
إبراهيم قام من قعدته بهيبة، وشه اتقلب جمر، ومصطفى وقف جنبه كأنه السد المنيع. أمي جرت ورايا أنا وشهد ودخلتنا الأوضة وهي بتترعش وتدعي: “يا ساتر يارب، استرها معانا يا رب، الندل جايب ناسه وجاي يبلطج علينا في بيتنا!”
أبويا فتح الباب بقلب جامد، ووقدامه كان واقف عادل، وشه متورم وعينيه مقفولة من الضرب بتاع إمبارح، وجنبه أبوه الحاج متولي وعمامه الاثنين.. أشكال تخلع القلب وجايين وفي إيديهم شوم وناويين على شر!
الحاج متولي أبوه زق الباب بصدره ودخل الصالة وهو بيزعق بصوت يرج الحيطان:
“جرى إيه يا إبراهيم؟! بقى تمدوا إيدكم على ابني في قلب بيتكم؟ وتضربوه وتفتحوا دماغه وتكسروا مناخيره وتخرجوه بالمنظر ده؟ هي زريبة ولا ملهاش صاحب؟!”
عادل كان واقف ورا أبوه، متداري زي الحرمية، بس عيونه كانت بتلمع بغل وانتقام، وعمه الكبير قرب من أبويا ورفع صباعه في وشه بتهديد:
“إحنا ما بنسيبش حقنا يا إبراهيم! وابنك مصطفى والبت سارة دي لازم يتحاسبوا، يا إما هنعمل معاكم السليمة ونمسح بكرامتكم الأرض في المنطقة كلها!”
أبويا إبراهيم ما رمشلوش جفن، وقف زي الصخرة، وبص للحاج متولي بعيون مليانة قرف وازدرار، وقال بصوت حازم ورزين يخرس أجدعها راجل:
“اهدى يا متولي.. اهدى يا ابن الأصول وعيب الكلام اللي طالع من بؤك ده! أنت جاي تتبجح في بيتي وتزعق وتددعي الباطل؟ ما تسأل ابنك الشريف الناصح ده، ضربناه ليه ورجمناه برة البيت زي الكلب الجربان؟!”
أبوه اتفاجئ بنبرة أبويا، وبص لعادل بعين حادة وقال:
“ابني قالنا إنكم اتقابلتم في الفون على كلام فارغ، وعشان هو راجل صريح وساب البنت سارة، بلطجتم عليه وجبتوا مصطفى يضربه ويلبسه مصيبة!”
في اللحظة دي، أنا مقتدرتش أسكت وأقعد جوة الأوضة. خرجت من الأوضة بكل ثبات، ووقفت جنب أبويا ومصطفى، وبصيت لأبوه وعمامه في عينهم مباشرة وقلت بصوت يرن في الصالة:
“ابنك الصريح يا حاج متولي بيكدب عليك، وجاي يداري قذارته تحت دراعك! ابنك دخل بيت ناس شرفاء، أكرموه وركبوه على رأسهم، فقرر يتبص لأخت خطيبته!”
عمام عادل اتصدموا، وأبوه فتح بؤه بذهول وقال:
“إيه؟! أنتِ بتقولي إيه يا بت أنتِ؟! اتلمي واعقلي كلامك!”
مصطفى اتدخل بخطوة مرعبة، وحط جسمه بيني وبين عمه، وقال بصوت كأنه زئير أسد:
“كلمها بأدب يا راجل يا كبارة، بدل ما أعلم عليك أنت كمان! البنت بتقولك الحقيقة اللي ابنك مكسوف يقولهالك.. ابنك الواطي قل عقله مع خطيبته، وقالها بالحرف: ‘أنا عيني من أختك شهد، فكي خطوبتها وأنا أخطبها وأسيبك!’.. جاي بعد ده كله عاوزنا نرحب بيه ونديه شربات؟!”
أبويا إبراهيم قرب من متولي، وطلع موبايلي من جيبه وحطه في إيد أبوه، وقال بنبرة تدبح:
“أنا بنتي مسجلة المكالمة يا متولي.. مسجلة كل كلمة وسخة طلعت من بؤ ابنك بدم بارد! تحب أسمعها للشارع والمنطقة كلها ولعمامك اللي جايين بالشوم دول، عشان يعرفوا إنهم جايين ينصروا بني آدم عريان من النخوة والشرف؟!”
عادل أول ما سمع كلمة “تسجيل”، وشه اتخطف وبقت الدموية تهرب منه، حاول يمسك موبايل أبوه عشان يمنعه، بس أبوه زقه بقوة وفتح الموبايل وشغل التسجيل بصوت واطي..
صوت عادل رن في الصالة وهو بيقول بكل بجاحة: “شهد دي كانت هتطلع من عيني.. تفكي خطوبتها وأنا أخطبها!”
الكلمات نزلت على أبوه وعمامه زي السياط! عمام عادل نزلوا أيديهم والشوم وقع على الأرض، بصوا لعادل بقرف وكسفة، والحاج متولي إيده كانت بتترعش وهو ماسك الموبايل.. الصدمة كانت أقوى من أي ضربة بساطور!
أبوه رفع راسه بالعافية، وبص لأبويا إبراهيم وعيونه كانت في الأرض من الخزي والعار.. رفع إيده وضربه قلم قوي طير وشه الناحية التانية!
“يا قليل الأدب يا ابن الحرام! بقى أنا مربيك عشان تفضحني وتكسر راسي قدام الرجال؟!” الحاج متولي صرخ في وشه وهو بيمسكه من ياقت هدومه وبيطرحه أرضاً.
عمام عادل مسكوا أخوهم بالعافية، وعادل كان يبكي ويصرخ من الخوف والوجع والفضحة اللي أكلها قدام أهله وبيتنا.
الحاج متولي بص لأبويا إبراهيم وقال بصوت مكسور ومحني:
“سامحني يا إبراهيم.. حقك على راسي، وحق بناتك فوق رقبتي. أنا جيت بجهلي فاكر إن ابني مظلوم، طلع هو الظالم والمريض اللي يستاهل القطع!”
أبويا إبراهيم رد بثبات وكبرياء:
“حقك مقبولة يا متولي عشان أنت راجل كبارة وعارف الأصول.. بس ابنك ده، قدمه ما تعتبش الحارة دي تاني، ولو شفته صدفة في سكة، حسابه معايا مش هيكون مجرد ضربة قلم!”
عمام عادل سحبوه من الأرض زي الشوال، وهو بيعيط وبيداري وشه بأيديه، وخرجوا بيه برة البيت وهم بيجروا أذيال الخيبة والفضائح.
قفلنا الباب وراهم، وأمي وشهد خرجوا من الأوضة وهم بيتنفسوا الصعداء. شهد حضنتني وهي بتعيط من الفرحة إن الحق ظهر، ومصطفى بصلي وقال:
“جدعة يا سارة.. أنتِ أثبتِ إن كرامتك وكرامة بيتك خط أحمر مفيش مخلوق يقدر يتعداه.”
ابتسمت بوجع، بس كان وجع راحة ونصر.. الدبلة اللي اتخلعت من إيدي كانت بداية لحياة جديدة، بس الدنيا لسه مخبية مفاجأة تانية، لأن عادل بعد ما اتمسح بكرامته الأرض قدام أهله والمنطقة، مكانش عنده حاجة يخسرها، وقرر ينتقم بالطريقة الأوسخ!
مرت أيام قاسية على بيتنا، والمنطقة كلها بقت تتكلم عن اللي حصل، وعن الخيبة اللي أكلها عادل وأهله. الكل كان بيشيد بموقفي وبثبات أبويا، بس عادل اللي اتعرى قدام أهله وعمامه، شيطانه عمى عينيه أكتر، والغل أكل قلبه، وكان مصمم يرجع بضربة يكسر بيها ضهرنا ويهد بيها البيت على رأسه ورأسنا!
في يوم كان مصطفى خطيب شهد مسافر في شغل تبع شركته في السويس، وأبويا نزل من الصبح بدري يتابع شغله في الورشة. ما فاضلش في البيت غيري أنا وأمي وشهد.
على الساعة أربعة العصر، الجرس رن بعنف. أمي كانت في المطبخ، فطلعت أنا أفتح الباب، وبمجرد ما حطيت إيدي على الأوكرة وفتحت خطوة، اتفاجئت بإيد زفرة وقوية بتزق الباب بوحشية وتدخل!
كان عادل! بس المرة دي مكانش لوحده.. كان جايب معاه اتنين بلطجية من بتوع الليل، أشكالهم ترعب، في إيد كل واحد فيهم سلاح أبيض (مطوة وشفرة)، ووشوشهم مفيهاش نقطة رحمة!
عادل زقني بعنف لجوة، وبصلي بعيون حمرا زي الدم، كان شكله أجن وأضل من الأول، شارب حاجة ومغيب، وجسمه بيترعش من كمية الانتقام اللي جوه
عادل ضحك ضحكة جنونية وقفل الباب بالمفتاح وراه، ورمى المفتاح في جيبه، وبص للبلطجية اللي معاه وقالهم بصوت مليان غل وشر:
“اقفلوا الأوض على الحريم.. وما تخلوش حد يخرج أو يصرخ! النهارده يوم الحساب يا سارة.. النهارده هعرفك يعني إيه تكسري كلام عادل وتمسحي بكرامته الأرض قدام المنطقة!”
أمي وشهد خرجوا يجروا على صريخي، أمي أول ما شافت عادل والبلطجية والسلاح، حطت إيدها على قلبها وصرخت:
“يا لهوي! الحقونا يا ناس! يا بلطجية يا مجرمين!
بقيت أنا واقفة في الصالة لوحدي قصاد عادل والبلطجي التاني اللي واقف حارس عند الباب. قلبي كان بيلف من الخوف، بس كبريائي وعزة نفسي رفضوا يخلوني أضعف أو أظهر له نقطة خوف واحدة!
قربت منه بثبات وأنا حاطة عيني في عينه:
“فاكر نفسك راجل لما تجيب بلطجية وتتسحب في غياب رجالة البيت؟ أنت أصغر وأحقر من إنك تواجه راجل لراجل، وعشان كده جايب أشكالك عشان يستقووا على حريم!”
عادل رفع إيده وضربني قلم شديد على وشي، شفايفي جابت دم، ودماغي لفت، بس رجعت وقفت ودبّيت رجلي في الأرض كأني صخرة، وبصيت له وبصقت على الأرض قدامه بكبرياء هز كيانه!
عادل اتجنن، طلع من جيبه كيس أبيض صغير، وحطه على الترابيزة، وطلع موبايله وبدأ يصورني!
“عارفة الكيس ده فيه إيه يا شاطرة؟” عادل قالها بدم بارد وابتسامة مريضة: “ده بودرة ومخدرات! أنا هصورك هنا في شقتكم، والكيس ده جنب منك، وهبعت الصورة والڤيديو لكل المجموعات والصفحات بتاعة المنطقة.. هقول إنك كنتِ بتتاجري وتتعاطي جوة بيتك، وإن أنا فسخت الخطوبة لما اكتشفت قذارتك! هخلي سمعتك في الأرض، وهخلي أبوك ومصطفى يمشوا وراسهم مكسورة طول عمرهم!”
الدم اتجمد في عروقي.. النذالة وصلت لمع معايير مكنتش أتخيل إن بشر يقدر يوصلها! ده مكانش مريض بس، ده كان شيطاني!
عادل مسكني من دراعي بقوة وبيحاول يزقني يقعدني على الكنبة جنب الكيس عشان يصور، وأنا بقاومه وبضرب فيه بكل قوتي، وضوافري علمّت في وشه ورقبته، وهو يصرخ ويشتمني!
وفي وسط الملحمة دي، وفي اللحظة اللي عادل رفع فيها الموبايل عشان يلقط الصورة اللي هيقضي بيها على شرفي وشرف عيلة إبراهيم..
صوت أبويا إبراهيم رن من برة زي الرعد اللي بيشق السماء:
“افتح يا قليل الشرف يا ابن متولي! افتح يا ندل قبل ما أهد البيت على رأسك!”
وعلى الناحية التانية.. جاء صوت مصطفى! مصطفى اللي مكانش سافر السويس، لأن شغلانه اتأجل وسؤء حظ عادل المريض جابه في أتعس لحظة في حياته!
البلطجي اللي عند الباب وشه اتخطف وبص لعادل برعب:
“يا باشا ده مصطفى وأبوها برة! ومجمعين شباب الحارة والشارع كله وراهم!”
عادل الموبايل وقع من إيده على الأرض، والشر اللي كان في عيونه اتقلب لخوف ورعب وهلع لا يوصف!
دخل مصطفى ومعه أبويا وشباب المنطقة وفي إيديهم الشوم والسلاسل.. منظر يقطع الخلف!
مصطفى بص للبلطجية ولعادل اللي واقف ماسكني ود الدم نازل من شفتي.. عينيه اتحولت لكتلة نار متقدة، ونطق كلمة واحدة هزت أركان العمارة كلها:
“النهاردة.. نهايتك يا عادل!”
أبويا إبراهيم جرى على أوضة النوم، كسر القفل ورجع أمي وشهد لحضنه، وشهد جرت عليا وحضنتني وهي بتعيط بحرقة لما شافت الدم على شفتي، وأمي صرخت ودموعها نازلة كأنها شلال.
أما مصطفى.. فمكانش شايف في الأوضة غير عادل!
عادل حاول يرجع لورا، يركع، يستعطف، وشه كان اتقلب أبيض كأنه جثة، وصوته طلع مكسور ويرعش:
“مصطفى.. استهدى بالله! أنا.. أنا كنت بزار والله، أنا ملمستهاش!”
مصطفى مسكه من زوره ورفعه لفوق، ودبه في الحيطة بضربة هزت شقق العمارة كلها!
“تهزر بمخدرات وشرف يا واطي؟! تدخل بيت أبويا في غياب الرجالة وتمد إيدك على سارة؟! ده أنت أمك دعت عليك في ليلة قدر إنك تقع تحت إيدي النهارده!”
مصطفى نزل فيه ضرب من غير رحمة ولا شفقة.. كل قلم وكل بوكس كان بياخده عادل، كان بيرد اعتبار شرفنا، وكرامة سارة، ودموع شهد وأمي. عادل كان بيصرخ ويستغيث ويصرخ للشارع كله، لحد ما صوته انقطع وبقى يترجى مصطفى بصوت مكتوم إنه يسيبه عايش.
شباب المنطقة مسكوا عادل والبلطجية الاثنين، وربطوهم بالحبال زي الذبائح، وسحبوهم على السلم من شعرهم لحد الشارع برة!
“يا أهل المنطقة الشرفاء.. البني آدم ده دخل بيتي بأمان الله، ولما طمع في شرف بناتي واكتشفنا خيانته ورمينا دبلته، جاي النهارده بركة البلطجية عشان يلفق تهمة ويهد بيت ناس أكرموه! وادي المخدرات اللي كان جايبها يرميها في بيتي!”
أبويا رمى الكيس الأبيض تحت رجلين أهل الشارع، والناس أول ما سمعت وشافت، الهتاف والغضب ولع في الشارع كله! أجدعها راجل في المنطقة نزل في عادل ضرب وتفل على وشه، والحريم بقوا فيه وفي ندالته.
الضابط بص لعادل بقرف وقا
عادل كان بيتجر على عربية الترحيلات، وشه متقطع دم، وعينيه مطفية من الخوف، وبصلي لآخر مرة وهي بيتسحب.. بصيت له وأنا واضعة إيدي على شفتي المدمية، وابتسمت له ابتسامة انتصار وسخرية خلت رأسه تتطأطأ في الأرض لأول مرة للأبد. أكلته النيابة وقضت عليه بـ ١٥ سنة سجن مشدد لجميع التهم المنسوبة ليه وللبلطجية اللي معاه!
بعد أسبوع من الواقعة..
الهدوء رجع للشقة، بس المرة دي هدوء نقي ومترتب. الشمس كانت داخلة الصالة مالية المكان دفا وأمان. أمي كانت بتوزع شربات على جيراننا اللي وقفوا معانا، وشهد واقفة جنب مصطفى بتضحك من قلبها وهي حاطة إيدها في إيده، بعد ما الحقيقة ظهرت والشر انزاح عن عيلتنا.
أبويا إبراهيم قعد جنبي على الكنبة، حط إيده على كتفي وطبطب عليا بحنان، وقال لي قدام مصطفى وشهد وأمي:
“عارفة يا سارة؟ القلم اللي أخدتيه والوجع اللي شفتيه، أثبتلي إنك مش بس بنتي.. أنتِ ست البنات كلهم. وقفتِ زي الأسد، وما قِبلتيش الرخص، وصنتِ شرف أختك وبيتك.. أنا فخور بيكي يا بنتي.”
مسكت إيد أبويا وبوستها، وقلتله بصوت مليان ثقة وفخر:
“اللي يربيه راجل زيك يا بابا، عمره ما يوطي رأسه ولا يقبل بقلة القيمة.. والدبلة اللي اتخلعت من إيدي دي ما كانتش خسارة، دي كانت النجاة من جحيم!”
وقفت قدام المراية، بصيت لوشي.. أثر الجرح اللي في شفتي كان بيلمس كرامتي ويعلمني إن القوة مش إنك متتوجعش، القوة إنك تخرج من الوجع وأنت مرفوع الراس وسيد قرارك.
قفلت الصفحة القاسية دي من حياتي للابد، وأنا عارفة إن البيت اللي يحميه راجل بأصل، وتبنيه بنت بكرامة.. مفيش أي شيطان في الدنيا يقدر يهده!




