
وقف الراجل صاحب البدلة الأنيقة قدام باب العمارة، وبص في وشي بتركيز وقارن ملامحي بصورة قديمة كانت في إيده، وبعدين ابتسم ابتسامة هادية وقال بنبرة راقية:
“أستاذة نونة؟ أنا الأستاذ إبراهيم، المحامي الخاص لمؤسسة التراث الملكي، ودكتور ونيس هو اللي بلغني أتحرك فوراً.. الوصية دي كانت محفوظة في خزنة مغلقة بأمر المحكمة الدستورية من عشرين سنة، ومكنش ينفع تتفتح إلا بشرط واحد بس!”
شريف كان واقف جنبي ومستغرب، وعمي ونبوية وسماح كانوا نزلوا يجرو على السلم لما سمعوا صوت العربيات والدوشة تحت العمارة.
وقفوا كلهم على بوابات العمارة يراقبوا الذهول اللي بيحصل قدامهم.
بابا قرب من المحامي وسأله بصوت مرعوش: “شرط إيه يا أستاذ؟ وأمي سايبة وصية في خزنة رسمية من عشرين سنة إزاي وأحنا ما نعرفش؟”
المحامي فتح المظرف الأثري المصفرّ، وطلع منه ورقة مكتوبة بخط إيد ستي الواضح، وقرأ بصوت عالي اسمع الشارع كله:
“الشرط الصريح للست فاطمة -الله يرحمها- كان: ‘لا تُفتح هذه الوصية ولا تُنفذ أحكامها إلا يوم يكتشف الخبراء السر المخبأ في قطعة الپلاتين الملكية، وتكون نونة هي المالكة الحقيقية والوحيدة لها بدون أي منازعة’.”
نبوية صرخت من على باب العمارة وهي بتلطم على خدها: “وصية إيه دي اللي تطلع بعد عشرين سنة؟! دي ملعوبة! البت دي متفقة مع الصايغ والمحامي عشان تاخد ورث أبونا كلنا!”
المحامي بص لنبوية بنظرة ازدراء حادة ورجع كمل قراية الوصية ببرود :
“بند الوصية الأول: أقر أنا فاطمة الهواري بأن جميع العقارات والأراضي المقيدة باسمي، والتي تم التعدي عليها أو إخفاؤها بواسطة ابني الأكبر حامد وزوجته نبوية، هي ملك خالص لابني الأصغر مجدي ولابنته نونة، حيث قمت بتسجيل عقد بيع وشراء ابتدائي وإيداعه بالمحكمة مع حظر التصرف فيه لحين إعلان ملكية الغويشة الملكية.”
عمي حامد أغمى عليه في ساعتها ووقع على درابزين السلم!
سماح صرخت وهي بتجري عليه: “بابا! الحقوا بابا!”
نبوية وشهاب أصفر زي الليمونة، وبقت تبص للورق وهي بتترعش مش قادرة تنطق كلمة واحدة.. الشقة اللي عايشين فيها، والأرض اللي عمي كان بيجمع إيجارها سنين ويقول لبابا “الأرض ما بتجيبش حاجة”، كانت كلها ملك بابا بالورق والقانون ومن عشرين سنة!
المحامي كمل قراية باقي البند:
“أما البند الثاني: إن السر الذي تحمله هذه الغويشة ليس مجرد قيمتها المادية التي تقدر بملايين الجنيهات.. بل إن الخاتم الملكي الموجود داخل الغويشة هو المفتاح المباشر لخزنة أمانات قديمة مخصصة باسم عائلة الهواري في بنك باركليز بالمملكة المتحدة، وتحتوي على مقتنيات ومستندات تاريخية لا تقُدر بثمن، ولا يحق لأحد فتحها إلا بمن يحمل القطعة الأصلية ويثبت ملكيتها رسمياً.”
شريف جوزي كان واقف ورايا، وشه اتغير تماماً.. عينيه كانت بتلمع بطمع مرعب، ومسك إيدي بقوة وقال بصوت واطي ومربك:
“نونة.. حبيبتي أنتِ سمعتي؟ بنك في إنجلترا وملايين؟ أحنازم نسافر فوراً! أنا هقدم على إجازة من شغلي وأطلع معاكي، وأمي كانت أصلها ناوي تنزل تجيبلك طقم دهب كامل عشان يصالحوكي على الكلام الفارغ بتاع زمان.. ياللا بينا يا حبيبتي نلم هدومنا ونجهز أوراق السفر!”
بصيت لإيد شريف اللي ماسكة إيدي.. اللمسة اللي كانت من يومين باردة ومستقلة بيا، بقت دلوقتي ملهوفة وبتترعش عشان الفلوس.
سحبت إيدي منه بمنتهى القسوة، وبصيت له وبصيت للمحامي وقولت بصوت هز المكان:
“أستاذ إبراهيم.. ستي كتبت أي شروط تخص زواجي في الوصية دي؟”
المحامي ابتسم ابتسامة ذكية وطلع ورقة تانية وقال:
“البند الأخير والمهم جداً يا أستاذة نونة.. الست فاطمة كتبت نصاً: ‘إذا كانت نونة متزوجة وقت ظهور هذا السر، يُشترط لأخذ أي قرش من هذا الإرث أن تكون ذمتها المالية مستقلة تماماً، وأن يوقع الزوج على تنازل رسمي عن أي حق في الممتلكات أو المقتنيات الناتجة عن الوصية، وإلا تؤول الملكية بالكامل لإدارة حماية التراث كوقف خيري’.”
شريف صدمته الكلمات، وشفت الغضب والطمع بيتصارعوا في عينيه، وقال بعصبية: “إيه الكلام الفارغ ده؟! يعني إيه أوقع على تنازل؟! أنا جوزها وليا حق أمنها وأدير أملاكها! أنتِ هتسمعي كلام وصية قديمة ملهاش معنى يا نونة؟”
رديت عليه بابتسامة شفافة وجافة:
“بالعكس يا شريف.. الوصية دي أحسن حاجة حصلت في حياتي. لأنها مش بس كشفت لي عمي ونبوية وسماح.. دي كشفتك أنت كمان. أنت مش جوزي اللي سندني، أنت مجرد شخص كان كسفان بيا قدام أهله لما كنت فاكرني لابس خردة، وهتتجنن عليا لما عرفت إن الخردة دي مفتاح كنز.”
طلعت دبلتي من صباعي، ومسكت إيد شريف وحطيت الدبلة في كفه، وقولتله بكل برود:
“التنازل مش هيبقى عن الفلوس يا شريف.. التنازل هيبقى عني أنا شخصياً. ورقة طلاقي تجيلي على عنوان بابا الجديد.. عنوان العمارة اللي عمي كان سرقها مننا!”
نبوية بدأت تصرخ وتستغيث: “يا نونة يا بنتي حرام عليكِ! هنروح فين؟ حامد جوه! أنتِ عايزة ترمينا في الشارع عشان الفلوس؟ فين صلة الرحم؟”
بابا تقدم خطوة لقدام، وبص لنبوية بعين فيها ثبات وقوة عمري ما شفتهم في حياتي، وقالها:
“صلة الرحم أنتِ اللي قطعتيها يوم ما كنتِ بتأكلي بنتك الدهب وتأكلي بنتي الكلام المسموم! القانون هاياخد مجراه، وأنا ومحامي المؤسسة هنستلم عقارات أمي كلها من بكرة بالشرطة والمعاينة الرسمية.”
سماح كانت واقفة تبصلي بذهول وكسرة مش طبيعية، وهي شايفاني بركب العربية الفخمة مع المحامي وبابا، وبنتحرك في موكب حراسة رسمية لحماية الغويشة والوصية، وشريف واقف في نص الشارع ماسك الدبلة بذهول ومش مصدق إنه خسر كل حاجة في لحظة.
العربية تحركت بينا للمطار عشان يسجلوا المحضر الرسمي بخصوص خزنة لندن.. لكن وأحنا في الطريق، المحامي إبراهيم بصلي بنظرة غموض متأخرة، وطلع مفتاح صغير جداً من الفضة كان ملفوف بجوانتي أسود، وقال بصوت واطي جداً عشان بابا ما يسمعش:
“أستاذة نونة.. الوصية دي فيها صفحة أخيرة مكسورة الشمع ومكتوبة برقم سري.. وفيها تحذير مرعب من ستي فاطمة عن السر الحقيقي اللي جوه خزنة باركليز.. سر مش متعلق بالفلوس خالص، سر متعلق بسبب ستك الحقيقي!”
من عيوني! تفضل هذا المشهد السينمائي للحدث قبل الأخير من قصتنا، بحجم أطول، وتفاصيل أعمق، وأحداث مشوقة تمهد للنهاية المحتومة:
كان الليل ينقضي ببطء قاتل، والجدران الحجرية القديمة للقلعة المهجورة تعكس صدى الأنفاس المتسارعة. فوق قمة البرج الشمالي، حيث يلتقي ضباب الصباح المبكر مع بقايا الظلام، وقف “طارق” يحبس أنفاسه، يده ترتجف قليلاً وهي تقبض على الصندوق الفضي الصغير—الشيء الوحيد الذي خاض من أجله حرباً ضارية لأكثر من ثلاث سنوات.
على بعد بضع خطوات فقط، كان يقف “مراد”. لم تكن ملامحه تحمل أي نوع من التوتر، بل كانت تسكنها برود مخيف، واستقرار ينم عن ثقة مطلقة. كان ضوء القمر الضئيل يضيء نصف وجهه، بينما يختفي النصف الآخر في الظلال.
قال مراد بصوت هادئ كالسم، مسلطاً مسدسه بجمود نحو صدر طارق:
— “لقد قطعت كل هذه المسافة، ضحيت بكل أوراقك، وخسرت كل من كان حولك… كل هذا من أجل صندوق لا تعرف حتى كيف تفتحه يا طارق. ألا ترى عبثية الموقف؟”
تراجع طارق خطوة إلى الخلف، مبتعداً عن الحافة المسننة للبرج. كان الريح يصفير في الفضاء الفسيح خلفه، وحافة الهاوية تبتعد عنه بضعة سنتيمترات فقط. شعر بدمائه الساخنة تسيل من جرح قديم في جبهته، تتقاطر على عينيه لتعتم رؤيته، لكنه رفض أن يرمش.
— “العبثية الحقيقية يا مراد هي أن تعتقد أنني جئت إلى هنا لأساومك.” رد طارق بصوت متقطع، يغالبه الإجهاد، “أنا لم آتِ لأفتح الصندوق… أنا جئت لأتأكد من أنك لن تحصل عليه أبداً.”
سطعت ابتسامة باهتة ساخرة على شفتي مراد، وخطا خطوة بطيئة إلى الأمام، حذاؤه الجلدي يصدر صوتاً حاداً فوق الحصى المتناثر.
— “استسلم للأمر الواقع. المفتاح معي، والأمر انتهى. سلمني الصندوق وربما… أقول ربما، أتركك تسير بعيداً عن هذه القلعة حياً.”
في تلك اللحظة، عم الصمت للوهلة، صمت ثقيل سبقت العاصفة. تلاقت أعينهما؛ عينان تملؤهما الرغبة الانتقامية بالسيطرة، وعينان لم يعد لديهما ما تخسرانه.
فجأة، وبلمح البصر، لم يتراجع طارق. بل خالف كل توقعات مراد واندفع نحو الأمام بكل ما تبقى لديه من قوة!
دوى صوت إطلاق نار هز أرجاء القلعة، وتمزق الصمت. اخترقت كتف طارق الأيسر، لكن الاندفاع وشحنة الأدرينالين منعا جسده من السقوط فوراً. اصطدم طارق بمراد بكل ثقله، ليرتفد الاثنان فوق الأرض الصلبة وتتحرج معهما الأسلحة والصندوق.
اشتبكا بالأيدي في صراع استماتة، صرخات التعب والألم تقتطع أنفاسهما. وجه مراد ضربة قاسية لفك طارق، لكن الأخير استجمع كل ذرة قوة متبقية لديه، وقام بسحب مراد بقوة نحو حافة البرج المتهالكة.
تكسرت الحجارة القديمة تحت أقدامهما، وبدأت تسقط في القاع المظلم على بعد مئات الأمتار. أدراك مراد فجأة الفخ؛ لم يكن طارق يحاول الفوز بالمواجهة، بل كان يجرّه معه إلى الخراب!
انتزع طارق الصندوق الفضي بيده السليمة، ومع تدفق الدماء من كتفه، نظر في عينَي مراد المصدومتين لأول مرة.
— “اللعبة انتهت يا مراد…”
وبحركة أخيره مباغتة، قذف طارق الصندوق بعيداً في الهواء، ليسقط في الهاوية السحيقة بين الضباب والجبال.
ارتفع صوت صرخة غضب مكتومة من مراد وهو يشاهد جهود سنواته وهي تتلاشى في الظلام. وفي تلك اللحظة بالذات، انهار السور الحجري تحت أقدامهما تماماً، ليفقدا توازنهما معاً على الشفير…
هل تحب أن ننتقل الآن إلى الفصل الأخير (النهاية) لنعرف ما الذي حدث بعد هذه اللحظة الحرج؟
تعلق الجسدان في الهواء لثوانٍ معدودة بدا فيها الزمن وكأنه يتوقف تماماً.
مراد حاول بلهفة جنونية أن يمسك بأي شيء، بأحجار السور المنهارة، بملابس طارق، حتى بالهواء.. لكن جاذبية الهاوية كانت أسرع. صرخته الأخيرة امتدت في الفضاء وتلاشت كلياً وهي تغوص في الضباب السحيق لأسفل الوادي، لينتهي معها كابوس طال لسنوات.
أما طارق.. وفي لحظة السقوط تلك، امتدت إيد قوية وثابتة من فوق الحافة المتآكلة!
إيد “سليم”.. الصديق الذي ظن الجميع أنه مات منذ عامين في محاولة اغتيال مراد الأولى.
بمنتهى القوة والجهد، سحب سليم طارق من على شفير بالكامل، ليقع طارق على أرض البرج الصلبة، ينفث أنفاسه بصعوبة، ودماؤه تتخلل بين حجارة القلعة، وعيناه باصتان للسماء التي بدأت خيوط الشمس الأولى تشق ظلامها.
سليم قعد جنبه وهو بينهج، وابتسم ابتسامة تعبانة:
— “قولتلك قبل كده يا طارق.. أنا مش هسيبك لوحدك في المكان القذر ده.”
طارق غمض عينيه وابتسم بوجع، ونطق بصوت مبحوح:
— “الصندوق يا سليم.. الصندوق وقع في الهاوية.. السر راح خلاص.”




