روايات وقصص

بعد الفرح بأسبوع حكايات امانى 4

دخل أبوها وأمها وأخوها الصالون الصغير اللي برة أوضة العناية، والشرر بينط من عينيهم. الأم أول ما شافت بنتها متوصلة بالأجهزة وشها شاحب، اترمت عليها بصرخة هزت المكان، وبدأت تبكي بحرقة وهي بتتحسس دراعها الملفوف بالرباط.
الأب لَف لابنك ووشه أحمر من الغيظ، وقرب منه بخطوات سريعة وحادة، وزقه في صدره زقة خفيفة وهو بيزعق بصوت مكتوم عشان المكان:
* إيه اللي حصل لبنتي يا أستاذ؟! أخدتها من بيتنا وردة مفتحة وبصحتها، وفي كام شهر ترجعهالي مكسرة وبين الحياة والموت في المستشفيات؟! إيه النكد والحرقة اللي بنتي عايشة فيهم معاكم من أول يوم جواز؟!
أخو العروسة اتدخل بسرعة ووقف قصاد ابنك وشادد جسمه:
* إحنا ساكتين وماليين إيدينا بالصبر من يوم اللي حصل في بيتك ورجوعها زعلانة ومكسورة النفس! قلنا بكرة يعقلوا ويحترموا بنتنا والأصول، تقوم توديها في حادثة وتخليها تشيل الصدمة بدالك؟! بنتنا مش رخيصة ولا ملهاش أهل عشان تتبهدل البهدلة دي!
ابنك كان واقف ساكت، حاطط رأسه في الأرض، وما حاولش يدافع عن نفسه أو يرد بغلظة. كان حاسس بالذنب والكسرة قصاد أهلها، وما كانش قادر يقول غير:
* حقكم عليا يا عمي.. والله العظيم أنا فداء رجليها، وإصابتها دي كانت بسببي وهي بتتفاداني.. أنا مقدر زعلكم ومستعد لأي حاجة تطلبوها.
أنا وبناتي ما قدرناش نقف ساكتين وابننا بيتهان قصادنا وهو تعبان ومجبس، بس المرة دي ما دخلناش بكبرياء ولا بعصبية زي زمان. قربت من أبو العروسة وبصيت له بعيون مليانة دموع ورجاء، وقلت بنبرة أم مكسورة:
* حقك عليا أنا يا أبو فلان.. لو عايز تلوم حد أو تحاسب حد، حاسبني أنا. ابنك مالوش ذنب، وده قدر ربنا ومكتوب.. وبنتك أثبتت إنها بألف راجل، وحمت ابننا بروحها. والله العظيم إحنا عرفنا قدرها وقيمتها، وعلى رأسنا من فوق من هنا وجاي، ومش هتشوف مننا غير كل خير وحب.
بناتي قربوا من أمها اللي كانت قاعدة تبكي، وبنتي الكبيرة وطت مسكت إيد الأم وقالت لها بصوت مخنوق:
* يا طنط ارجوكي اهدى.. بنتك بخير والدكتور طمنا عليها، وإحنا هنا من إمبارح ما فارقناش باب الأوضة.. حقكوا علينا كلكم، وإحنا إخواتها ومن النهاردة تحت رجليها.
الأم والأب بصوا لبعض بصدمة وذهول. كانوا داخلين متوقعين إنهم يلاقوا المعاملة الجافة والجفاء اللي بنتها كانت بتحكيه لهم، بس لقيوا استسلام كامل واعتراف بالجميل، وكسرة عين حقيقية منا كلنا قصاد أصل بنتها الطيب.
الأب أخد نفس طويل، وغضب ملامحه بدأ يهدى شوية بشوية وهو شايف ابني وافِق بجبيرة إيده ورأسه الملفوفة، وشايف دموعنا ورجاءنا. بص لابني وقال بنبرة أهدى بس لسه جادة:
* يا بني إحنا مش بتوع مشاكل، ولا جايين نعمل شو.. إحنا بنتنا هي كل حيلتنا في الدنيا، ولما نشوفها بالمنظر ده بعد كام شهر من جوازها، قلبنا يتحرق! البنت دي عاشت في بيت أباها معززة مكرمة، وعمر ما حد قلل منها ولا طلب منها حاجة تكسر نفسها!
ابنك قرب من حماه، وباس رأسه وإيده وقال:
* على رأسي يا عمي، وبنتك في حمايا وفي قلبي، والبيت بيتها واللي تؤمر بيه هو اللي هيتم.. ومش هتشوفوا مني ولا من أهلي غير اللي يرضيكم ويرضي ربنا.
الأم هديت شوية، وقعدت جنب بنتها تمسح على رأسها بالراحه، والعروسة فتحت عينها ببطء، وبصت لأمها وأبوها وقالت بصوت واطي ومجهد:
* متزعلش يا بابا.. ما حدش له ذنب.. طنط والبنات معايا من إمبارح وما سبنيش.. إحنا كويسين.
الكلمة دي من العروسة كانت بمثابة طوق النجاة اللي لمّ الشمل وأنهى الخلافات بين العيلتين. الأب هز رأسه وقال لابني:
* خلاص يا بني.. قدر الله وما شاء فعل. المهم بنتنا تقوم بالسلامة وترجع بيتها معززة.
مرت الأيام اللي بعد كده في المستشفى هادية ونقية. العروسة بدأت تتحسن بشكل ملحوظ، وكل يوم كان بيعدي كان بيقربنا من بعض أكتر. أنا وبناتي كنا بنتبادل الشفتات مع أمها في المستشفى؛ نعمل الأكل في البيت ونجيبه دافي، ونغسل هدومها، ونساعدها في الحركة بالراحة، وابنك كان طاير من الفرحة وهو شايف أهله ومراته وأهلها بقوا إيد واحدة.
وبعد أسبوعين كاملين من التعب والقلق، جه اليوم اللي الدكتور أذن فيه للعروسة بالخروج من المستشفى وترجع بيتها عشان تكمل فترة النقاهة.
البيت بتاعهم كان متزين، وابنك كان مجهز كل حاجة بلهفة عريس جديد. وصلنا كلنا مع بعض؛ أنا وبناتي وأهلها، عشان نوصلها لحد سريرها ونطمن عليها.
أول ما دخلنا الشقة، العروسة بصت للصالة، وافتكرت المكان اللي شهد على أول مشكلة بيننا، يوم ما كانت قاعدة على الأرض بتعمل الباديكير..
لفت بصتلي بنظرة فيها ذكريات حزينة بس ممتزجة بالارتياح للوضع الجديد.
أنا فهمت النظرة دي على طول. قربت منها، ومسكت إيدها السليمة بالراحة، وأخدتها لحد الكنبة وقعدتها عليها كأنها ملكة. ولفت لبناتي وابني، وقلت بصوت واضح قدام الكل:
* من النهاردة يا بني.. البيت ده بيتك وبيتها، والعروسة دي متتشالش غير على الراس.. وأي حاجة تطلبها في بيتها هي الآمرة الناهية فيها.
بنتي الكبيرة ابتسمت وقربت جابت مخاد وحطتها ورا ضهر مرات أخوها عشان ترتاح، وقالت بضحكة صافية:
* وأنا من النهاردة المانكير والباديكير بتاعي هعمله بنفسي في بيتي، ولما أوز أتعلم حاجة، هسأل أستاذتي بالمعروف وبأستئذان!
الكل ضحك من قلبه، والجو اللي كان محبوس بالنكد والتوتر اتفك تمامًا، ومراته ابتسمت ابتسامة عريضة صافية من قلبها.
لكن، وبينما كنا قاعدين بنشرب الشاي وبنتكلم والضحكة مالية المكان، رن جرس الباب برنة حادة ومستعجلة..
ابنك قام يفتح الباب وهو مستغرب مين ممكن ييجي في وقت زي ده، وأول ما فتح الباب، كانت المفاجأة اللي أربكت القعدة كلها وتسببت في صدمة جديدة محدش كان متوقعها…
فتح ابنك الباب، ووقف في مكانة مذهول. على العتبة كانت واقفة واحدة ست في أواخر الأربعينات، معالم الرفاهية يبان عليها بس ملامحها حادة ومشحونة بالغضب، وجنبها راجل كبير باين عليه الوقار، ومعاهم شابين هيئتهم متوترة.
الست دي ما استنتش ابنك يستأذنها أو يرحب بيها، زقّت الباب بإيدها ودخلت الصالة بخطوات سريعة وصوت جزمة يرن في المكان، وعينيها بتدور في البيت لحد ما وقعت على العروسة وهي قاعدة على الكنبة بيننا.
العروسة أول ما شافتها، وشها اتخطف ولونها أصفر، ومسكت في دراع أمها برعشة شديدة. ابنك جيري وراهم وهو بيقول بصوت مشدود:
* يا فندم في إيه؟! حضراتكم مين وداخلين كده إزاي؟!
الست وقفت في نص الصالة، ولفت لابنك وبصت له من فوق لتحت بنظرة استعلاء، وبعدين بصلتي أنا وبناتي ولأهل العروسة، وقالت بصوت جهوري هز البيت:
* أنا خالتها! الخالة اللي كنتم مستغلين إنها مسافرة برة مصر وما تعرفش القرف والمهانة اللي بنتها اتعرضت لها من أول يوم دخلت فيه البيت ده!
أم العروسة قامت وقفت بسرعة ومسكت في أختها:
* يا فادية اهدي صلّي على النبي! الموضوع عدى والحمد لله بنتي قامت بالسلامة والناس أصلحوا حالهم!
ردت الخالة بعصبية وهي بتنفض إيد أختها:
* أصلحوا حالهم إيه يا أختي؟! إنتوا اللي طيبين وزيادة عن اللزوم وبتعدّوا! البنت اتصلت بيا من فترة وهي بتعيط ومكسورة النفس من المعاملة والاستعباد اللي شافته، وقالتلي إني متجوزة ناس فاكرين نفسهم أسياد وهي خدامة عندهم! ولما حبيت أرجع مصر عشان أقف في وشهم، أسمع إن بنتي في المستشفى وبين الحياة والموت بسببه وبسبب أهله؟!
أبو العروسة اتدخل بصوت حازم:
* يا فادية يا أختي ما يصحش الكلام ده قدام الناس! الولد مراته فدته، والناس هنا عرفوا قدرها وما سبوهاش لحظة في المستشفى، والقدر مكتوب علينا جميعًا!
الخالة لفت وشها لينا، وبصتلي أنا وبناتي بنظرة مليانة احتقار، وقالت بصوت عالي:
* عرفوا قدرها بعد إيه؟! بعد ما بغشمهم حطوها في موقف يقلل منها؟ بعد ما البنت كادت تروح فيها؟! إنتوا فاكرين كلمة “حقك علينا” وحضنتين في المستشفى يمسحوا الإهانة؟ لا يا حبيبي! البنت دي من عيلة وليها ضهر، وأنا مش هسيبها على ذمة راجل ولا بيت ما يعرفوش قيمتها!
ابنك اتنفض ومسك إيد مراته بقوة، وقال بصوت حاد وواثق:
* لحد هنا وستوب يا فندم! البيت ده بيتي، والمرأة دي مراتي أنا! وأنا اللي يحميها بروحي، وعلاقتنا بأهلي أصلحناها بفضل ربنا وطيبة قلب مراتي! أرجوكي ما تتدخليش بين الراجل ومراته بأسلوبك ده!
الخالة ضحكت بسخرية واستفزاز:
* بيتك ومراتك؟ طب طالما أنت راجل وبيتك، إزاي سمحت لأمك وإخواتك يقعدوها تحت رجليهم من أول أسبوع؟ إزاي سيبتهم يكسروا نفسها بالمنظر ده؟! إيه، كنت مسافر ولا ما كنتش دريان؟!
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. حسيت إن الماضي اللي بنحاول ندفنه ونكفّر عنه بيصحى تاني يجلدنا، وإن الغلطة اللي عملناها في الأول لسه بتدفعنا التمن، وبتدي الفرصة للغريب يدخل يقل بكرامتنا في بيتنا.
بنتي الكبيرة ما قدرت أتمسك نفسها، وقامت وقفت وبصت للخالة وقالت بثورة:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى