
القاعة كلها كانت ساكتة سكتة . عيون مديري الشركة والمهندسين الكبار كانت متوجهة ليا باحترام وشغف، إلا عيون حازم.. عيونه كانت جاحظة، وشه أصفر زي الليمونة، ورجليه مكنتش شايلاه لدرجة إنه مسك في طرف الكرسي اللي جنبه عشان ميقعش.
كان يبصلي ويرجع يبص للمحامي ولرئيس مجلس الإدارة، مش قادر يستوعب إن أمه—الست اللي سابها من شهر ومشي وهو مفهمها إن الألفين جنيه كتير عليها—هي هي الست اللي واقفين كلهم بيسقفولها وبيستقبلوا دخولها كشريكة رئيسية ومستثمرة في أكبر مشروع للمجموعة.
بدأ الاجتماع، وكنت بتكلم بكل ثبات ورصانة. المحامي بتاعي كان بيعرض بدالي الأرقام والتفاصيل الهندسية والاستثمارية، وأنا عيني مش بتفارق وِش ابني. كنت شايفه بيعرق في التكييف، كل ما أذكر كلمة عن “الأصول” أو “الاستثمارات”، كان بينزل راسه في الأرض كأن كلماتي سياط بتنزل على ضهره.
أول ما الاجتماع خلص ورئيس مجلس الإدارة قال: “شرفتينا يا حجة منال، ونتمنى الشراكة دي تفتح أبواب خير للجميع”، الوقفة رسمية انفضت. المهندسين بدأوا يخرجوا بانتظام، وحازم فضل واقف مكانه زي المسمار، مش قادر يتحرك من مكان خطوته.
شاورت للمحامي يسبقني على العربية، ووقفت عند باب القاعة الفاضية. حازم قرب مني بخطوات مرعوبة ومترددة، صوته كان طالع مبحوح ومش طالع منه الحروف صح:
“مـ.. ماما؟! انتي.. انتي بتعملي إيه هنا؟ مين دول؟ والفلوس دي.. الشراكة دي منين؟”
بصيتله من فوق لتحت، بكل برود وقوة، ورفعت راسي اللي كانت محنية من الشقا زمان:
“جرى إيه يا باشمهندس؟ مفيش أهلاً يا أمي؟ ولا حتى مبروك على الخطوة الجديدة؟”
حازم مسك إيدي بلهفة ودموعه بدأت تتجمع في عينيه:
“يا ماما فهميني أرجوكي! أنا هتجنن! منين كل ده؟ انتي كنتي مأجرة دكانة صغيرة ومحيلتكش حاجة! مين اللي ورا الكلام ده؟ حد ضحك عليك أو استغلك؟”
سحبت إيدي من إيده بهدوء شديد، وقُلتله:
“محدش بيستغلني يا حازم.. اللي استغلني بجد وأكل شقايا وعمري هو اللي سيبته ورايا في شقتك الشيك يوزع الألفين جنيه! تتذكر البيت القديم بتاع أبويا اللي عبد السميع قالك إنه بيت طين وميردش فيه 50 ألف جنيه على بعض وكنت عايز ترميني فيه توفيراً للإيجار؟”
حازم بلع ريقه وصوته اتقطع: “مـ.. ماله البيت القديم؟”
قُلتله بصوت نزل زي الصاعقة على دماغه:
“البيت والأرض اللي وراه دخلوا في إزالة المحور الجديد.. التعويض بتاعي نزل رسمياً من الدولة.. 40 مليون جنيه cash! أربعين مليون يا باشمهندس اللي كنت بتقولي ألفين جنيه يملوا البيت خير وعايشني شحاتة في الغلا ده!”
حازم رجع خطوتين لورا كأن حد ضربه بقلم على وشه. أيده كانت بترتعش، وعينيه اتوسعت بأعلى درجة من الصدمة:
“أربعين.. أربعين مليون جنيه؟! انتي معاكي أربعين مليون جنيه يا ماما؟!”
ضحكت بمرارة وقُلتله:
“آه يا حازم.. الأربعين مليون دول هم دول تمن حفر الصخر اللي حفرته عشان أطلعك مهندس، هم دول التعويض اللي ربنا بعتهولي بعد ما ابني الوحيد اللي حيلتي في الدنيا باعني عشان يرضي أبوه وطمع مراته الجديدة. عرفت بقى إن حسابتك كانت ضيقة أوي؟”
حازم بدأ يبكي بانهيار كامل، وقرب مني محاولاً يبوس إيدي:
“يا ماما سامحيني! والله أنا اتلخبطت.. عبد السميع وشيماء ضغطوا عليا.. أنا كنت مزنوق وقسط الشقة كان خانقني ومكنتش عارف أفكر! انتي أمي وحبيبتي، أنا عمري ما قصدي أهينك أو أ قلل منك!”
أنا سحبت إيدي ورجعت لورا step:
“متقولش عبد السميع وشيماء يا حازم! انت راجل راشد، مهندس قد الدنيا.. انت اللي قعدت وحسبتها بالورقة والقلم، اديت لأبوك اللي رمامك 15 سنة ومراته الجديدة 10 آلاف فوق معاشه عشان علاجها وخاطرها، وجيت لحد عندي وقدمتلي ألفين جنيه صدقة وكنت فاكر إني هبوس إيدك وش وظهر! انت اللي بعت مش هم اللي أجبروك!”
في اللحظة دي، تليفون حازم رن بصوت عالٍ.. كان المتصل: “عبد السميع”.
حازم بص للتليفون بذهول ومش عارف يرد، أنا مسكت التليفون من إيده وفتحت السبيكر.
صوت عبد السميع جه من الناحية التانية زعيق وهيصة:
“إيه يا حازم؟ فين العشرة آلاف بتوع الشهر ده؟ طنطك ميرفت واقفة في الصيدلية محتاجة الأدوية والفلوس اللي بعتها خلصت! وبعدين مراتك شيماء قفلت السكة في وشي وقالتلي مفيش فلوس طالعة تاني! اتصرف يابني وإلا هاجي أقعد عندك في الشقة بالشرطة!”
حازم صرخ في التليفون بصوت المكسور والمليان غضب:
“اقفل يا عبد السميع! اقفل ومش عايز أسمع صوتك تاني! انت ودتني في داهية وعمري ما هسامحك!”
وقفل السكة في وش أبوه، وبصلي بدموع ترجي:
“يا ماما عشان خاطر ربنا.. ارجعي معايا الشقة، والله لأطرد عبد السميع وميرفت، وشيماء هخليها تبوس رجليكي عشان تسامحيها! البيت بيتك والفلوس فلوسك والأمر أمرك!”
قُلتله بصوت صلب زي الحديد:
“تطرد مين يا حازم؟ انت فاكر إني راجعة عشان شوية فلوس أو عشان أتشفا فيهم؟ لأ يا حازم.. الفلوس دي عملت حاجة واحدة بس، إنها كشفتلي قيمتي عندك.. أظهرتلي إن ابني كان سايبني للزمن وعايش يرضي اللي رموه. الفلوس دي بتاعتي، وهعرف أستثمرها إزاي وأعيش كرامتي بيها في اللي باقي من عمري.”
حازم بقى يبكي بصوت عالي في الصالة: “يعني إيه يا ماما؟ هتتخلي عني؟”
قُلتله وأنا بلف وبمشي بثبات ونظرية أمل للمستقبل:
“أنا متخليتش عنك يا حازم.. انت اللي اخترت الحسبة دي من الأول. والنهاردة الشركة اللي انت شغال فيها، أنا أصبحت واحدة من ملاكها.. وأي تقصير في شغلك هيتحاسب عليه زيك زي أي مهندس صغير هنا.. حسابتك القديمة اتلغت، وابدأ احسب حياتك من جديد بنفسك.. من غير فلوس أمك ومن غير شقاها!”
سيبته واقف في نص القاعة يبكي ويمسح دموعه، وخرجت أركب عربيتي الرأسية، وأنا حاسة إن كل وجع في ضهري اتمحى، وإن كرامتي اللي اتهانت على ترابيزة العشاء اتردتلي تالت ومتلت.
خرجت من مقر الشركة وأنا حاسة بوزن تقيل انزاح عن صدري، بس في نفس الوقت كان فيه غصة مرارة مش قادرة أبلعها. الأم مهما قسيت على ابنها، قلبها بيفضل يتقطع عليه، بس المرة دي الكرامة والعدل كانوا أكبر من أي عاطفة.
في اليوم التالي، انتشار خبر شراكتي في مجموعة الشركات العقارية بقى حديث الساعة في الأوساط التجارية، والخبر وصل لحازم في مكتبه كأنه صاعقة ثانية. الموظفين والمهندسين زمايله بقوا يتكلموا بإعجاب عن “الحجة منال” وعن حجم استثماراتها، وهو قاعد على مكتبه مش قادر يرفع عينه في حد، حاسس إن كل نظرة إعجاب بيا هي بونية متوجهة لوشه ولضميره.
عبد السميع لما سمع بالخبر—عن طريق الصدفة من واحد قريبه شاف اسمي في الصحف والمجلات الاقتصادية—تجنن! عقله طار ومبقاش مصدق إن الست اللي كان بيعايرها بدكانتها المهدودة وبفرشتها في السوق، أصبحت صاحبة ملايين.
في نفس الليلة، كنت قاعدة في شقتي الجديدة الواسعة، المكان كان دافي والهدوء يملاه، والدكتور كان لسه ماشي بعد ما طمني إن علاجي ماشي بنجاح وضهري بدأ يستجيب لجلسات العلاج الطبيعي. التليفون الأرضي بتاع الشقة رن.. ورغم إني مديتوش الرقم لحد، عرفت إن عبد السميع استخدم أساليبه القديمة في التقصي عشان يوصل للرقم.
رديت ببرود: “أيوة.”
جه صوت عبد السميع متلعثم، مليان نفاق وجبن، عكس الصوت العالي الاستعلائي اللي كان بيتكلم بيه على ترابيزة العشاء:
“أهلاً.. أهلاً يا أم حازم.. يا ست الكل.. ألف مبروك، والله العظيم أنا أول ما سمعت الخبر قلبي زغرد من الفرحة! قولت أصيلة وتستاهلي كل خير!”
ضحكت بصوت واطي وممتلئ بالسخرية:
“الله يبارك فيك يا عبد السميع.. خير؟ جاي تبارك ولا جاي تشوف السبوبة الجديدة؟”
عبد السميع اتنحنح وقال بصوت بيحاول يبان حنين:
“يا أم حازم عيب الكلمة دي! إحنا بينا عشرة وعيش وملح.. والواد حازم ابنا إحنا الاتنين. أنا بس قولت يعني.. الحسبة القديمة كانت غلط، وحازم مظلوم في النص. انتي عارفة إن ميرفت تعبانة وأنا معاشي على قدي، وبصراحة كده.. الواد حازم مراته شيماء طردتنا من الشقة ومنعت عنه الفلوس اللي كان بيبعتهالنا! يعني إحنا بقين في الشارع يا منال!”
رديت بثبات وصوت ناشف زي الصخر:
“وانت يوم ما طردتني ورميت ابنك وهو عنده 6 سنين، ورحت اتجوزت الهانم وسافرت، مكنتش خايف علينا من الشارع؟ يوم ما جيت في العزومة وتقولي الألفين جنيه يملوا البيت خير وروحي عيشي في البيت الطين المهدود، مكنتش خايف عليا؟”
عبد السميع بدأ يعيط بدموع التماسيح:
“كنت غبي يا منال! الشيطان دخل بينا! افتحي صفحة جديدة يا بنت الأصول، انتي معاكي أربعين مليون، يعني لو خصصتي لينا أنا وميرفت مبلغ بسيط شهرياً أو شقة صغيرة نستر بيها نفسنا مش هيأثر معاكي في حاجة! ده لوجه الله حتى!”




