
صوت زئبق ساد القاعة وكأن طائرة جدار الصوت. الكلمات اللي نطقها أحمد نزلت على الكل . الكاميرات اللي كانت بتصور العروسين وقفت فجأة، والمزيكا سكتت تماماً، ومحدش قدر ينطق بحرف واحد. كل العيون اتلفتت من محمود لـ منّة، ومنهم لأحمد اللي كان واقف بثبات يعجز قدامه الجبال.
منّة وشها اصفر وبقى أبيض كالثلج، والفستان الأبيض الواسع كأنه بقى كفن بيخنقها، وبدأت ترتجف ودموع الكدب تلمع في عينيها، وبصت لمحمود وهي بتتلفت حواليها برعب وتقول بصوت مكسور مصطنع:
«إيه الكلام ده يا عم محمود؟ أحمد ابلك اتقن الدور قوي، هو عشان رفضت أخرج معاه لوحدنا قبل الفرح بيطلع علينا الإشاعات دي؟ دي قلة أدب!»
محمود استجمع بعض من رباطة جأشه المزيفة، وبص للناس بابتسامة متوترة ووش محتقن بالدم، ورفع صوته بحزم مزيف وهو بيحاول يغطي على الفضيحة:
«إيه اللي أحمد بيقوله ده؟! الواد اتهبل، أكيد الواد محموم من توتر الفرح والضغط.. سعاد، تعالي خدي ابنك وادخلوا جوه ونتفاهم لوحدنا، مش قدام الناس والضيوف والأجواء دي!»
قربت منه خطوة زيادة، وكنت ببص جوه عيونه المرتعشة اللي كانت بتفضح خوفه الحقيقي تحت قناع الغضب. ضحكت ضحكة قصيرة من قلب مكسور بس مليان قوة، وقليت بصوت عالي وواضح سمعه كل من في القاعة:
«نتفاهم في إيه يا محمود؟ في شهادة ميلاد ابنك من منّة اللي عنده سنتين؟ ولا في التوكيل المزور اللي سرقت بيه أملاكي؟ ولا في الشقة اللي مجأرها ليها في المعادي من فلوس شركتي؟!»
محمود فتح بوقه وبلع ريقه بصعوبة بالغة، ولقى نفسه عاجز عن الرد. منّة حاولت تجري ناحية الباب، لكن خالتي فاطمة كانت أسرع منها. وقفت في وشها بحركة سريعة ومحترفة، وطلعت كارنيه التحقيقات القديم بتاعها ورفعته قدام وشها وقالت بصوت صارم:
«على فين يا عروسة؟ المأذون لسه جوه، وضيوف النيابة العامة في الطريق كمان دقائق معدودة! مفيش خروج من هنا قبل ما نخلص الفرح ده للآخر!»
في اللحظة دي، دخلت مجموعة من ظباط مباحث الأموال العامة وقوة من الشرطة من باب القاعة الرئيسي، ومعاهم ورق رسمي وقرار ضبط وإحضار. الكل في القاعة بقى في حالة من الذهول التام. الصحفيين والضيوف وقرايبنا بقوا بيصوروا بالموبايلات، ومحمود ومنّة وقفوا مكانهم كأنهم تماثيل من خشب.
ظابط الشرطة قرب من محمود، وطلع ورقة وقال بصوت مهيب:
«محمود إبراهيم ومَنّة الله حسن.. أنتم متلبسين بقضايا تزوير محررات رسمية، النصب، والاستيلاء على أموال بدون وجه حق، وتهرب مالي وتلاعب في حسابات شركة السيدة سعاد. اتفضلوا معانا بهدوء من غير مشاكل.»
محمود بص لي نظرة أخيرة نظرة خزي وعار وانكسار، حسيت فيها بكل سنين عمري اللي ضاعت مع راجل ما يستاهلش دقيقة واحدة من عمري. ومنّة وقعت على ركبتها على الأرض وهي بتعيط بصوت عالي وتولول بعد ما لقت كل حلمها في الثروة والزواج انهار في ثواني معدودة قدام الكل.
الظباط كبشوا فيهم وخرجوهم بره القاعة وسط صيحات واستهجان كل الحاضرين. القاعة كلها بقت صامتة تماماً، ومبقاش فيها غير صوت أنفاسي المنتظمة، وصوت أحمد اللي جه جنبي وطبطب على كتفي بحنان وقال:
«حقك رجعلك يا ماما.. واليوم ده مش كابوس، ده يوم ميلاد جديد لينا إحنا الاتنين.»
بصيت لابني وضممته لصديق عمري وحبيبي وسندي الوحيد في الدنيا، وحسيت إن خمسة عشرين سنة من الخداع انتهت، وإن بكرة هيكون أبيض ونظيف زي قلوبنا.
خارج قاعة الأفراح، كانت الأنوار الساطعة والأغاني المفرحة قد تحولت في دقائق معدودة إلى مشهد يشبه السينما؛ عربيات الشرطة تملأ الشارع، وأضواء الفلاشر الزرقاء والحمراء تعكس ظلالها على جدران المكان.
الضيوف كانوا واقفين في ذهول، بيتبادلوا الهمسات والتعجبات، وكل واحد مش مصدق اللي عيونه شافته. أما أنا، فوقفت في منتصف القاعة، حاسة بثقل السنين انزاح من على كتافي دفعة واحدة. الهوا البارد اللي دخل من باب القاعة المفتوح حسسني بإنتعاش غريب، كأن روحي بترجع تتولد من جديد.
خالتي فاطمة قربت مني، ومسكت دراعي بحنان وقالت بصوت دافئ:
«طمني قلبك يا سعاد.. خلاص، الكابوس انتهى، والحق رجع لأصحابه، ومحمود ومنّة هينالوا جزاؤهم القانوني على كل قرش سرقوه وكل كدبة عاشوا فيها.»
بصيت لفاطمة وابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة أول مرة تطلع من قلبي بجدية من سنين، وقلت:
«شكراً يا فاطمة.. لو لاكي إنتي وأحمد، كنت زماني ضعت جوه الحفرة اللي حفروهالي وهم بيضحكوا في وشي.»
في اللحظة دي، جيه أحمد ابني، وكان لسه لابس بدلة العريس اللي تحولت من رمز لفرح مكسور لرمز لراجل بجد قدر يحميني ويحمي بيتنا. بص في عيوني بنظرة مليانة فخر وحب، وقال بصوت مهتز شوية من كتر الانفعال:
«زعلانة يا ماما؟ زعلانة إن الفرح باظ بالشكل ده؟»




