
في تلك الليلة، وردني اتصال هاتفي من الأستاذ حازم، المحامي الذي رافقني في رحلة استرداد حقي منذ اللحظة الأولى.
“مساء الخير يا مدام نادية.. بعتذر على الاتصال في وقت متأخر، بس كان لازم أبلغك بالنهاية الرسمية لكل الخيوط القديمة.”
سكنت حركتي، ووضعت الفنجان جانباً:
“خير يا أستاذ حازم؟ إيه اللي حصل؟”
ـ “اليوم قُيدت كافة القضايا والملفات بشكل نهائي ومغلق في الأرشيف القضائي. نهى نُقلت رسمياً وبشكل دائم إلى المصحة النفسية الحكومية بالخانكة بعد تدهور حالتها العقلية تماماً، وبقت غير قادرة على التمييز أو الإدراك. أما خالتاك وحماتك السابقة، فبسبب العجز المالي التام وعدم وجود أي مأوى، اتنقلوا عن طريق دار الرعاية الاجتماعية لمؤسسة رعاية كبار السن.. وبكده مفيش أي أثر مالي أو قانوني يربطك بالناس دول بعد النهاردة.”
سكتت لحظة، ثم سألت ب هدوء:
“وفوزي؟”
نهد الأستاذ حازم بأسى يمتزج بالواقعية:
“فوزي اتعرض لحادث خبطة عربية وهو بيعدي الطريق بالليل في المطرة من أسبوعين.. كان شغال عامل نظافة أو مسح أحذية في إحدى المناطق النائية. المستشفى أعلنت وفاته البارحة لعدم وجود أهل يتسلموا الجثة، ودفنته الدولة في مقابر الصدقة.”
وقعت الكلمات على مسامعي كأنها الصخر، لكنها لم تحدث أي زلزال جوهري؛ لقد مات فوزي في قلبي منذ اليوم الذي نزل فيه على ركبتيه ليربط حذاء بنت خالته على حساب كرامتي ودموعي. الموت الفعلي كان مجرد تحصيل حاصل لروح ماتت بالغل والخيانة من زمان.
قلت بصوت ثابت ورزين:
“إنا لله وإنا إليه راجعون.. ربنا يرحمه ويسامحه على ما اقترفه. شكراً ليك يا أستاذ حازم على كل اللي عملته معايا.”
قفلت الخط، وقمت وقفت قدام الشباك الكبير. كانت قطرات المطر بتنزل على الزجاج وبتغسله، زي ما الأيام والعدالة غسلت كل أثر للظلم والقهر من حياتي.
تذكرت نادية القديمة.. الست المكسورة اللي كانت واقفة في المطبخ ودموعها بتنزل في الأكل، الست اللي اتطردت من أودتها وسريرها وقيل لها “تولعي في شغلك وتخدمي لحمنا”، الست اللي هُددت بشنطة هدومها وورقة عشان معندهاش ضهر.
تذكرت كل لحظة ألم، وكيف تحولت كل قاسية إلى حجر في جدار قوتي وإرادتي.
الولد الصغير بيكبر في عيلة نضفة ومحترمة تحميه من عيلة أمه وأبوه، والأرض والفلوس رجعت لأصحابها بالقانون والعدل، وكل واحد شارك في الظلم شرب من نفس الكأس اللي سقاني منه، بل وأشد مرارة.
ابتسمت ابتسامة هادية وصافية، ورفعت رأسي للسماء ونفست نفس عميق يملأ صدري بالحرية والكرامة.
لقد انتهت القصة.. لم أعد الخدامة، ولم أعد الضحية. أنا نادية.. المرأة التي صنعت ضهرها بنفسها، وقلمت أظافر الظلم بالحق والعقل، وأغلقت كتاب الماضي إلى الأبد.
الحكمة من القصة:
* الظلم ظلمات وفرج المظلوم قريب: القوة والسلطة الزائفة لا تدوم، ومهما بلغت الظالم وطغيانه، فإن عاقبة البغي والظلم وخيمة والجزاء من جنس العمل.
* المرأة هي من تصنع “ضهرها” بنفسها: القوة الحقيقية لا تأتي من الاعتماد على الآخرين، بل من السعي، الاستقلال المادي، الإيمان بالذات، واستخدام العقل والتعلم لحماية الكرامة.
* السكوت ليس دائماً ضعفاً: أحياناً يكون الصمت والتأني في رد الفعل تمهيداً لتدبير محكم وأخذ الحق بالقانون والقوة دون اندفاع.
* الخيانة والباطل هباء منثور: والبيوت التي تُبنى على التزوير، ، وأكل حقوق الناس آيلة للسقوط والانهيار مهما بدت متماسكة في البداية.




