ فوزي؟ إيه الزيارة المفاجئة دي؟ أعتقد إن الحسابات اللي بيننا اتقفلت من زمان وبحكم المحكمة.”

بلع ريقه بصعوبة، وخطا خطوة للداخل وكأنه يخشى أن يلوث السجادة الثمينة:

“نادية.. أنا جاي أترجاكي.. أنا برة السجن من شهرين، ومفيش شركة واحدة راضية تشغلني بسبب الفيش والتهمة اللي عليا. أنا وأمي وخالتي ونهى عايشين في أوضة تحت الأرض، مش لاقيين ثمن أكل يومنا! نهى اتجننت ومبقتش تتكلم، وأمي بتموت من السكر والضغط ومفيش ثمن الدوا.. أنا بضيع يا نادية!”

نظرت إليه بثبات ولم يرف لي جفن:

“والمطلوب مني إيه يا فوزي؟ أفتح لك جمعية خيرية؟ ولا أديك شغل عندي في الشركة؟”

سقط على ركبتيه في منتصف المكتب، بدموع حارة وذل لم أره في وجه راجل من قبل:

“أبوس إيديكِ يا نادية! اشتغل عندك أي حاجة.. أقف على الباب، أنضف المكتب، أعمل القهوة! أي قرش أطعم بيه أمي قبل ما تموت! أنا عارف إني ظالم وخاين واستاهل الجزمة اللي في رجلك، بس أمي ملهاش ذنب تموت من الجوع!”

قمت من مقعدي بخطوات ثقيلة ووقفت أمامه، تنظر عيناي في عينيه المكسورتين:

“أُمك ملهاش ذنب؟ أمك هي اللي قالتلي ‘شغلك ده تولعي فيه لو هيعطلك عن خدمة لحمنا’! أمك هي اللي وقفت في الصالة تضحك وأنت نازل تحت رجلين نهى تربطلها الشوز وأنا بتمزع من الجوى! أنت وهي وخالتك ونهى شاركتم في جريمة قتلي وأنا حية.. ودلوقتي جاي تطلب مني العطف؟”

صرخ بنشيج مكتوم: “ارحميني يا نادية.. ربنا بيسامح!”

رددت عليه بصوت كالسيف:

“ربنا بيسامح في حقه، لكن حقوق العباد مفيهاش سماح لما القلوب تتكسر! أنا مش هرميك في الشارع كرهًا فيك، لكن عشان تتعلم إن الدنيا دوارة، وإن اللي يظلم بياخد جزاءه في الدنيا قبل الآخرة. أنا ممكن أبعت لأمك علاج وأكل لوجه الله من غير ما تشوف وشي، لكن أنت.. أنت مالكش مكان في حياتي ولا حتى كخدام تحت رجلي!”

في تلك اللحظة، رن هاتفي، وكان الاتصال من مدير دار الرعاية الاجتماعية التي يُربى فيها “ابن نهى وفوزي”.

فتحت الخط ووضعت السبيكر عمداً ليستمع فوزي:

“أهلاً يا مدام نادية.. حبيت أبلغك إن الولد ما شاء الله كبر وبقى في المدرسة، وفي عيلة مقتدرة ومحترمة طلبت تبنيه وتكفله بشكل رسمي بعد ما أثبتنا أهليتهم، والولد عايش في أحسن حال وناجح في دراسته.”

أغلقت الخط ونظرت لفوزي الذي كان يستمع والصدمة تجمد دمه:

“سمعت يا فوزي؟ ابنك اللي حطيت عقد زنا عشان تجيبه، كبر بعيد عن القرف بتاعكم، وهيتربى في بيئة نضيفة كأنه ميعرفكوش ولا يعرف أمه.. دي النهاية الحقيقية لغدركم.”

انهار فوزي بالبكاء وهز رأسه بضعف حاد، بينما أشرت للسكرتيرة لتطلبي له الأمن ليخرجوه خارج الشركة. خرج يجر أذيال الخيبة والكسرة، يدرك أن كل ما بناه على باطل تحول إلى هباء منثور.

وقفت عند النافذة الزجاجية الكبيرة أرقبه وهو يخرج إلى الشارع الممطر، ينحني ظهرُه تحت قطرات المطر والبرد، واثقة تماماً أن الفصل الأخير من هذه الحكاية شارف على الابتداء، حيث سيكتمل القصاص الإلهي وتغلق كل الأبواب المفتوحة بغير حق.

مرت الشهور التالية كأنها مشهد ختامي في مسرحية مكتوبة بعناية إلهية لا تخطئ.

كان المطر ينسكب بغزارة في ذلك المساء الشتوي، وأنا أجلس في صالة بيتي الجديد، أرتشف القهوة وأتابع عبر شاشة حاسوبي التقرير المالي السنوي لشركتي. حققتُ أرباحاً تجاوزت كل توقعاتي، وتوسعت أعمالي لتشمل فروعاً جديدة. لكن الأهم من الثروة والنجاح كان الهدوء والسلام الداخلي الذي ينعم به قلبي؛ سلام لا يقدَّر بمال، استرددته بعد سنين من القهر والعذاب.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى