
السكون اللي نزل على طرقة المستشفى كان أشد من صوت الحادثة نفسها. الكلمة طارت في الهوا وفضلت ترن في وداني: “رمت نفسها عليا عشان تحميني…”
بصيت لبناتي، لقيتهم واقفين زي التماثيل، ودموعهم بدأت تنزل بذهول وصدمة. بنتي الكبيرة مسكت في كتفي وإيديها بتترعش، والصغيرة غطت وشها بإيديها وبدأت تبكي بصوت مكتوم. في اللحظة دي، كل الأفكار الخبيثة، وكل محاولات السيطرة، وكل الخناقات والتلميحات والتعالي اللي عشنا فيه الكام شهر اللي فاتوا، أتحولوا لكوم قش وطاروا مع الهوا. حسيت بالصغر.. حسيت إننا كنا بنحارب ست بقلب أبيض ومعدن نقي، ست في لحظة الموت ما فكرتش غير في جوزها اللي هو ابننا.
ابنك كان قاعد يرتجف على الكرسي، وشه شاحب والدموع نازلة على الشاش الملفوف حوالين رأسه. قربت منه، وأخدت رأسه في حضني وبقيت أطبطب عليه بكل حنية الدنيا اللي كنت حارماهم منها الفترة اللي فاتت، وقلتله بصوت مخنوق بالبكاء:
* استغفر ربنا يا بني.. ادعيلها يا حبيبي، إن شاء الله هتجوم بالسلامة.. ربنا مش هيضيع أصلها ولا هينسى موقفها ده.. ادعي لها يا ضنايا.
ابنك كان بيعيط بكسرة، وصوته بيتقطع:
* أنا السبب يا أمي.. أنا اللي أخدتها وخرجنا عشان نسافر ونغير جو بعد النكد والفرقة اللي بقينا فيها.. كانت مبسوطة وبتقولي يا رب الأيام الجاية تكون أحلى ونرجع نصالح طنط والبنات، وكانت محضرة هدايا ليكم في شنطة العربية عشان نيجي نيزوركم أول ما نرجع.. وفجأة التريلا دخلت فينا.. في ثانية لقيتها بتصرخ وبترمى جسمها كله عليا وتغطيني بقوتها قبل ما الزجاج يتكسر علينا!
الكلمات دي كانت زي السياط اللي بتجلد ضهري وضهر بناتي. بنتي الكبيرة تقربت بخطوات بطيئة، وقعدت على الركبتين قدام أخوها، مسكت إيده السليمة وبكيتها بحرقة وهي بتقول:
* سامحني يا أخويا.. سامحني يا حبيبي.. أنا آسفة والله العظيم، إحنا كنا عميا وغلطنا في حقها وفي حقك.. يا رب تقوم بالسلامة يا رب وتسامحنا!
الانتظار قدام باب العمليات كان عامل زي أكل النار في القلوب. كل دقيقة بتعدي كانت بسنة. النور الأحمر بتاع أوضة العمليات كان منور، والأطباء والممرضين طالعين وداخلين بجرام دم وأجهزة، ومحدش فيهم راضي يدينا كلمة تطمنا.
أنا وبناتي وقفنا في جنب، وفي لحظة صدق نادرة، مسكت إيد بناتي وقعدنا نترجى ربنا في سرنا. نسيت كبريائي، وطلعت من شنطتي مصحف صغير وبدأت أقرأ منه وبناتي يؤمنوا ورامين حمولنا على ربنا. حسيت إني ببدأ أغسل قلبي من الغل، وإني مستعدة أروح لحد عندها وأبوس رأسها وإيديها لو بس تفتح عينيها وتخرج للدنيا تاني.
بعد ست ساعات كاملين، الأبواب الكبيرة بتاعة أوضة العمليات اتفتحت.
ابنك قام وقف في ثانية، رغم ألم رجله ورأسه، وجرينا كلنا على الدكتور اللي كان طالع يمسح عرقه ووشه باين عليه التعب الشديد.
ابنك مسك في بالو الدكتور وقال بنبرة رجاء تخرم الصخر:
* دكتور! قولي إنها عايشة! أرجوك قولي إنها بخير!
الدكتور أخد نفس طويل، وبص في وشوشنا المترقبة، وقال بنبرة هادية بس جادة:
* الحمد لله.. العملية نجحت، وقدرنا نوقف النزيف الداخلي ونثبت الكسور. إصابتها كانت شديدة جدًا في الجانب الأيمن بسبب الصدمة المباشرة، بس ضربات قلبها استقرت.
ابنك أخد نفس عميق ووقع على الأرض على ركبتيه يسجد لربنا وهو بيعيط بصوت عالي، وأنا وبناتي اتنفسنا الصعداء وحضنا بعض بدموع واهتزاز.
كمل الدكتور كلامه وقال:
* بس محتاجين نكون حذرين جدًا.. هي دلوقتي منقولة لغرفة العناية المركزة، وتحت الملاحظة الشديدة لمدة 48 ساعة الجايين لحد ما تفوق ونطمن على الوظائف الحيوية. الادعاء الأكبر عدا، بس الخطر لسه ما انتهش تمامًا.
عدت ساعات الليل الطويلة وأحنا قاعدين في الممر قصاد الإزاز بتاع العناية المركزة. كنت بص من الإزاز، وأشوف جسمها الصغير المربوط بأجهزة ومحاليل، وشها أبيض زي القماش ومفيش فيه أي لون، وبفتكر يوم ما كانت قاعدة تحت رجلينا بتضحك بكسوف وتعملنا الباديكير بصفاء نية. إزاي إحنا شفنا الطيبة دي استضعاف؟ إزاي تحول الفضول لشر وحب سيطرة؟
على الساعة عشرة الصبح، ابنك كان قاعد جنب باب العناية مش راضي يتحرك ولا ياكل نقطة أكل. بنتي الكبيرة راحت جابت كوباية شاي وساندوتش، وقعدت جنبه، وحطت إيدها على كتفه:
* اشرب يا حبيبي حاجة عشان تقدر تقف على حيلك.. أنت تعبان وجروحك محتاجة راحة.
ابنك بصلها بعيون مليانة حزن، بس النبرة الحادة اللي كانت بينه وبينها اختفت، واكتفى بإن هز رأسه وقال:
* مش قادر يا أختي.. مش هيدخل بؤي أكل ولا ماية وهي محبوسة بين الأجهزة دي بسببي.
في اللحظة دي، الممرضة خرجت بسرعة من أوضة العناية، ولفت لينا وهي بتقول:
* المريضة بدأت تفوق وبتتحرك! الدكتور جوة بيقيس الملاحظات، وجوزها ممكن يدخل ثانية واحدة بس بشرط العصبية والهدوء تمامًا.
ابنك قام بسرعة وجري ورا الممرضة، وأنا وبناتي اتجمعنا عند الإزاز نراقب بقلوب مقبوضة.
دخل ابنك، وقرب من السرير ببطء شديد كأنه خايف يجرحها بنظرة. مسك صوابع إيدها الشمال بالراحة خالص، وبدأ يهمس لها ودموعه نازلة على إيدها.
مراته بدأت تفتح عينيها ببطء شديد.. العينين اللي كانت دايماً بتبص بكسوف وتوتر. لفت رأسها بالراحة، وشافته لابس الشاش ومجبس، وشافت الدموع في عينيه.
وبدلاً ما تشتكي، أو تسأل عن وجعها، أو تفتكر الحادثة.. اتكلمت بصوت واطي جدًا، خافت كأنه همس، وتحركت شفايفها بالكلمات اللي دخلت قطعت قلوبنا كلنا وإحنا بنسمعها من ورا الإزاز:
* أنت.. أنت كويس؟ جرى لك حاجة؟
ابنك انهار ومسك إيدها وباسها ألف مرة وهو بيقول:
* أنا بخير.. أنا بخير يا عمري.. أنتِ اللي حمتيني.. أنتِ بطلة.. سامحيني يا حبيبتي!
مراته ابتسمت ابتسامة باهتة أوي، ولفت عينها ببطء ناحية الإزاز.. وعينها وقعت عليا أنا وبناتي واقفين بنبكي وبنبصلها بنظرة رجاء وألم.




