Uncategorized

أنا وأختي 2

وقفتُ عند عتبة الباب، أستند على مقبضه الخشبي وأشعر بعجز ثقيل يكبل أطرافي. كان صوت أشرف ينبعث من الصالة محملًا بنبرة الجشع والفضول التي أصبحتُمقتُها في تلك اللحظة:

«ما تردي يا منى! عملتِ إيه مع أختك وزوجها؟ اتكلمتِ في الفلوس؟ حطيتِ حد للتهريج ده ولا رجعتِ إيدك فاضية؟».

خطوتُ خطوات بطيئة ونظرتُ إليه. كان يجلس على الأريكة ينتظر الخبر الذي ظنه نصرًا ماليًا، وفي يده هاتفه. لم أستطع النطق، فقط وقفت أطالعه بنفس العينين اللتين رأيتُ بهما أمي وحازم وسمر منذ قليل.

قام أشرف من مكانه واقترب مني، واشتدت نبرة صوته بغضب:

«مالك واقفة زي التابوت كده؟ ردّي عليّ! أختك قالت لك إيه؟ هيبعتوا نصيبنا من المعاش والإيجار من الشهر ده ولا لأ؟».

انفجرتُ فجأة بصوت يملأه القهر والندم، صوت تحسرت فيه على نفسي وعلى ما بلغتُه من انحطاط:

«نصيبنا؟! نصيبنا في إيه يا أشرف؟! أنت ورطتني.. خلتني أروح أقف قدام أمي وأختي وزوجها وزي المجنونة أطالب بفلوس امرأة مريضة محتاجة كل مليم لعلاجها وعمليتها! خلتني أبيع أمي عشان طمعك وأوهامك!».

تراجع أشرف خطوة إلى الخلف، واستنكر كلامي بنظرة حادة، وقال بعصبية:

«يعني إيه؟ أختك ضحكت عليكِ بكلمتين؟ تلفت لك الحقيقة وجاية تتشاطري عليّ أنا؟ هم بياكلوا حقك وأنتِ جاية تفرغي غضبك فيّ؟!».

صرختُ في وجهه:

«ما حدش أكل حقي غير طمعي وطمعك! أمي محتاجة عملية تغيير مفصل بتسعين ألف جنيه! أمي بتاكل أكل خاص بأضعاف الثمن بسبب الضغط والسكر واليوريا! أمي عندها جلسات علاج طبيعي وتمريض بييجي البيت! الفلوس اللي كنت فاكرهم بيبذروها بتتصرف على صحتها اللي أنا وأنت ما فكرناش نسأل عنها ولا نص يوم!».

ساد صمت قصير في الصالة، لكن وجه أشرف لم يظهر عليه أي ندم، بل تحول شحوبه إلى قسوة أرعبتني. ابتسم ابتسامة ساخرة وقال بنبرة مليئة بالانتهازية:

«عملية؟ أكل خاص؟ وأنتِ صدقتِ المسرحية دي؟ دي حجج ورص أرقام علشان يطيروا الفلوس وما يدوكِش مليم! وبعدين حتى لو كل ده صح.. الشقة فين؟ شقة أمك تؤجر بأربعة آلاف جنيه، دي ملكها، وأنتِ ورثك فيها ثابت. طلبتِ حقك في الشقة ولا سيبتيهولهم كمان؟».

ضحكتُ بكهكهة هستيرية والدموع تتساقط من عينيّ، وقلت بصوت مبحوح:

«الشقة؟ الشقة خلاص يا أشرف.. أمي كتبت الشقة لسمر بيع وشراء من الشهر اللي فات! أمي حرمتني من كل حاجة، أخدت مني التوكيل وكتبت كل حاجة باسم سمر عشان تطمن إن سمر تاخد أجر تعبها، ولأنها عرفت إن بنتها التانية باعتها عشان زوجها وعشان راحتها!».

هنا تغير وجه أشرف تمامًا. لم يعد غاضبًا فقط، بل تحول إلى شخص غريب لم أكن أعرفه طوال سنوات زواجي منه. ضرب قبضة يده في الجدار بقوة وصرخ في وجهي بصوت هز أركان الشقة:

«كتبت الشقة باسم سمر؟! أنتِ تجننتِ؟ سيبتيها تكتب الشقة وسكتِ؟ أنتِ إيه، غبية؟! طالما ما فيش فلوس وما فيش شقة وما فيش ورث، كنتِ رايحة تعملي إيه هناك؟ رايحة تفضحينيا وتخسري كل حاجة وترجعي بطلّي؟».

سقطتُ على الكرسي وأنا أنشج بالبكاء:

«أنا خسرت أمي يا أشرف.. خسرت أختي الوحيدة.. خسرت كرامتي عشان الفلوس اللي عميت عينيا وعينيك!».

اقترب أشرف مني ونظر إليّ بقسوة متناهية، وقال كلامًا نزل على رأسي كالمطرقة:

«لا يا هانم، أنتِ ما خسرتيش أمك وأختك بس.. أنتِ خسرتِ الشقة اللي كنت مستني نبيعها ونعدل بيها ظروفنا! طالما أمك شالت إيدها منك وكتبت كل حاجة لأختك، يبقى ما تلزميش أختك وما يلزمنيش وجودك معايا وأنتِ إيدك فاضية وخرجتِ من المولد بلا حمص! تحسبي حسابك إن العيشة دي مش هتمشي زي زمان، وطالما ما جابتيش حقك، ما تطلبيش مني حنية ولا طولة بال!».

تركني وأغلق باب الغرفة خلفه بقوة، وجلستُ أنا في الظلام أسترجع شريط الأحداث.

تذكرتُ اليوم الذي جاءت فيه أمي إليّ بعد وفاة والدي، تطلب أن تعيش معي. تذكرتُ كيف تهربتُ منها واختلقتُ الأعذار الواهية خوفًا من التعب والمسؤولية. وتذكرتُ كيف استقبلتها سمر بابتسامة وترحاب، وكيف احتضنها حازم وأكرمها وكأنها أمه.

في تلك الليلة، لم أذق طعم النوم. كنتُ أتقلب في فراشي وشيطان الندم يمزق قلبي. عرفتُ أنني لم أخسر المال فقط، بل خسرتُ أمي وأختي وزوجي أيضًا، لأنني اكتشفتُ أن أشرف لم يكن يحبني، بل كان يرى فيّ وفي أهل صفقة مادية ينتظر جني أرباحها، وعندما فشلتُ في جلب المال، ظهر وجهه الحقيقي القبيح.

مع إشراقة الصباح، حزمتُ أمري. كبريائي وجرحي لم يسمحا لي بالجلوس وانتظار الرحمة من أشرف، ولا بالاستسلام لندمي دون محاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه، حتى لو كان الأوان قد فات.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى