
حاول محمود أن يجمع شتات نفسه، وقام من مقعده بخطوات متثاقلة، ومشى نحو الحاج عبد الله، ثم انحنى قليلاً متوسلاً بنبرة صوت خافتة ومكسورة كادت لا تُسمع:
* يا حاج عبد الله.. أرجوك اديني فرصة أتكلم معاك على جنب.. كلمة واحدة بس قبل ما القاضي ينطق بالحكم.
نظر إليه الحاج عبد الله بنظرة حزن وأسى على ما آلت إليه الأمور، لكنه لم يظهر أي ضعف، وكسر الصمت قائلاً بصوت صارم:
* الكلام بيننا انتهى من اليوم اللي سمحت فيه لأهلك يقللوا من بنتي ويستبيحوا شقاها يا محمود. أنت اخترت طريق المحاكم من الأول لما افتكرت إن عبير ملهاش ظهر يدافع عنها.
تدخل محمود وبدأت دموعه تتجمع في عينيه:
* والله العظيم أنا اتظلمت واتعميت! أمي ضغطت عليا، وأنا استغبيت ولحظة غضب وطيش ضيعت مني كل حاجة حلوة! أنا مستعد أكتب لها الشقة باسمها، ومستعد أعتذر لها قدام الشركة كلها وأبوس رأسها ورأسك، بس بلاش يدور عليا حكم يحبسني أو يضيع مستقبلي في الوظيفة.. عبير مراتي وأنا بحبها وما أقدرش أعيش من غيرها!
سمعت عبير كل كلمة قيلت، لكن قلبه لم يتحرك فيه ساكن. رفعت رأسها ونظرت في عينيه بثبات يقطع كل أمل لديه، وقالت بصوت هادئ ونبرة حاسمة كالسيف:
* اللي بيحب حد ما بيفضحوش في شغله يا محمود.. اللي بيحب حد ما بيدخلش أهله يسرقوا حاجته من ورا ضهره.. اللي بيحب حد بيبقى سنده ومش السكين اللي تذبحه! الاعتذار ما بيرجعش الثقة اللي اتمحت، وما بيرجعش الأيام اللي نمت فيها مدمعة ومقهورة بسبب طمع أمك وضعفك قدامها. أنت ما حبنيش، أنت بس خايف على شغلك ومستقبلك من الحكم!
في هذه اللحظة، خرج حاجب المحكمة بصوته الجهوري المعتاد يصرخ في الممر:
* محكمة! جلسة محكمة جنحة التشهير وتبديد المنقولات الخاصة بالمدعية عبير عبد الله ضد المدعى عليه محمود أحمد!
انتقلت القوافل والناس إلى داخل القاعة، وساد الصمت التام المكان، حتى أن صوت أنفاس المتواجدين كان مسموعاً. اعتلى القاضي المنصة، وقعد خلف منصته العالية وعلى وجهه الوقار، وقلب في أوراق الملف الضخم الذي استقرت فيه المستندات، وفيديوهات الكاميرات، وفواتير التقسيط، وشهادات أفراد الأمن والمدير.
تنحنح القاضي، ثم رفع رأسه ونظر إلى محمود المتواجد في الحفص المخاطب بوجوم، ثم نظر إلى عبير والمحامي، وقرأ نطق الحكم بصوت مسموع هز القاعة:
“حكمت المحكمة حضورياً على المتهم محمود أحمد:
أولاً: بحبسه لمدة سنة مع الشغل والنفاذ، وتغريمه مبلغاً مالياً قدره عشرون ألف جنيه عن واقعة التشهير والتعدي في مقر عمل المدعية، والتسبب في أضرار معنوية ووظيفية لها.
ثانياً: إلزامه بر أصل كافة المنقولات الزوجية المبينة بالقائمة المرفقة أو دفع قيمتها المالية كاملة للزوجة.
ثالثاً: تثبيت نفقة المتعة والنفقة الزوجية المؤقتة واقتطاعها شهرياً من راتبه الحكومي لصالح المدعية، وإحالة ملف الطلاق للضرر إلى جلسة الخلع والطلاق النهائي لتطبيق الإجراءات الشرعية.”
سقطت الكلمات على رأس محمود كالصاعقة! اصفر وجهه وتلعثم لسانه، وسقط على المقعد خلفه وهو يصرخ:
* سنة حبس؟! سنة يا سيادة القاضي؟! أنا موظف حكومة ومستقبلي هيضيع!
أما في ممر المحكمة الخارجي، فما إن وصل الخبر إلى أم محمود التي كانت تنتظر الهاتف على أحر من الجمر من ابن عمهم الذي كان يحضر الجلسة، حتى أطلقت صرخة مدوية في شقتها بالأسفل، وأخذت تلطم على وجهها وتصيح في فارغ العمارة:
* ابني اتحبس! ابني الموظف اتحبس بسبب البت الموظفة وأبوها! يا لهوي يا فضيحتي وسط الناس!
لكن الصدمة لم تتوقف عند هذا الحد؛ إذ إن الأستاذ هشام لم يضيع دقيقة واحدة. استغل وجود محمود في المحكمة للحصول على صيغة تنفيذية فورية بالتحفظ عليه لحين دفع كفالة الاستئناف والتسليم الفوري لقيمة الأجهزة والمنقولات كاملة أو التقدم باستئناف مسجل.
اقترب محمود وهو مقيد اليدين خلف شرطي تنفيذ الأحكام، ونظر إلى عبير وأبيها بعيون مليئة بالكسرة والدماء، واستعطفهم بملامحه:
* يا حاج عبد الله.. تنازلوا عن الشق الجنائي بس.. خذوا فلوسكم وخذوا القايمة وكل حاجة، بس بلاش يدخل المحبس، أنا لو اتسجنت يوم واحد هترفد من شغلي وحياتي هتتدمر!
نظر الحاج عبد الله إلى المحامي الأستاذ هشام، ثم نظر إلى ابنت عبير وقال لها:
* القرار قرارك أنتِ يا عبير.. أنتِ صاحب الشأن والوجع، وأنا معاكِ في أي قرار تختاريه.
وقفت عبير تفكر لدقائق معدودة؛ كانت ترى أمامه رجلاً كان منذ ستة أشهر زوجها وشريك حياتها والمفترض أنه سندها، ولكنه تحول بضعفه وطمعه وطمع أمه إلى خصم يحاول تدمير حياتها وسمعتها ومهنتها. لم تكن تريد الانتقام المحض، بل كانت تريد درساً قاسياً يذكره ويذكر أمه بأن كرامة النساء وأموالهن ليست مالاً سائباً.
التفتت عبير إلى المحامي الأستاذ هشام وقالت بصوت هادئ ولكن قوي:
* يا أستاذ هشام.. أنا مش هسيب حقي في القايمة ولا في النفقة، وده حق شرعي وقانوني هاخده بالسنتيم. لكن بالنسبة لعقوبة الحبس في جنحة التشهير، أنا مستعدة أصلح الشق الجنائي وأتنازل عن الحبس بشرط واحد فقط!
قفز محمود من مكانه رغم القيود وقال بلهفة شديدة:
* شرط إيه؟! أنفذ أي شرط تطلبيه فوراً يا عبير!
قالت عبير بصوت يسمعه الضابط والحاضرون جميعاً:
* الشرط هو إنك تطلقني طلاق بائن فوراً قدام المأذون في المحكمة دلوقتي، وتتعهد كتابياً ورسمياً بعدم التعرض لي أو لأهلي أو لمكان شغلي نهائياً، وتدفع كافة المبالغ المستحقة للقايمة والنفقة فوراً نقداً كاش أو بشيك مقبول الدفع، وتعمل اعتذار رسمي مكتوب وموثق يترسل لشركتي ولمديري في الشغل عشان يترد اعتباري قدام كل زمايلي اللي فضحتني قدامهم!
بلع محمود ريقه بصعوبة، ونظر إلى الضابط الذي كان يستعجله للدخول إلى التخشيبة. كانت الخيارات أمامه معدومة: إما أن يدخل السجن لمدة سنة، ويفقد وظافته الحكومية، ويثبت عليه التشهير والسرقة وتدمر حياته نهائياً، وإما أن ينصاع لشروط عبير الكاملة ويرمي غروره وغرور أمه تحت أقدامه.
صاح محمود وهو يبكي بكسرة ونفس مقتولة:
* موافق! موافق على كل شروطك يا عبير! جيبوا المأذون فوراً، أنا أوقع على كل حاجة وعلى التنازل وعلى الاعتذار والطلاق!
في خلال ساعتين، تم استدعاء مأذون المحكمة إلى إحدى الغرف الملحقة بالقاعة. وقفت عبير وبجانبها أبوها الحاج عبد الله والأستاذ هشام، وقعد محمود ومعه محاميه وزوج أخته إبراهيم الذي حضر مسرعاً بعد علمه بقرار الحبس لينهي الأمر ويدفع المبالغ المالية المطلوبة ببيع بعض ممتلكات محمود الخاصة.
تم توقيع أوراق الطلاق البائن، ورد كافة المبالغ المالية الخاصة ببدل التكييف والميكرويف والمنقولات كاملة في حساب عبير البنكي، وتوقيع وثيقة اعتذار رسمية موجهة لمدير فرع الشركة يتعهد فيها محمود بعدم التعرض ويمحو أي إساءة صدرت منه أو من أمه بحق عبير.
حين انتهى المأذون من كتابة الوثيقة وقال كلمته الشهيرة: “باركت لكم وعوضكم الله خيراً”، تم فك أصفاد محمود بعد تقديم تنازل عبير الرسمي عن الشق الجنائي في جنحة التشهير.
وقف محمود وهو ينظر إلى ورقة الطلاق في إيده، ثم رفع عينيه لينظر إلى عبير لأخر مرة. كانت عبير ترتدي نظارتها الشمسية، وأخذت حقيبتها ووثيقة طلاقها واسترداد حقوقها بالكامل، ولم تنظر إليه حتى بنصف عين.
خرجت عبير من مبنى المحكمة برفقة أبيها الحاج عبد الله، والشمس تسطع في السماء دافئة ومنعشة. تنفست الهواء النقي بأعماق رئتيها، وكأن كابوساً مظلماً دام لستة أشهر قد انزاح عن صدرها إلى الأبد.
قالت لأبيها وهي تبتسم بابتسامة صافية لأول مرة منذ أشهر:
* الحمد لله يا بابا.. حق شقاك وشقايا رجع، وكرامتي اتردت قدام الدنيا كلها.
ابتسم الحاج عبد الله وطبطب على يدها بحنية أصلية:
* الحمد لله يا بنتي.. البيت اللي ما يتنيش على أصول وكرامة، الفراق فيه نجاة. أنتِ عفيفة وشقية وبكرة ربنا يعوضك بأفضل منه مليون مرة.
لكن الأحداث لم تنتهِ تماماً بالنسبة لمحمود وأمه؛ فعندما عاد محمود إلى بيته وهو يحمل وثيقة الطلاق وخسارة أمواله وحقوقه وخزيه أمام الناس، دخل شقة أمه التي كانت تنتظره بلهفة.
أول ما شافته أمه، جرت عليه وهي تقول:
* محمود! يا حبيبي خرجت إزاي؟ والبت دي أخدت إيه؟
ألقى محمود وثيقة الطلاق وأوراق الاسترداد والاعتذار في وجه أمه، وصرخ بصوت هز العمارة كلها:
* أهي دي آخرة طمعك يا أمي! أهو بيتي اتخرب، ومراتي طارت، وفلوسي راحت، ووقعت اعتذار رسمي بمسح بكرامتي الأرض عشان ما أتسجمش! أختي سمر خاد الميكرويف وقعدت في بيتها مع جوزها، وأنا اللي اتقطم ظهري وضاع مستقبلي! الشقة دي أنا مش قاعد فيها تاني، وسيبها لك تطردي فيها التكييف والحيطان زي ما أنتِ عاوزة!
ترك محمود الشقة وخرج يجر خيبته وندمه، بينما قعدت أم محمود في صالة شقتها الفارغة، تتطلع في الحوائط الباردة، لا تجد ميكرويف، ولا تكييف، ولا ابناً يسندها، ولا كرامة تبقت لها أمام الجيران وأهل المنطقة.
أما عبير، فقد عادت في اليوم التالي إلى عملها بكرامة مرفوعة ووجه مشرق. سلمت وثيقة الاعتذار الرسمية لمديرها الأستاذ سامح الذي استقبلها بكل احترام وتقدير، وعادت لممارسة حياتها وعملها بكل نجاح وقوة، مؤمنةً بأن شقاء الإنسان وكرامته هما أغلى ما يملك، وأن من يفرط في أمانة بيته لا يستحق أن يكون شريكاً في العمر.



