عام

حكايات رومانى مكرم 1

رجعت فجأة بعد ثلاث سنين غربة، كنت ببعت كل فلوسى لأمي عشان تعالج رضا من المرض اللي أكل في جسمها. دخلت بيت العيلة في الحارة، ملقتش حد في الصالة، طلعت على مهلي لغاية السطوح.

طلعت بالراحة وشفت رضا.. كانت زي خيال المآتة، جلد على عظم، وشها أصفر زي الليمونة، لابسة جلابية مقطعة وقاعدة على ركبها بتمسح البلاط بمية وصابون، وإيدها بتترعش من التعب، وبنتي الصغيرة فاطمة قاعدة جنبها بتاكل لقمة عيش ناشفة.

“خلصي السطح وانزلي اغسلي المواعين اللي في المطبخ!” صوت أمي جالي من شباك المنور: “إبراهيم جايب ناس ثقال يعاينوا معرض الأدوات الكهربائية الجديد ومش عاوزين قرف.”

وقفت مكاني، النفس اتكتم في صدري. خلال مكالمات الفيديو كانت أمي بتطلع رضا من بعيد لثواني وتقولي كويسة وبتتعالج وزي الفل، “ادفع أنت بس يا مصطفى”، ولما رضا كانت تبطل تفتح الكاميرا أمي تقول النت قطع أو التليفون مكسور.

دلوقتي فهمت.

شفت مراتي بتحاول تقف بس ركبها خانتها ووقعت. مرات إبراهيم أخويا طلعت لها وهي لابسة غوايش رضا الدهب اللي اشتريتها لها في شبكتنا ومسكت كوباية عصير: “إيه الدلع ده؟ قومي فزي بدل ما أقول لإبراهيم يمنع عنك دوا الشهر ده كمان!”

رضا عيطت بصوت مكتوم: “أنا بقالي أسبوعين بروح الغسيل الكلوي على حساب أهل الخير في الحارة.. الفلوس اللي مصطفى بيبعتها بتروح فين؟”

أمي ردت بقسوة من الشباك: “الفلوس بتيجي باسمي أنا، وأنا اللي أقرر تروح فين، المعرض اللي إبراهيم فتحه أهم من مصاريف الموتى!”

جسمي كله كان بيغلي، عاوز أكسر الباب وأهد البيت فوق دماغهم، بس السنين اللي قضيتها في الشقى علمتني إن الغضب الأعمى بيضيع الحق، والهدوء هو اللي بيبني المصيدة.

فتحت الباب بالراحة ورميت شنطة السفر على الأرض.

الصوت هز الشقة، أمي صرخت وإبراهيم اتسمر مكانه، ومراته وقعت كوباية العصير من إيدها. رضا بصتلي بذهول كأني عفريت طلع لها من الأرض: “مصطفى!”

مشيت بثبات، عدّيت من وسطهم كأنهم هوى، وطلعت للسطح شلت رضا بين إيدي، كانت خفيفة زي الريشة، ريحتها تعب وشقى، وبنتي فاطمة مسكت في جلابيتي وهي بتعيط.

أمي جرت ورايا وهي بتأتأ: “يا مصطفى يا بني والله أنت فاهم غلط، مراتك هي اللي مهملة وبترمي الفلوس، وإبراهيم أخوك كان بيحاول يسند البيت!”

بصيت لغوايش رضا اللي في إيد مرات أخويا، وللعربية الزيرو المتركونة تحت البيت، وللمعرض اللي فتحوه بدمي، وبصيت لمراتي اللي كانت بتموت بالبطيء.

ما صرختش.. ما ضربتش حد.

#الكاتب__رومانى__مكرم_

طلعت تليفوني من جيبي وبصيت لأمي وإبراهيم بكل برود وقولت: “أنا صفيت شغلي هناك ورجعت البلد خالص، ومعايا تسوية ونهاية خدمة بـ 5 مليون و600 ألف جنيه في الحساب، وجاي عشان نوزعهم ونأمن مستقبل العيلة.”

إبراهيم عينيه لمعت بالجشع: “5 مليون و600 ألف جنيه يا مصطفى?!”

ابتسمت بهدوء قربت من إبراهيم وحطيت إيدي على كتفه وطبطبت بالراحة، وأنا بتكلم بنبرة هادية بس المرار في صوتي كان يذوب الحديد: “الصوت ده كفيل يرجع كل حقى من غير ما ينقص مليم واحد.”

إبراهيم وشه اتخطف ومسك في ذراعي وهو بيتأتأ: “صوت إيه يا مصطفى؟ أنت بتسجل لنا ولا إيه?!”

بصيت لعينين إبراهيم اللي كانت بتترعش من الخوف، ورحت ساحب تليفوني بالراحة وحطيته في جيبي من غير ما أرد عليه بكلمة واحدة. التفتّ لرضا اللي كانت ماسكة فيا وكأنها خايفة تكون بحلم، شيلت بنتي فاطمة بأيدي الثانية ونزلت بيهم على السلم بكل ثبات، وأمي تجري ورايا وبتصرخ: “يا مصطفى استنى يا بني! بلاش تخرب بيتك وبيت أخوك عشان كليتين تعبانين! تعالى نتفاهم جوة الشقة!”

ما تلفّتش ورايا، نزلت للشارع وركبت أول عربية تاكسي، وأمي وإبراهيم ومراته واقفين في البلكونة يبصوا عليا بذهول وخوف. طلبت من السائق يودينا على أكبر مستشفى خاص في المحافظة. أول ما دخلنا حجزت لرضا غرفة خاصة، ودكاترة الطوارئ اتلموا حواليها، والتحاليل والأشعة أثبتت إن حالتها متدهورة جداً بسبب الإهمال وتأخير جلسات الغسيل والضغط النفسي، وبنتي فاطمة كانت بتصرخ من الجوع والخوف.

قعدت جنب رضا على السرير، مسكت إيدها المرتعشة وبستها، ودموعي نزلت مغرقة إيدها: “حقك وحق بنتنا بيرجع من النهاردة يا رضا، والشقى اللي شقيته مش هيروح هدر.”

رضا بصتلي بصوت ضعيف يادوب مسموع: “أنا مش عاوزة فلوس يا مصطفى.. أنا كنت بس عاوزاك جنبنا، أمك وأخوك أكلوا حقنا وحرموني من العلاج وكانوا بيسيبوني بالليالي أتوجع فوق السطوح.”

سيبت رضا مع الأطباء وبنتنا جنبها، وخرجت برة المستشفى وحسيت إن النار اللي جواه جسمي مش هتهدى إلا بالقانون. كلمت المحامي صاحبي “أستاذ حازم”، وقابلته في مكتبه وحكيت له كل حرف بالتفصيل، وتفريغ تسجيلات التليفون اللي سجلت فيها كلام أمي وإبراهيم وهم بيعترفوا بياخدوا فلوس العلاج عشان المعرض والعربية.

أستاذ حازم بصلّي وقال بثبات: “القضية دي مش بس استرداد أموال، دي فيها إهمال طبي جسيم مع سبق الإصرار، وتبديد أمانة، واستيلاء على أموال بعقود مزورة أو بالتحايل، والمكالمة والتسجيلات اللي معاك مع إيصالات تحويل الفلوس من الغربة باسم أمك هي الخيط اللي هيشنقهم بالقانون.”

في نفس اليوم بالليل، إبراهيم وأمي محاولوش يسكتوا، جُم المستشفى ومعاهم كبارات الحارة عشان يضغطوا عليا. دخل إبراهيم الغرفة وعامل نفسه زعلان ومكسور: “كده يا مصطفى؟ تضحك علينا الناس وتفضحنا عشان كلمة طلعت في ساعة غضب؟ إحنا إخوات والفلوس اللي اتصرفت على المعرض دي لحساب العيلة كلها، والمعرض باسمنا كلنا!”

رديت عليه بابتسامة باردة وأنا قاعد على الكرسي ومربع إيدي: “المعرض اللي فتحته بدمي ورضا بتموت؟ والغوايش الدهب اللي في إيد مراتك؟ والعربية الزيرو؟ ده كله هيتقفل ويلتغي يا إبراهيم.”

أمي اتدخلت بصوت عالي وبكاء مزيف: “أنا اللي ربيتك يا مصطفى! عاوز تحبس أمك وأخوك عشان حتة ست؟ الفلوس كانت بتجيلي وأنا حرة أصرفها زي ما أنا عاوزة!”

قمت وقفت وقربت من أمي، وبصيت في عينيها بثبات: “أنتِ أمي على راسي، لكن الحق حق.. الفلوس كانت بتتبعت لعلاج إنسانة روحها في إيد ربنا، وأنتم استغلوا مرضها وسرقوا أكلها وعلاجها. أنا مش هضرب ولا هأذي، أنا سايب القانون هو اللي يتكلم.”

إبراهيم وشه اصفر وركبته خبطت في بعضها لما شاف أستاذ حازم المحامي داخل الغرفة ومعاه إحضار رسمي من النيابة للتحقيق في بلاغات تبديد أموال وتسهيل الاستيلاء على مبالغ مالية ضخمة محولة من الخارج، بالإضافة لإثبات حالة الإهمال الطبي لرضا.

إبراهيم صرخ بذهول: “أنت عملت بلاغ فينا يا مصطفى؟! إحنا إخوات!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى