عام

قبل فرح ابني حكايات رومانى مكرم 1

قبل فرح ابني بساعات قليلة، دخلت الصالة بالصدفة، وشفت مشهد هزّ خمسة وعشرين سنة جواز في ثانية واحدة!

جوزي محمود كان واقف قريب جدًا من عروسة ابني منة، في موقف خلاني أشك في طبيعة العلاقة بينهم، وإيديه حواليها وهي واقفة قدامه بطريقة ما ينفعش تحصل بين راجل المفروض إنه أبو العريس، وبنت المفروض إنها هتبقى مرات ابنه بعد كام ساعة!

اتخضيت، وحسيت إن نفسي اتسحب مني، وطعم المرارة مالي بقي، ومش قادرة آخد نفسي. اليوم ده كان المفروض يبقى أسعد يوم في حياة ابني أحمد، لكن بدل الفرحة، لقيت نفسي واقفة قدام حقيقة عمري ما كنت أتخيلها، صدمة هزّت كل حاجة بنيتها مع جوزي على مدار خمسة وعشرين سنة.

اتحركت خطوة لقدام، وكنت ناوية أواجههم وأسألهم عن اللي بيحصل، وأكشف الحقيقة قدام الموجودين، لكن فجأة لمحت انعكاس حد في مراية الممر.

لفيت ورايا، لقيت ابني أحمد واقف.

الغريب إني ما شفتش على وشه صدمة، ولا غضب، ولا حتى استغراب. كان هادي بشكل يخوف، هدوء واحد عارف كل حاجة من زمان، وشاف بعينه حاجات كتير، وعدّى لوحده بتجربة صعبة محدش حاسس بيها.

قرب مني، ومسك إيدي، وقال بصوت واطي:

«ماما، أرجوكي، ما تعمليش أي حاجة دلوقتي!»

بصيتله وأنا مش مصدقة اللي بيحصل، وقلتله وصوتي بيترعش من الغضب:

«إنت شايف اللي أنا شايفاه يا أحمد؟ ده أبوك يا ابني! أبوك اللي عايش معايا خمسة وعشرين سنة، ودي البنت اللي المفروض تبقى مراتك بعد كام ساعة! إزاي يعملوا فينا كده؟ أنا مش هسكت، لازم أعرف الحقيقة حالًا!»

أحمد هز راسه بهدوء، وقال:

«أنا عارف يا ماما، وعارف أكتر بكتير من اللي إنتي شوفتيه بعينيكي دلوقتي.»

بصيتله بصدمة وقلت:

«يعني إيه؟ إنت تقصد إيه بالكلام ده؟ هو فيه حاجة أكبر من اللي أنا شفتها؟ جوزي بيخبي عني علاقة بعروسة ابني، إيه اللي ممكن يبقى أصعب من كده؟»

أحمد بلع ريقه، وبص ناحية الصالة، وبعدها رجع بصلي وقال:

«يا ماما، علاقة بابا بمنّة بقالها شهور، مش يوم ولا اتنين. وأنا بجمع أدلة على اللي بيحصل من أسابيع. عندي صور، ورسائل، وحجوزات فنادق، وتحويلات فلوس، وحاجات تانية لو عرفتيها مش هتصدقي إن أبويا ممكن يعملها.»

حسيت إن الأرض بتلف بيا، وسندت على الحيطة وأنا بحاول أستوعب كلامه.

قلتله بصوت مخنوق:

«تحويلات فلوس إيه يا أحمد؟ إنت بتقول إيه؟»

شد فكه وقال:

«بابا كان بيسحب فلوس من حساباتك من غير ما تعرفي، وفي تحويلات اتعملت بتوقيع مزور باسمك. وأنا لما بدأت أدور ورا الموضوع، اكتشفت إن منّة كمان متورطة في الاستيلاء على فلوس من مكتب المحاماة اللي بتشتغل فيه. الاتنين مش بس بيخفوا عننا الحقيقة، دول داخلين في حكاية كبيرة فيها احتيال وتزوير واستيلاء على أموال.»

حطيت إيدي على صدري، وحسيت إن قلبي مش قادر يستوعب الصدمة.

خمسة وعشرين سنة عِشرة، وبيتي اللي كنت فاكرة إنه مبني على الحب والأمان، طلع جواه كذب وخداع وحاجات متدبرة من ورايا!

بصيت لأحمد وقلتله:

«طب ليه ما قولتليش من الأول؟ ليه سبتني عايشة معاه وأنا مش عارفة حاجة؟»

رد عليا وهو بيحاول يتمالك نفسه:

«علشان ما كنتش عايز أتهمه من غير دليل، يا ماما. ده أبويا، ومهما كان اللي عمله، كنت محتاج أتأكد بنفسي. وكمان كنت عايز أحميكي، وأحمي نفسي، وأخلي الحقيقة تظهر قدام كل الناس، علشان محدش يقدر يقلب الموضوع علينا أو يطلعنا إحنا الغلطانين.»

في اللحظة دي، بصيت لابني وحسيت إنه كبر فجأة قدام عيني. أحمد اللي لسه عنده تلاتة وعشرين سنة، كان شايل لوحده سر تقيل بالشكل ده، وبيخطط إزاي يواجه أبوه وعروسته اللي خدعته قبل ما حتى يلبسها الدبلة!

مسكت إيده وسألته:

«طيب، ودلوقتي هنعمل إيه؟ هنلغي الفرح؟ هنمشي من هنا؟ أنا مش قادرة أقعد دقيقة واحدة في المكان ده!»

بص من الشباك، وعينيه فيها إصرار غريب، وقال:

«لأ يا ماما، الفرح مش هيتلغي دلوقتي. إحنا هنكمل لحد ما نوصل للمأذون، وهناك كل حاجة هتظهر قدام الناس.»

رجعت خطوة لورا وقلتله بخوف:

«إنت عايز تعمل إيه بالظبط؟ عايز تكشف حقيقة أبوك قدام الناس كلها؟»

رد من غير ما يتردد:

«أنا مش عايز أحرج حد يا ماما، أنا عايز حقي، وعايز حقك يرجعلك. وعايز كل واحد فيهم يتحمل مسؤولية اللي عمله. هما اللي اختاروا يكدبوا علينا، وهما اللي قرروا يخفوا الحقيقة، يبقى لازم يتحملوا نتيجة أفعالهم.»

كنت لسه بحاول أستوعب كلامه، لما قال جملة خلت قلبي ينقبض من جديد:

«بس يا ماما، فيه حاجة تانية أخطر من كل ده، ولسه ما قلتلكيش عليها.»

بصيتله بقلق وسألته:

«إيه تاني يا أحمد؟ هو أنا لسه هستحمل مفاجآت أصعب من كده؟»

اتنهد، وقال:

«خالتي فاطمة هي اللي اكتشفت جزء كبير من الحقيقة، وهي جاية في الطريق دلوقتي.»

خالتي فاطمة كانت أختي، واشتغلت في الشرطة سنين، وبعد ما سابت شغلها، بقت بتشتغل في مجال التحقيقات الخاصة. وكنت دايمًا بعرف عنها إنها ست ذكية، ومش بتسيب حاجة تعدي من غير ما توصل لحقيقتها.

قلتله بسرعة:

«فاطمة عرفت إيه؟ وإيه علاقتها باللي بيحصل؟»

أحمد بصلي بنظرة عمري ما شفتها في عينيه قبل كده، وقال:

«خالتي فاطمة اكتشفت حاجة عن بابا، حاجة لو طلعت صحيحة، هتغيّر كل حاجة إنتي عارفاها عنه. الموضوع مش خلافات عائلية وفلوس وبس يا ماما.»

حسيت ببرودة في جسمي، وسألته وأنا حرفيًا مش قادرة أقف على رجلي:

«يعني إيه يا ابني؟ أبوك عمل إيه تاني؟»

لكنه ما لحقش يرد.

في اللحظة دي، سمعنا صوت عربية بتدخل من بوابة القاعة اللي في شبرا الخيمة، وبعد ثواني، شفت خالتي فاطمة نازلة منها، وفي إيديها شنطة سودا كبيرة، وملامحها متغيرة بشكل خلاني أحس إن اللي جاي أصعب بكتير من كل اللي فات.

دخلت بسرعة، وسلمت عليا، وبعدها بصت لأحمد وقالتله:

«معاك كل الأدلة اللي اتفقنا عليها؟»

أحمد رد:

«أيوه، كل حاجة جاهزة.»

فاطمة بصتلي، ومسكت إيدي وقالت:

«أنا عارفة إن اللي إنتي شوفتيه النهارده صدمة كبيرة، بس لازم تكوني قوية. اللي اكتشفناه عن محمود مش مجرد خلافات عائلية، وفيه ورق ومستندات لازم تشوفيها بنفسك قبل ما أي حاجة تحصل.»

كنت ببصلها وأنا مش قادرة أنطق.

فتحت الشنطة، وطلعت منها ملف كبير، وحطته قدامي، وقالت:

«قبل ما تدخلي على ابنك في القاعة، لازم تعرفي الحقيقة كاملة. فيه سر محمود مخبيه عنك بقاله خمس…»

«خمس سنين يا سعاد.. مش خمس شهور!»

قالتها فاطمة بصوت هادئ، لكنه كان كفيل يهز جدران القاعة أكتر من أي صراخ.

وقفت جامدة مكاني، عيني متثبتة على الملف اللي قدامي على الطابلوه الصغير، وحاسة إن حروف الكلام بتتحرك قدام عيني كأنها نمل أسود. بصيت لفاطمة وأنا ببلع ريقي بصعوبة بالغة، وطلعت الكلمات من بين شفايفي مقطوعة ومرجفة:

«خمس سنين.. تقصدي إيه يا فاطمة؟ محمود كان مخبي إيه عني طوال السنين دي؟»

 

خالتي فاطمة خدت نفس عميق، وفتح

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى