عام

مراتي اختفت حكايات رومانى مكرم 1

مراتي اختفت مرة واحدة عن البيت ومفيش حد عارف طريقها ومن كتر ما دورنا عليها عشر ايام ومفيش أي نتيجة أبوها اتهمنى انا وعمل محضر إن أنا السبب في اختفائها وممكن أكون عملت فيها حاجة او ، والحكومه قبضة عليا وحاولو يتهمونى بكل الطرق عشان يقفلوا القضيه المفتوح لدرجة إنهم اتهموني بقتلها.

البدايه

مقالات ذات صلة

كانت  هادية بزيادة، السكوت فيها له صوت يرن في الوذن. عشر أيام كاملة عدوا وأنا باكل في نفسي، بدخل كل أوضة أدور فيها كأني هلقاها مستخبية ورا باب ولا تحت سرير. ياسمين اختفت في ثانية، نزلـت تشتري حاجات للبيت ومرجعتش، ومفيش تلفون يرن، ولا خيط واحد يوصلنا ليها.

الدنيا اتقلبت، وأول ما الأمل بدأ يضيع، الجحيم الحقيقي بدأ. أبوها، اللي كان بيعاملني زي ابنه، اتغير في لحظة. الشك أكل قلبه، وبدل ما يحط إيده في إيدي ندور عليها، وجّه صباع الاتهام لصدري أنا.

في القسم، كان صوت حماه يرن في الممرات:

* “هو اللي عمل فيها حاجة! بنتي مكنتش بتخرج من غير إذن، أكيد خلص عليها ودفنها في مكان ميعرفوش غيره!”

دخلت المأمور، والمحققين مكنش وراهم غير كلمة واحدة: “اعترف يا حاتم.. هتوفر على نفسك كتير، البلاغ صريح وأبوها متأكد إنكم كنتم على خلاف.”

مسكت في المكتب وأنا بجيب آخري، صرخت بصوت :

* “والله العظيم ما لمستها! والله ما أعرف هي فين! أنا أكتر واحد بيموت في اليوم مية مرة عشان مش عارف هي جرالها إيه.. اتهموني بكل حاجة إلا إنكم تقولوا إني آذيت الملاك اللي كانت عايشة معايا!”

الضغط كان غير طبيعي، المحققين عايزين يقفلوا الملف المحير بأي طريقة، والأدلة كلها ضدي لمجرد إن أنا آخر واحد شافها، ولإن أبوها بيعمل محضر جديد كل 24 ساعة  فيه  المباشر. باتت ليلتي في الحجز بين أربع حيطان سودا، التفكير كان دماغي.. راحت فين؟ ومين له مصلحة يلبسني الجريمة دي؟ وليه أبوها مصر بالبشاعة دي إني القاتل؟

تاني يوم الصبح، اتفتحت باب الزنزانة بصوت حديد يرعب. العسكري نده على اسمي، وطلعت وأنا مكلابش والمحقق مستنيني بوش صلب ومفيش فيه أي رحمة.

على المكتب، كان فيه ظرف بني مقفول، المحقق بصلي بنظرة غموض وقال:

* “أبو زوجتك جه النهاردة الصبح وسحب الاتهام، وقال إنه كان غلطان.. بس مش ده الغريب يا حاتم.”

فتحت عيني على وسعهم ومش مصدق:

* “سحب الاتهام؟ طب وهي فين؟ لقيتوها؟”

المحقق مال بجسمه عليا، وفتح الظرف ونزل منه كارت صغير وفلاشة، وقال بنبرة واطية حادة:

* “هي مظهرتش.. بس فيه حد بعت الظرف ده لبيت حماك الصبح بدري، وفيه رسالة بصوتها هي، وبتقول فيها جملة واحدة بس غريبة جداً.. بتقول: (ماتدورش عليا يا بابا.. حاتم عارف السر اللي بيني وبينه، وهو السبب في كل اللي بيحصل).”

#الكاتب_رومانى_مكرم_

أتاري الدنيا اتجمدت تحت رجلي، السر؟ سر إيه؟ أنا وياسمين مكنش بينا أي أسرار! قبل ما ألحق أرد أو أدافع عن نفسي، تليفون المحقق رن، رد وفضل ساكت يستمع لدقيقة كاملة، وشه اتغير تماماً والألوان  منه، بصلي وهو بيقوم من على كرسيه وقال بصوت مرعوب:

* “اقفلوا عليه  فوراً ومحدش يقرب منه ولا يحقق معاه لحد ما أنا أرجع بنفسي!”

خرج المحقق من المكتب وهو  من نظراتي، وصوت خطواته السريعة كان بيرن في الممر زي دقات ساعة الموت. العساكر مسكوني بقسوة، وكتفوني أكتر بالكلابشات ورموني جوة . الباب الحديد اتأفل ورايا بصوت مرعب خلى قلبي يقع في رجلائي. الضلمة والريحة المكتومة جوة الحجز كانت تخنق، بس اللي كان  بجد هو السكوت اللي بقيت  فيه مع الجملة دي: “حاتم عارف السر اللي بيني وبينه، وهو السبب في كل اللي بيحصل”.

سر إيه؟ سر إيه اللي ياسمين بتتكلم عنه؟ أنا وياسمين متجوزين من سنتين، حياتنا كانت هادية لأقصى درجة، خط مستقيم مفيش فيه أي عوج. هي بنت هادية، بيتوتية، بتخاف من خيالها. مكنش بيننا أسرار، حتى رمز تليفونها كنت عارفه، وأبسط تفاصيل يومها كانت بتبدأ بيا وبتنتهي عندي. ليه تطلع بصوتها في تسجيل وتقول كلام يلبسني حبل المشنقة بيقين أكتر من أبوها؟

مرت ست ساعات، والوقت جوة  مكنش بيمشي بالدقائق، كان بيمشي  اللي بتقطع في أعصابي. كل شوية بصاصة الباب تتفتح، عسكري يطل بصة فيها خوف وحيرة ويرجع يقفلها بسرعة. الكل في القسم كان يبصلي كأني عفريت أو عتيد الإجرام عمل حاجة برة حدود العقل البشرية.

على الساعة أربعة العصر، الباب اتفتح. العسكري نده عليا بصوت مهزوز: “اطلع يا حاتم.. الباشا رجع وعايزك.”

مشيت معاه والممر كان فاضي بشكل يرعب، كأنهم أخلوا القسم مخصوص عشان خايفين مني أو من السر اللي اتقال. دخلت مكتب المحقق، لقيت النور مطفي ومفيش غير كشاف المكتب هو اللي منور، وورا المكتب كان قاعد المحقق، بس مكنش لوحده. كان قاعد جنبه راجل كبير في السن، شعره أبيض بالكامل، لابس بدلة سمرا قديمة ومخططة، وعينيه مثبتة عليا بنظرة تحس إنها بتبص جوة جمجمتك مش على وشك.

المحقق أشار للعسكري يخرج ويقفل الباب. ساد السكوت لثواني، لحد ما المحقق حط إيديه على المكتب وقال بنبرة هادية بس مرعبة:

* يقيني بإنك القاتل اتغير من ساعتين يا حاتم.. بس يقيني بإنك عايش في كابوس أكبر منك بكثير بقى مية في المية.

بلعت ريقي بصعوبة وقعدت على الكرسي وأنا بحاول أثبت إيدي اللي بتتنفض في الكلابش:

* يا باشا أنا مش فاهم حاجة! والله العظيم ما في بيني وبين ياسمين أي أسرار، التسجيل ده أكيد متببرك، أو حد جبرها تقوله.. ياسمين تحبني ومتقولش عليا كده أبداً!

الراجل اللي لابس بدلة قديمة اتكلم لأول مرة، بصوته كان مبشروخ وله نبرة زي حفيف الأوراق الناشفة:

* التسجيل مش متبرك يا حاتم.. والتحليل الصوتي أثبت إن النبرة ونبرات النفس والبحة اللي في أخر الكلام دي ياسمين بنسبة مية في المية.. وبدون أي إكراه جثماني ظاهر في حبالها الصوتية.

بصيت للراجل بدهشة: “حضرتك مين؟”

المحقق رد بداله: “ده الدكتور عبد الحميد.. خبير أدلة  متقاعد، وعمك طارق – حماك – هو اللي جابه بنفسه بعد ما استلم الظرف.”

سكت المحقق شوية، وبعدين مسك الفلاشة وحطها في لاب توب كان مفتوح قدامه. بصلي وقال: “التليفون اللي جالي وأنا معاك الصبح.. كان من فرقة البحث اللي بعتها لبيت حماك بعد ما هو مشي. لما انزلوا فحصوا البيت وبصوا في  القديمة بتاعة ياسمين.. لقوا حاجة غريبة جداً.”

شغل المحقق فيديو على اللاب توب ولف الشاشة ناحيتي. كان الفيديو بيعرض  ياسمين القديمة في بيت أبوها. الأوضة كانت مترتبة، بس على الحيطة الموازية، كان فيه شخبطة ضخمة بالفحم الأسود، خطوط متداخلة ومطربة، وفي وسط الشخبطة دي كانت مكتوبة كلمة واحدة بخط ياسمين الكبير: (السر تحت ).

قلبي اتنفض: “تحت ؟ سر إيه؟ لقيتوا إيه؟”

الدكتور عبد الحميد قرب مني ومسك الكارت اللي كان جوة الظرف البني. الكارت كان فيه عنوان مكتوب بخط إيد ياسمين برضه. عنوان لبيت قديم في قرية مهجورة على أطراف المحافظة، بيت مكنتش أعرف عنه أي حاجة.

المحقق كمل وهو بيبصلي بتركيز: “لما العساكر رفعوا  في بيت أبوها، لقوا صندوق خشب قديم، عليه قفل مقفول بسلسلة. سحبناه وفتحناه في المعمل.. عارف لقينا جواه إيه يا حاتم؟”

هزيت رأسي بالنفي وأنا حاسس إن النفس بيتسحب من

المحقق فتح درج المكتب وطلع منه ملف صور، رمى الصور قدامي على المكتب. الصور كانت لورق قديم، وشهادات ميلاد، وصور فوتوغرافية سودا وأبيض، وصورة واحدة بالبرينت الحديث صدمتني لدرجة إن جسمي كله اتجمد.

الصورة الحديثة كانت لياسمين، واقفة جنب راجل وشوشته مش باينة في الضلمة، بس المحل المكتوب عليه اليافطة في خلفية الصورة كان محل أبويا الله يرحمه.. المحل اللي اتقفل من خمسطاشر سنة بعد ما أبويا  غامضة ومحدش عرف سببها لحد النهاردة!

ومع الصورة، كان فيه ورقة مكتوبة بخط يد ياسمين بتاريخ يرجع لسنتين فاتوا.. بالضبط قبل جوازنا بشهر واحد!

قريت الكلام المكتوب بصوت واطي وأنا مش مصدق عيني:

(أنا اتجوزت حاتم مش عشان بحبه بس.. أنا اتجوزته عشان أكفر عن الذنب اللي أبويا عمله في أبوه. حاتم ميعرفش إن البيت اللي أهله  فيه كان بسباب أبويا، وميعرفش إن السر اللي مدفون تحت المحل القديم هو السبب في كل نقطة  هتنزل بعد كده. لو أنا اختفيت، فدا عشان السر ده بدأ يصحى، وحاتم هو الوحيد اللي هيتدفع الثمن).

مسكت رأسي بإيديا والتنفس بدأ يتقل. أفكاري اتلخبطت وتداخلت زي العاصفة.

* الكلام ده كذب! أبويا  عربية على الطريق السريع! ياسمين مكنتش تعرف أبويا ولا تعرف عيلتي غير لما أنا اتعرفت عليها في الشغل! إيه الخبل ده؟ أبوها حاد عن العقل؟ ولا هي اللي كانت بتلعب بيّ؟

الدكتور عبد الحميد حط إيده على كتفي، وقبضته كانت دافية بشكل غير متوقع:

* يا حاتم.. الكلام ده مش خبل. طارق – حماك – أول ما شاف الصندوق والورق ده في القسم، انهار ونزل على ركبه. وجاتله جلطة نزلنا نقلناه المشفى فوراً وهو دلوقتي في العناية المركزة بين الحياةت.. وقبل ما يفقد النطق كلياً، قال جملة واحدة للمحقق.

بصيت للمحقق وأنا بصرخ: “قال إيه؟ اتكلموا حرام عليكم!”

المحقق قال بنبرة جافة: “قال: (ياسمين راحت للبيت القديم.. راحت تدفن السر قبل ما يقتلها زي ما قتل أبوه).”

في اللحظة دي، الموقف اتغير تماماً. القتل والاتهام الصريح اتحول لدوامة من الغموض المرعب. المحقق مكنش شايفني مجرم خلاص، كان شايفني الخيط الوحيد اللي هيوصله للغز اللي بيتفتح قدامه زي المقبرة القديمة.

المحقق قام وقف، ومسك المفتاح وفك الكلابشات من إيدي. بصلي وقال:

* أنت مش مفرج عنك يا حاتم.. أنت هتطلع معايا دلوقتي بالحرية المشروطة. هنروح للعنوان المكتوب في الكارت.. البيت المهجور في القرية القديمة. ولو اتمسكت بتلعب بيّ أو بتحاول ،  عليك النار بنفسي.

خرجنا من القسم على عربية شرطة مدنية، المحقق يسوق بنفسه، وأنا قاعد جنبه، والدكتور عبد الحميد قاعد ورا وساكت تماماً، ماسك الصندوق الخشب في حضنه كأنه شايل  موقوتة.

الشوارع كانت بتمر من جنبا بسرعة، وليل المحافظة كان بيزداد سواد. كان الطريق بيضيق كل ما بنقرب من القرية المهجورة. المباني الحديثة اختفت، وحلت محلها بيوت من الطين والحجر القديم، والأشجار الميتة اللي كأنها أشباح واقفة على جانبي الطريق الترابي.

بعد حوالي ساعة وربع من السواقة في صمت ، العربية وقفت قدام سور قديم ومهدوم لبيت أثري، الأبواب الخشبية بتاعته كانت متآكلة من السوس، والهدوء في المكان كان له صوت زي الصفير الصامت.

المحقق طلع مسدسه وكشاف قوي، وبصلي وقال: “انزل يا حاتم.. وامشي قدامي.”

نزلنا من العربية، الهواء كان بارد جداً ورطب، وريحة العفن والأرض القديمة كانت تملأ المناخير. مشينا بخطوات بطيئة ناحية الباب الخشبي للبيت. الدكتور عبد الحميد كان ماشي ورايا بثبات غريب، كأنه زار المكان ده قبل كده.

دفع المحقق الباب برجليه، فالأبواب أطلقت صفيراً طويلاً وفتحت على صالة واسعة ومظلمة، السقف بتاعها كان فيه فتحات بتعدي منها إضاءة القمر الضعيفة. الأثاث جوة كان متغطي بملاءات بيضا مليانة تراب وعنكبوت، كأن الزمان وقف في البيت ده من خمسين سنة.

المحقق وجه الكشاف على الأرض. كان فيه أثر خطوات حديثة على التراب المغطي البلاط!

خطوات صغيرة.. مقاس رجل ست!

* ياسمين كانت هنا! – صرخت بصوت مكتوم وأنا بجري ناحية الأثر.

المحقق مسكني من قفايا بسرعة وزقني لورا: “اثبت مكانك! محدش يتحرك من غير ما أمن المكان!”

اتبعنا أثر الخطوات اللي كانت ماشية بانتظام في الصالة، لحد ما وصلت لباب خشبي صغير في أخر الممر، باب نازل لدرسد محفور في الأرض.. السرداب.

الأثر كان نازل للأسفل. المحقق مسك الكشاف بيد والمسدس بالإيد التانية، وبدأ ينزل الدرج الرخامي المكسر، وأنا وراه والدكتور عبد الحميد بيأمن ظهرنا.

كل ما بننزل خطوة، الحرارة كانت بتقل والريحة بتزيد.. ريحة شمع ، وريحة حاجة تانية.. ريحة حديد مصدي أو دم قديم.

وصلنا لنهاية الدرج، لقينا رواق ضيق ينتهي بأوضة دائرية. وفي وسط  دي، كان فيه حاجة خلت دموعي تتجمد في عيني.

كان فيه كرسي خشبي قديم في نص الأوضة، ومولع حواليه أربع شمعات بيضا كبيرة.. وعلى الكرسي ده، كانت قاعدة ياسمين!

* ياسمين! – صرخت وعايز أطير ناحيتها، بس المحقق مسكني بقوة وصرخ: “استنى يا حاتم!! بص كويس!”

وجه المحقق ضوء الكشاف القوي على وش ياسمين.

كانت قاعدة متصلبة، عينيها مفتوحة على وسعهم وبتدحرج في الفراغ كأنها بتشوف حاجة مش موجودة، وشها كان أصفر زي الشمع، وشفايفها أزرق دائم. بس الحاجة المرعبة بجد.. إنها مكنتش متمسكة بحبال!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى