
سكتّ ثواني، وأنا بسمع صوت الأنفاس الهادية لبنتي وهي نايمة جنبها. كانت أول مرة تنام من غير ما تجفل أو تتنفض، والراحة دي كانت بالدنيا وما فيها.
رديت على صاحب الصوت بمنتهى الثبات والبرود:
— تهديدك ده تسجيله ينضاف للمحضر الصبح، ويا أهلاً وسهلاً بالورق اللي معاك.. وريني أقصى ما عندك.
قفلت السكة في وشه، وحظرت الرقم فوراً. ما سمحتش للخوف إنه يسلل لقلبي، لأن الأم لما بتقرر تحمي بنتها، مفيش أي قوة في الدنيا تقدر ترهبها.
لما طلع النهار، ما ضيعتش وقت. أخدت أوراق المحضر، والتقرير الطبي المبدئي، واتجهت لواحد من أكبر محامين قضايا الأسرة والجنايات. قعدت قدامه وسردت كل التفاصيل من أول يوم جواز لحد ليلة ضبطه بالكلابشات.
المحامي قعد يقلب في الأوراق بتركيز، وبعدين بصلي وقال:
— الحجم ده من الأدلة والتقرير الطبي الصادر من المستشفى العام بيدينه بشكل كامل في قضية ضرب وإحداث عاهة مستديمة. لكن التهديد اللي جالك بالليل معناه إن عندهم كارت بيحاولوا يضغطوا بيه عليكِ عشان تتنازلي عن الشق الجنائي.
سألته بثبات:
— كارت إيه يا أستاذ؟ بنتي ما عملتش حاجة تعيبها ولا تخاف منها!
قال المحامي:
— بعض النفوس الضعيفة بتلجأ للتزوير، أو إجبار الزوجة تحت على توقيع إيصالات أمانة أو تنازلات عن حقوقها، وده السيناريو المتوقع في الحالات دي.
هنا اتذكرت بنتي لما كانت بتقول إنها باعت عربيتها، وإن فلوس الشغل والعربية اتسحبت منها.
رجعت البيت وسألت بنتي بالراحة، وأنا باخدها في :
— حنين يا حبيبتي.. هل هو خليكِ تمضي على أي ورق أو إيصالات قبل كده تحت التهديد؟
بنتي ووشها اتقلب وافتكرت الذكريات المريرة، بدأت تعيط وتقول:
— أيوه يا ماما.. بعد ما بعت العربية وأخد فلوسها، جابلي ورق أبيض وإيصالات أمانة على بياض، وقالي دي ضمان عشان ما تفكريش تسيبيني أو تتطلبي الطلاق في يوم من الأيام.. ولما رفضت أمضي، ضربني وحبسني في الأوضة يومين من غير أكل، لحد ما اضطريت أمضي وأنا خايفة على عمري!
مسحت دموعها وقلت لها:
— ما تخافيش.. القانون ما بيحميش المزورين والمبتزين، والإكراه تحت ثابت بتقرير الطب الشرعي ومحضر الشرطة.
في اليوم التالي، اتعرض على قاضي المعارضات لتجديد . كانت صالة المحكمة زحمة، وحماته وأقاربهم واقفين بيبصوا لنا بغل. محاميه وقف بثقة قدام القاضي، وطلع ورقة وادعى إن المتهم محبوس كيدياً، وقدم إيصال أمانة بمبلغ خيالي مدعياً إن بنتي استلفت منه المبلغ ده ورفضت تسدده، وإن البلاغ ده مجرد حيلة من الدين!
لكن محامينا كان جاهز؛ وقف بكل حزم وقدم التقرير الطبي الشامل اللي بيثبت إن تاريخ الإكراه والاعتداء متزامن مع الفترة اللي اتقال إن الإيصال اتكتب فيها، وطلب عرض الإيصال على خُبراء الخطوط لتحديد مدى الإكراه وعمر الحبر والتوقيع، وطعن بالتزوير والإكراه الجسدي والنفسي، مقدماً تفريغ مكالمات ومحضر النجدة.
القاضي بص للأوراق بصرامة، وللمتهم اللي كان واقف في القفص بيترعش وشكله بقى أضعف بكثير من هيئته في الصالة وهو بيتباهى بكسر دراع بنتي.
رفع القاضي الجلسة لدقائق، ولما رجع، نطق بالقرار اللي هز الأوضة كلها:
— قررت المحكمة تجديد حبس المتهم خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيق، وإحالة إيصال الأمانة المطعون فيه إلى الطب الشرعي واستكتاب المتهم والمدعية، وتكليف المباحث بإجراء التحريات حول واقعة التزوير والإكراه.
صرخت أمه في الصالة وسقطت على الأرض، بينما هو انهار جوة القفص وبدأ يزعق لمحاميه بفشل.
أما أنا، فمسكت إيد بنتي وخرجنا من المحكمة مرفوعين الرأس. بنتي بصتلي والابتسامة بدأت ترجع لوشها ببطء، وقالت:
— أنا حاسة إني اتولدت من جديد يا ماما.. بس هل الكابوس ده هيخلص بجد؟
رديت عليها وأنا ببص في عينها بثقة:
— الكابوس ده خلص من اللحظة اللي قررت فيها ما أسكتش.. واللي جاي استرداد لكل حق اتسلب منك، خطوة بخطوة.
مرّت أيام الحبس الاحتياطي ثقيلة على الجانب التاني، لكنها كانت بالنسبة لنا أيام ترميم لما تم تدميره في روح بنتي حنين. كل يوم كان بيمر، كانت الكدمات اللي على وشها وجسمها بتبدأ تفتح وتهدى، ومعاها كانت ظلال الخوف بتبتعد عن عينيها.
لكن معركة العدالة ما بتنتهيش في أروقة المحاكم بس، دي بتنسج تفاصيلها في أزقة القانون وتحت أضواء أجهزة التحقيق.
في صباح يوم حد بارد، جالي إخطار رسمي من النيابة العامة بضرورة حضور حنين لمصلحة الطب الشرعي (قسم أبحاث التزييف والتزوير) لبدء إجراءات الطعن واستكتابها، ومضاهاة توقيعها على إيصال الأمانة المزعوم.
رحنا مصلحة الطب الشرعي في منطقة السيدة زينب. المبنى الهادي ده بيبقى فيه الفصل بين الحق والباطل بأدوات العلم. وقفت حنين قدام الطبيب الشرعي والخبير الخبير الفني، وكان المتهم متواجد تحت حراسة مشددة، جاي من محبسه بالكلابشات، وشه باهت، ودقنه نبتت، والغرور اللي كان بيملأ بيته يوم الجمعة يتبخر تماماً وتحول لنظرات انكسار وترجي.
بدأت جلسة الاستكتاب. الخبير طلب من حنين تقعد وتكتب اسم توقيعها عشرات المرات، بظروف كتابة مختلفة، وبأقلام مختلفة، وأوضاع جلوس متعددة. حنين كانت إيدها بتترعش في الأول وهي بتفتكر الليلة اللي انضربت فيها واتجبرت تمضي، بس مسكت إيدها وثبتتها، وقالت للخبير بثبات:
— أنا اضربت في الليلة دي يا فندم، وكنت ممقودة من شعري وإيدي المصابة بتتوجع، ومضيت وأنا مش شايفة الورقة من الدموع.
في المقابل، المتهم حاول يدعي إن الإيصال ده اتكتب في ظروف طبيعية ومعاملة تجارية بينها وبينه! لكن العلم ما بيكذبش. الخبير المالي والفني أخد الإيصال وقارن الحبر المستخدم، ومستوى الضغط العضلي على الورقة، واستقامة السطور.
وبعد مرور أسبوعين من الفحص والدراسة، صدر تقرير الطب الشرعي الحاسم، وجاء فيه النص التالي اللي أثلج قلوبنا:
“بفحص إيصال الأمانة المطعون فيه، تبين أن التوقيع المنسوب للمدعية (حنين) قد تم تحت تأثير إكراه مادي وضغط عصبي ونفسي واضح، يظهر في اضطراب الضغط العضلي والانحرافات غير المنتظمة في التوقيع. كما تبين أن صلب الإيصال (المبلغ والبيانات) قد تم تحريره بحبر مختلف وفي تاريخ لاحق لتاريخ التوقيع، مما يفيد بالقطع بأن التوقيع كان على بياض وتم تحرير الصلب لاحقاً، وهو ما يرجح صحة واقعة التزوير والإكراه.”
التقرير ده ما كانش بس برائة لحنين من دين افتراضي، ده كان مسمار متين في نعش القضايا الكيدية اللي حاولوا يبتزونا بيها.
تحولت القضية من مجرد إيصال أمانة، لقضية “تزوير وإبتزاز واستعمال محرر مزور تحت الإكراه”، وهي جناية تُضاف لملف القضايا المنتظرة ضد الزوج.
في الوقت ده، حماتها وأخوه أدركوا إن كل الكروت اللي في إيديهم تحرقت. مفيش إيصالات أمانة هتضغط علينا، ولا فيه تهديدات هترهبنا. المحامي بتاعهم رفع الراية البيضاء، وطلب من محامينا تحديد جلسة للصلح والتنازل الودي.
في مكتب المحامي بتاعنا، قعدنا لأول مرة وجهًا لوجه مع حماتها وأخو المتهم. أمه كانت قاعدة منكسرة، تبكي وتقول:
— يا حاجّة، ابني هيروح في داهية! السجن كده هيبقى فيه أربع أو خمس سنين بين الضرب والتزوير والتسبب في عاهة! ارجمينا يرحمك ربنا، الراجل أكل وشنا في المنطقة وكل الناس عرفت، وإحنا مستعدين لنص الصلح اللي تطالبوا بيه.
رديت عليها بصوت هادي وواضح:
— الصلح اللي بتتكلمي عنه ده مالوش إلا معنى واحد عندي: استرداد كرامة بنتي، وحقوقها المالية والشرعية بالكامل من غير نقصان، مع إقرار صريح منكم البائن لا رجعة فيه.
بدأ أخوه يتكلم ويحاول يناور:
— بس يا حاجّة، بالنسبة للمؤخر والعفش والمؤخر… ده مبالغ كبيرة، وهو دلوقتي محبوس وما حليتوش حاجة!
وقفت بثبات وبصيت له في عينه:
— العفش اللي باعه أو اتلفه هيدفع ثمنه بالمليم. الدهب اللي أخد منها بحجة ‘المصاريف’ يرجع. شقته أو نصيبه فيها يتنازل عنه كمؤخر ومتعة وتعويض عن الضرر والكسر اللي سببهولها. والطلاق يتم فوراً ورسمياً قدام المأذون. لو وافقتم، الشق الخاص بالتزوير والإكراه والتنازل عن الحق المدني ممكن ينظر فيه، أما الشق الجنائي العام في الضرب فده أمر يسري فيه القانون.
كانت الشروط قاسية عليهم، بس ما كانش قدامهم أي خيار تاني. يا إما يوافقوا ويسلموا بكل حقوق حنين، يا إما ابنهم يواجه أحكام جنائية متتالية تعصف بملف حياته بالكامل.
في اليوم التالي، تم توقيع اتفاقية الصلح المشروط داخل مكتب المحامي، بحضور الشهود. أرجعوا طقم الدهب، وحولوا مبلغ التعويض المالي عن مؤخر الصداق الجسدية، وتم الاتفاق على السير في إجراءات الرسمي البائن.
حنين كانت قاعدة جنبي، بتشوف حقوقها وترخيص حياتها ويرجع ليها بند بند، وكأنها بتنسج كرامتها من جديد بعد ما تمسحت في الأرض على سفرة الغدا يوم الجمعة شؤم.
لكن المحاكمة الجنائية في قضية كان ليها موعدها المحدد قدام محكمة الجنح.
جاء يوم الجلسة الحاسمة…
وقف المتهم في قفص الاتهام، ووقفت حنين جنب محامينا قدام منصة القاضي. قدم محامينا التقرير الطبي النهائى الصادر من المستشفى العام، وتقرير الطب الشرعي، وتحريات المباحث التي أكدت صحة الاعتداء والضرب ومنعها من العلاج.
القاضي بص للمتهم وسأله:
— إيه قولك في التهمة المنسوبة إليك بالاعتداء بالضرب على زوجتك وإحداث العاهة والمبينة بالتقرير الطبي؟
المتهم بص للأرض، وصوته كان واطي وجريح:
— أنكرت يا فندم… بس أنا… أنا ندمان على اللي حصل.
القاضي رفرف بالأوراق، واستمع لمرافعة النيابة العامة التي طالبت بأقصى العقوبة لحماية المجتمع من صور العنف الأسري والتعذيب الداخلي الذي يُرتكب خلف الأبواب المغلقة.
رفع القاضي الجلسة لللمداولة. كانت الدقائق دي أطول دقائق مرت علينا. حنين كانت ماسكة إيدي بقوة، وتتنفس ببطء، وشايفة إن النهاية قربت بجد.
خرج القاضي، واعتلى المنصة، وساد الصمت التام في القاعة…
نطق القاضي بالحكم بصوت جهوري هز أركان القاعة:
“حكمت المحكمة حضورياً: بحبس المتهم سنتين مع الشغل والنفاذ، وإلزامه بالتعويض المدني المؤقت، ومصادرة المحررات المزورة…”




