
أمسك محمود بالورقة الرسمية التي سلمها له مُحضر المحكمة، وكانت يداه ترتجفان لدرجة أن سطر العناوين والختم النسري الأحمر بدا أمامه كموجة متلاطمة من الحبر الأسود. كانت محاولة التشهير بعبير في مقر عملها خطوة غير محسوبة دفعته إليها أمه بغرورها وطمعها، ظناً منهما أن الضغط الاجتماعي والفضسحة الوظيفية سيكسران كبرياء عبير ويعيدانها جارية مطيعة تُسلم مرتبها وأجهزتها وتصمت. لكن السحر انحرف ليصيب الساحر، وأصبحت الواقعة موثقة بشهادة أمن الشركة ومدير الفرع وكاميرات المراقبة التي سجلت الاقتحام بالصوت والصورة.
نزل محمود إلى شقة أمه بخطوات هائمة، يجر قدميه جراً. كانت “أم محمود” تجلس في الصالة تجرع كوباً من الشاي المغلوع وتتبادل أطراف الحديث مع جارتها “أم صابر” التي جاءت لتستكشف أبعاد التي هزت العمارة والشارع بالأمس.
ألقى محمود الورقة على الطاولة الإستيل الوسطى بصوت ارتطام جاف، وقال بصوت مكتوم خنقته الحسرة:
* أهي دي آخرة أفكارك يا أمي! أهي دي النتيجة اللي وصلنا لها بعد ما استمعت لكلامك وروحت أعمل شو في شركة البنت! محضر رسمي بالتعدي والتشهير، ودعوى حبس، والقضية اتحولت للجلسة بسرعة الصاروخ!
رفعت أم محمود حواجبها بجلمدة واستعلاء، وأزاحت الجارة بنظرة قاسية قبل أن ترُد بنبرة لا تخلو من حدة:
* جرى إيه يا محمود؟ أنت بترتعش قدام ورقة محضر؟ هي البت دي كانت مين ولا أبوها كان مين عشان يقدروا يعملوا لك حاجة؟ دي شوية ورق بيخوفوك بيها عشان ترجع تترجاهم وتجيب لها التكييف والميكرويف فوق جزمتها!
صرخ محمود لأول مرة في حياته بوجه أمه صرخة خرجت من أعماق صدره المقهور، حتى جفلت الجارة وقامت تنسحب في صمت:
* حررررام عليكِ بقى! حرام عليكِ خربتِ بيتي وضيعتِ كرامتي! عبير مش راجعة، عبير معاها شركة كاملة بشهودها، ومعاها محامي مش ب يرحم، وأبوها وراها بفلوسه وعيلته! أنا شغلي في الحكومة وممكن أترفض أو أتسجن لو الصدر ضد أحكام نهائية بتهم التشهير والسرقة! أختي سمر خدت الميكرويف وقعدت في بيتها مع جوزها مكرمة، وأنا اللي ب ادفع الثمن لوحدي!
خرج محمود مسرعاً من الشقة وترك أمه تبرطم وتصيح في فراغ الصالة. صعد إلى شقته المهجورة، الشقة التي كانت منذ أسبوع واحد فقط تغمرها الدفء وريحة الأكل الطيب وصوت عبير وهي تنظم الديكورات بعد عودتها من الشغل. فتح الصالة، النظر إلى المكان الفارغ على الرخامة في المطبخ حيث كان الميكرويف، وإلى السلك المتدلي من الحائط حيث كان التكييف يرسل برودته المنعشة. أظلمت الدنيا في عينيه، وقعد على الأرض وسند رأسه بين يديه.
في تلك الأثناء، في بيت الحاج عبد الله، كانت عبير تجلس مع المحامي الأستاذ هشام في غرفة الضيوف، وحولهم إخوتها وأبوها. فتح الأستاذ هشام الحقيبة الجلدية وطلع منها ملفاً ضخماً ملئ بالأوراق والفواتير، وقال بابتسامة ثقة:
* مدام عبير، موقفنا القانوني إحنا في مركز القوة المطلقة. أولاً، تفريغ كاميرات الشركة اللي أخذناه بقرار من النيابة أثبت اقتحام محمود وأمه ورجال الأمن بيخرجوهم وهما بيصرخوا بألفاظ تشهيرية، وده يدينهم في قضية جنحة تشهير وتعدي على أنثى في مكان عملها. ثانياً، قائمة المنقولات الزوجية موقعة بالكامل من محمود، وبما إنه سلمنا جزء ودون في محضر الفك والتسليم، فالباقي محرر به دعوى تبديد. ثالثاً وأهما، الاستقطاعات البنكية من مرتبك بتثبت إنك المشتري الحقيقي للأجهزة، وده بينفي تماماً أي ادعاء منه بإنك أخذتي حاجة مش من حقك.
ابتسم الحاج عبد الله وقال بصوت وقور:
* إحنا مش بتوع مشاكل يا أستاذ هشام، ولا كنا نتمنى البيت يتخرب. بس اللي يمس كرامة بنتي ويستبيح شقاها ويعاملها كأنها مال سايب، لازم يعرف إن لها رجال يوقفوا العمارة كلها على رجل واحدة.
ردت عبير ونبرة صوتها تحمل المزيج بين الأسى والصلابة:
* أنا مش عاوزة منه غير حق القانون يا بابا. مش عاوزة أشوف وشه تاني، ولا عاوزة أي صلة تبربطني بالإنسان اللي هانني وسمح لأمه تسرقني وتشهر بيا في وسط زمايلي ومديري.
مرت الأيام سريعة، وجاء موعد الجلسة الأولى في محكمة الأسرة والجنح. حضر محمود برفقة محامٍ طاعن في السن، بدا عليه عدم الإلمام بالتفاصيل المعقدة للقضية. بينما حضرت عبير برفقة أبيها والأستاذ هشام.
وقف محمود في قاعة المحكمة ينظر إلى عبير المحاطة بعائلتها، كانت ترتدي ثياباً أنيقة وهادئة، ووجهها يحمل تعابير الثبات والترفع، في حين كان هو يبدو شاحباً، متعباً، وأثقال الندم والهم تكسو ملامحه. حاول أن يبتسم لها أو يرسل بنظرة رجاء، لكنها أدارت وجهها عنه تماماً وكأنه غير موجود في القاعة.
بدأت المرافعة. وقف الأستاذ هشام وقدم للمحكمة حافظة مستندات تحتوي على فواتير الشراء، صور تفريغ الكاميرات، شهادة مدير الشركة، وعقود قسط الميكرويف المقتطع من مرتب عبير. وتكلم بنبرة جهورية هزت أركان القاعة:
* سيدي القاضي.. الموكلة لم تطلب أكثر من حقها الشرعي والقانوني. زوجها استغل غيابها، وسهل لأسرته اقتحام مسكن الزوجية والاستيلاء على ممتلكاتها الخاصة التي اشترتها بكدها وعرقها. وعندما طالبت بحقها، لم يكتفِ بالامتناع، بل توجه إلى مقر عملها بصحبة والدته لإرهابها والتأثير على مصدر رزقها والتشهير بسمعتها الوظيفية والأخلاقية أمام زملائها بروايات مكذوبة! إحنا بنطلب أقصى العقوبة عن جنحة التشهير والتعدي، مع استكمال إجراءات رد كافة المنقولات والنفقات المستحقة.
حاول محامي محمود الدفاع عنه بكلمات واهية، زاعماً أن الأجهزة أمتعة مشتركة وأن ما حدث في الشركة كان مجرد محاولة لصلح عائلي تخللته بعض العصبية. لكن القاضي استوقفه بصرامة، واطلع على فيديوهات التفريغ والفواتير الرسمية.
وبعد مداولة لم تدم طويلاً، صدر القرار المبدئي: حجز الدعوى للحكم في نهاية الشهر، مع فرض نفقة متعة ونفقة زوجية مؤقتة تُخصم تلقائياً من مرتب محمود الحكومي لصالح عبير، وإلزامه بتقديم إقرار رسمي يتعهد فيه بعدم التعرض للمدعية في مسكنها أو مكان عملها تحت طائلة الحبس الفوري.
خرج محمود من القاعة والشرر يتطاير من عينيه، والتفت نحو الأستاذ هشام والحاج عبد الله، وجرى نحوهم وهو يصرخ بانفعال:
* أنت فاكرين إنكم كسبتم؟ الفلوس اللي هتتخصم من مرتبي دي مش هتهزني! وأنا مش هطلق! هسيبها معلقة كده لا هي متجوزة ولا هي مطلقة، وخلي المحاكم تنفعها!
خطا الحاج عبد الله خطوة إلى الأمام، ووقف كالجبل أمام محمود وقال بنبرة هادئة ورصينة كسر بها كل حماقته:
* اللي أداك الحق تعلّقها يا ابن الأصول، أدى للقاضي الحق يخلعها منك بطلاق للضرر وبأحكام تنفذ على رقبتك ورقبة أهلك. البنت مش واقفة عليك، وبكرة تشوف الحكم هيعمل إيه في مستقبلك الوظيفي.
في مساء اليوم نفسه، وبعد أن وصل خبر اقتطاع النفقة مؤقتاً من مرتب محمود إلى أمه، شطاط غضب “أم محمود”. لم تتحمل أن يذهب جزء من مرتب ابنها العزيز لصالح “الموظفة” التي طردتها من الشقة. قامت بالتواصل مع ابنتها سمر وجوزها إبراهيم، ودبروا خطة خبيثة جديدة.
قررت أم محمود أن تأخذ بعض النسوة من أقاربها في المنطقة، وتتجه ليلة الجمعة إلى بيت الحاج عبد الله للتجمهر أمامه وافتعال مشاجرة شعبية تطال سمعة عبير والعائلة في منطقتهم السكنية، علّهم يجبرون الحاج عبد الله على التنازل عن القضايا والقبول بالصلح بشروطهم.
ولكن ما لم تكن تحسب له أم محمود حسماً، هو أن منطقة الحاج عبد الله كانت منطقة شعبية مترابطة يعرف فيها الجميع قدر الحاج عبد الله وأخلاقه وشقاء بنته وعفتها.
عندما وصلت أم محمود وابنتها وبعض النسوة وبدأوا في إطلاق الصرخات والتفوهات المسيئة في الشارع أسفل بيت عبير، تجمّع شباب المنطقة ورجالها في دقائق معدودة، ووقفوا حائلاً بينهم وبين البيت.
خرج الحاج عبد الله وإخوته إلى البلكونة، فيما نزل الشباب وصاح كبير المنطقة عم “حسنين”:
* جرى إيه يا ست أنتِ وهي؟ أنتِ جاية تتشاطري على بيت أنظف ناس في المنطقة؟ عبير دي بنتنا كلنا وشقاها ومرباها كلنا عارفينه! لو ما أخذتيش حريمك ومشيتِ فوراً من الشارع، النجدة هتوصل دلوقتي وهتبيتي أنتِ وبنتك في القسم بتهمة التجمهر وإثارة الشغب!
فوجئت أم محمود بأن الشارع كله يقف ضدها، وأن محمود لم يحضر معها أساساً لأنه كان يقبع في شقته تحت تأثير المهدئات بعد أن بدأ زملاؤه في العمل يتهامسون عن خصم النفقة المحول لجهة عمله.
حاولت سمر أن ترد بصوت عالٍ، لكن إبراهيم جوزها جرى ونزل من السيارة وسحبها بغضب شديد أمام الناس وقال لها بصوت مسموع:
* امشي معايا يا سمر بدل ما أطلقك الليلة دي! أنتِ وأمك هتودونا في داهية وتضيعوا بيتي عشان غلك وطمعكم! إحنا مالناش دعوة بالموضوع ده تاني!
ركبت سمر السيارة رغماً عنها مع زوجها وغادرت، وبقيت أم محمود واقفة وحدها في الشارع، تنظر حولها فلا تجد أحداً يساند باطلها، والعيون تحاصرها بالاحتقار والازدراء من كل جانب. اضطرت لسحب طرحتها وهرولت راجعة إلى شقتها وهي تتخبط في خطواتها.
جلس عبير في غرفتها تطل من خلف الستارة، ورأت نهاية تلك المحاولة البائسة. تنفست الصُعداء واستشعرت قيمة الأهل والظهر والسند. لكن القضية لم تنتهِ عند هذا الحد، فالحكم النهائي في قضية التشهير والتبديد كان يستعد للصدور في الأسبوع القادم، ومحمود المزنوق في زاوية الضغط المادي والنفسي كان يجهز لمفاجأة أخيرة ستقلب الموازين وتحدد مصير الجميع بشكل غير متوقع.
مرت الأيام الثقيلة كأنها أدهار، وجاء الأسبوع الموعود بالنطق بالحكم النهائي في قضية جنحة التشهير على مكان العمل وقضية تبديد المنقولات الزوجية. كانت أروقة المحكمة تعج بالناس، وأصوات المرافعة تصدى في جدران القاعة العالية، بينما كان التوتر يسري في أجساد الجميع كتيار كهربائي لا يرحم.
كان محمود يجلس على أحد المقاعد الخشبية المتهالكة في الممر الخارجي للقاعة، ينظر إلى الأرض بعينين زائغتين، وقد ظهرت الهالات السوداء تحت عينيه بجلاء، وانحنى ظهره وكأنه يحمل جبالاً من الخيبة والندم. لم تكن أمه بجانبه هذه المرة؛ فقد أصبحت تخشى الخروج بعد الفضيحة الكبرى التي تعرضت لها أمام أهل منطقة عبير، وبعدما نشب بينها وبين ابنتها سمر وزوجها إبراهيم خلاف حاد اتهمها فيه إبراهيم بأنها السبب في تخريب البيوت وفي كسر عين ابنتها وزوجها أمام الناس.
على الجانب الآخر من الممر، كانت عبير تقف بوقار وثبات بجانب أبيها الحاج عبد الله والأستاذ هشام المحامي، وبعض أقاربها. لم تكن ترتدي أياً من الزينة، بل كانت ترتدي عباءة كحيلة أنيقة وحجاباً أبيض هادئاً، وعلى وجهها ارتسمت ملامح الصبر والأنفة التي لم تستطع أوجاع الستة أشهر الماضية أن تكسرها.




