
سليم طلع من جيب جاكيته الفرو الحقيقي.. صندوق فضي صغير متطابق تماماً، وابتسم وهو بيهزه بيده:
— “السر مرامش في الهاوية يا طارق.. اللي رميته في الهاوية ده كان مجرد مجسم فالصو ثقيل أنا بدلتهولك في الظلام قبل ما تطلع البرج بـ 5 دقايق.. مراد مات وهو بيلحق سر وهمي.”
طارق فتح عينيه بذهول وصدمة مش مصدق.
سليم جاب المفتاح الفضي الصغير اللي أخده من جثة أحد رجال مراد تحت القلعة، وحطه في قفل الصندوق الأصلي.. ولف المفتاح ببطء.
“تك..”
صوت الفتح كان زي النغمة اللي استنوها سنين.
فتحوا غطاء الصندوق الفضي.. مكنش جواه دهب، ولا أوراق ثروة، ولا أسرار سياسية متسربة زي ما مراد كان فاكر ومستعد العالم عشانها.
كان جوه الصندوق: “دفتر صغير مصفرّ، ومعاه ميدالية نحاسية مصدية ورخيصة جداً، ووردة مجففة من ثلاثين سنة.”
طارق مسك الدفتر بكتفه المصاب وإيده بتترعش، وفتح الصفحة الأولى.. كانت مكتوبة بخط إيد أبوه الله يرحمه:
> “إلى ابني طارق.. إذا كان هذا الدفتر في يدك الآن، فهذا يعني أنك قد فهمت الدرس الأكبر. مراد طارد هذا الصندوق طوال حياته لأنه ظن أن القيمة في الشيء نفسه، في اللمعة والمال والسيطرة.. ولم يفهم أبداً أن السر الحقيقي كان في الورقة التي تثبت برك وتضحيتك. الحق لا يحتاج إلى ذهب ليلمع، والباطل مهما تغلف بالحديد والجاه، سيسقط في أول هاوية. أنت الآن حر يا بني.. حر من الماضي، ومن التار، ومن الخوف.”
>
طارق مسك الميدالية النحاسية المصدية في كفه، وضمها على صدره وهو بيبكي بكاء عميق.. بكاء التعب والراحة في نفس الوقت.
الميدالية اللي كان مراد بيسخر منها ويسميها “خردة”، كانت هي الشيء الوحيد المتبقي من ريحة أبوه الشريف اللي رفض يبيع ضميره.
بعد مرور سنة كاملة..
الشمس كانت طالعة دافية على ساحل البحر.
طارق كان واقف على الشاطئ، كتافه معافاة، ووشه راجع فيه الحياة والهدوء. جنبه سليم، ووراهم بيت صغير وبسيط من غير حراسة ولا خزن سرية ولا مسدسات.
سليم بص للبحر وقال وهو بيبتسم:
— “بفكر ساعات.. لو مراد كان عرف إن الصندوق اللي مات علشانه مفيش فيه غير دفتر وميدالية نحاس.. كان هيحصل له إيه؟”
طارق بص للموج الهادي، وابتسم بثقة وعمق:
— “كان هيتجنن يا سليم.. لأن الناقص هو الوحيد اللي فاكر إن القيمة في اللمعة الظاهرة.. لكن النحاس اللي صانه الصدق، أنظف وأغلى بكتير من دهب ملوث .”
رمى طارق وردة صغيرة في مية البحر، واستنشق الهواء النقي لأول مرة في حياته وهو حاسس إن الكابوس انتهى تماماً.. وأن العدالة حتى لو تأخرت، بتوصل في الوقت المضبوط، لتبدأ الحياة من جديد.




