
ارتديتُ ملابسي وخرجتُ من المنزل دون أن أحدث أشرف كلمة واحدة. كانت قدمي تقودني نحو بيت سمر مرة أخرى. لم أكن ذاهبة لأطلب المال، ولا لأعتذر اعتذارًا رخيصًا يمحو جريمتي، بل كنتُ ذاهبة لأرجو أمي أن تطردني، أن تشتمني، أن تفعل بي ما تشاء.. لكن بشرط واحد: أن تسمح لي فقط بأن أقبّل يدها وأطلب منها العفو قبل أن يفوت الأوان وتلقى ربها وهي غاضبة عليّ.
وصلتُ إلى العمارة، وصعدتُ الدرجات وأنا أشعر أن كل خطوة هي جبل ثقيل فوق صدري. وقفتُ أمام الباب ورفعتُ يدي لأطرق..
لكن قبل أن تلمس يدي الباب، سمعتُ أصواتًا قادمة من الداخل. كان صوت حركة مضطربة، وصوت سمر وهي تبكي وتصرخ بنحيب هاطف:
«الحقني يا حازم! أمي مش بترد عليّ! اتصل بالإسعاف بسرعة يا حازم! أمي جسمها سقعان ومش بتتنفس!».
تجمدتُ في مكاني أمام الباب، وسقطت حقيبتي من يدي. شُلت أطرافي تمامًا وصوت نحيب سمر يثقب أذني كالإبر: «أمي مش بترد عليّ! اتصل بالإسعاف بسرعة يا حازم!».
لم أفكر، ضربتُ الباب بقوة وهستيرية وأنا أصرخ:
«افتحي يا سمر! افتحي يا سمر أنا منى! افتحي بالله عليكِ!».
فتحت سمر الباب ووجهها شاحب كالموتى، والدموع تغرق عينيها. لم تنظر إليّ ولم تعاتبني، بل ركضت نحو الصالة. دخلتُ خلفها كالمجنونة، فوجدتُ أمي ممددة على الأريكة، رأسها مائل إلى الخلف، وعيناها مغمضتان بهدوء مرعب، بينما كان حازم يجلس على ركبتيه يحاول قياس نبضها بآدواته الطبية ويداه ترتجفان بشكل لم أره فيه من قبل.
ارتميتُ على ركبتي بجوار سمر، وأمسكتُ بيد أمي الباردة. كانت باردة كالثلج، خالية من تلك السخونة الحنونة التي طالما شعرتُ بها وأنا صغيرة.
صرختُ وأنا أقبل يدها وبشرة وجهها:
«أمي! ردّي عليّ يا أمي! أنا منى.. سامحيني يا أمي! أنا آسفة، والله العظيم آسفة! قومي اضربيني، قومي اصرخي فيّ، بس كلميني يا أمي! ما تمشيش وأنتِ غضبانة عليّ!».
نظر إليّ حازم بنظرة كسيرة، ثم التفت إلى سمر وقال بصوت خفيض خنقته العبرة:
«النبض ضعيف جدًا يا سمر.. النفس شبه مقطوع، الأزمة القلبية شكلها جات لها وهي نايمة بعد الضغط العالي بتاع إمبارح.. الإسعاف مش هيلحق، لازم ننزل بيها فورًا على المستشفى بسيارتي!».
في ثوانٍ معدودة، حمل حازم أمي بين يديه برفق، وركضنا جميعًا خلفه على الدرج. كنتُ أسير كالمغيبة، أردد الأدعية والتوسلات بصوت مبحوح. فتح حازم باب السيارة الخلفي، وجلستُ أنا وسمر بجوار أمي نندب ونبكي. احتضنتُ رأسها ووضعتها في أحضاني، وأنا أشعر بكل مليم، وكل حرف، وكل نية طمع دخلت قلبيتحول إلى سياط تلمظ جسدي بنار الندم.
وصلنا إلى المستشفى، وركض الطاقم الطبي بالنقالة المتحركة. أخذوا أمي ودخلوا بها إلى غرفة العناية المركزة، وأُغلق الباب الأبيض الكبير في وجوهنا.
سادت لحظات صمت قاتلة في الممر. كنتُ أقف مستندة إلى الجدار، أرتجف بكاملي، بينما كانت سمر تبكي بحرقة في حضن حازم الذي كان يحاول أن يتمالك نفسه.
التفتت سمر إليّ فجأة، وكانت عيناها حمراوين كالجمر، وقالت بصوت مكسور وممتلئ بالحرارة:
«ارتحتِ يا منى؟ مبسوطة دلوقتي؟ جاية النهاردة عشان تكملي اللي بدأتيه إمبارح؟ أمك ما استحملتش الوجع.. طوال الليل كانت بتعيط وتقول: “أنا قصرت مع منى في إيه؟ أنا ليه بنتي تبيعني بالرخص ده عشان فلوس وزوج؟”.. الضغط رفع عندها والقلب ما استحملش الصدمة! لو أمك جرى لها حاجة يا منى.. عمري ما هسامحك، ولا هي هتسلك لك ذنبها ليوم الدين!».
سقطتُ على الأرض عند قدمي سمر، ولم أجد في نفسي أي ذرة كبرياء لأدافع بها عن نفسي. أ مسكتُ بعباءتها وقلت والدموع تخنقني:
«ادعي لي يا سمر.. قوليلها تسامحني! أنا غبية، أنا عملت ذنب كبير وركبتني الشياطين، زوجي عماني وطمعي قتلني.. بس والله العظيم ما كنت عايزة ليها الشر، أنا جاية النهاردة أبوس رجلها عشان تسامحني! متخلينيش أعيش طول عمري ودمها في رقبتي!».
في تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتفي في حقيبتي. أخرجته بيدين ترتجفان، فوجدتُ اسم “أشرف”.
رددتُ بصوت ضعيف:
«ألو يا أشرف..».
جاءني صوته جافًا، خاليًا من أي رحمة أو اهتمام بوضعي، وقال بلا مقدمات:
«إيه يا منى؟ خرجتِ من البيت على فين من غير ما تقولي؟ ها، وصلتي لشيء مع أختك؟ هل فكرتِ في كلامي ورايحة تطالبي بحقك في الشقة القانوني ولا لسه بتلعي دور الضحية؟».
اتسعت عيناي بذهول وأنا أستمع إلى كلماته. أمي تموت خلف الباب المغلق، وهو كل ما يشغله هو الشقة والمال!
نظرتُ إلى باب العناية المركزة، ثم إلى سمر وحازم، وشعرتُ بقرف وشمئزاز من نفسي ومن هذا الرجل الذي بعتُ لأجله عائلتي.
جمعتُ ما تبقى لي من قوة، وقلت له بصوت جامد كالحديد:
«أمي بين الحياة والموت في العناية المركزة يا أشرف.. وأنت كل اللي فارق معاك الفلوس والشقة؟».
رد أشرف ببرود واستخفاف:
«يعني إيه؟ تموت ولا تعيش دي أعمار، إحنا بنتكلم في حقوقنا! اخلصي يا منى، هتجيبي حقنا ولا أقفل الملف ده وأعرف أنا بتصرف إزاي معاكِ؟».
أغمضتُ عينيّ، وأخذتُ نفسًا عميقًا، ثم صرختُ في الهاتف بصوت هز ممر المستشفى كله:
«حقك؟! أنت ما لكش أي حق، لا عندي ولا عند أهلي! أنت بني آدم مريض وطماع، وأنا اللي كنت غبية لما سمعت كلامك وبعت أمي عشانك! أنت طالق يا أشرف.. أقصد أنا مش هعيش معاك ثانية واحدة تانية! ابعت لي ورقتي، لأنك ما تلزمنيش، ولا يشرفني أكون زوجة لواحد معندوش دين ولا أصل!».
أغلقتُ الخط في وجهه وحظرته فورًا، وألقيت الهاتف على الأرض ليتشظى إلى أجزاء.
نظر إليّ حازم وسمر بذهول لم أعهده منهما. اقتربتُ من سمر وجلستُ تحت قدميها على أرضية المستشفى الباردة، وأنا أستغفر الله وأدعو بقلب يحترق.
وفجأة.. خُرِج الطبيب من غرفة العناية المركزة، وهو ينزع كمامته ووجهه يحمل تعابير ثقيلة لا تبشر بالخير.
ركضنا جميعًا نحوه، وسألته سمر وهي تتشبث برداء الطبيب:
«طمنا يا دكتور! أمي عاملة إيه؟ بالله عليك قول إنها كويسة!».
نظر إلينا الطبيب بتردد، وقال بنبرة هادئة ومقلقة في آن واحد:
«إحنا قدرنا نرجع النبض بالعافية بعد صدمات كهربائية.. لكن الحاصل أزمة قلبية حادة مع توقف جزئي في وظائف المخ نتيجة نقص الأكسجين.. أصلها صدمة نفسية شديدة جدًا على جسمها الضعيف. أمكم دلوقتي على أجهزة التنفس الصناعي.. والـ 24 ساعة الجايين هما اللي هيحددوا: إما تعدي المعجزة.. أو نودعها فورًا».
نزلت الكلمات عليّ كالصاعقة. نظرتُ إلى الشباك الزجاجي لغرفة العناية، ورأيتُ أمي محاطة بالأنابيب والأجهزة، وجسدها الهزيل يرتفع وينخفض بفعل الآلات.
أدركتُ حينها أن المحاكمة الحقيقية قد بدأت.. وأن الساعات القادمة ستحدد ما إذا كنتُ سأحصل على فرصة أخيرة لتسألني أمي وأستسمحها.. أم أنني سأحمل وزر قتْلها بيدي وأعيش باقي عمري مطرودة من رحمة الله ووالدتي.
مرّت الساعات الأربع والعشرون وكأنها دهرٌ كامل. كنتُ أقف أمام زجاج غرفة العناية المركزة لا أتحرك، لا أذوق طعامًا ولا أغمض عينًا. كان صوت أجهزة القياس المنتظم ينبض في رأسي مع كل دقة قلب، وكل شهيق تناد بيه الآلات جثة أمي الهزيلة كان يقطع جزءًا من روحي.
كانت سمر تجلس على أحد المقاعد القريبة، واضعة رأسها بين يديها وتبكي في صمت، بينما حازم يتردد بين الأطباء ويستفسر عن كل صغيرة وكبيرة، يوفر كل الدعم ويشتري كل المستلزمات دون أن يرف له جفن، يثبت لي في كل لحظة معنى “الابن السند” الذي لم أكنه يومًا.
وفي تمام الساعة الثالثة فجرًا، أضاء جرس إنذار في غرفة العناية، ودخل الطبيب ومعه أخصائي القلب يركضان. اضطرب المكان، وجف الدماء في عروقنا جميعًا. وقفتُ ألتصق بالزجاج وأنا ألهث، أدمعي تسيل على خدّي بلا توقف، وأدعو بدعاء واحد يتردد في صدري: «يا رب لا تأخذها وهي غاضبة عني.. يا رب أعطني فرصة واحدة، بس فرصة واحدة أخيرة».
خرج الطبيب بعد نصف ساعة أرهقتها المحاولات، ونزع كمامته وابتسامة خفيفة تعلو وجهه التعبان. قال بنبرة أزاحت جبلًا عن صدورنا:
«المعجزة حصلت.. الاستجابة بدأت والأجهزة اترفعت جزئيًا، النبض استقر، وهي دلوقتي فتحت عينيها وبدأت تستوعب اللي حواليها. بس ممنوع أي انفعال أو ضغط نفسي تمامًا».
سقطتُ على الأرض ساجدة لله، أقبل بلاط المستشفى البارد وأنا أنشج بالبكاء.
سمح الطبيب لسمر بالدخول أولًا. دخلت سمر وقبلت رأسها وأيديها، ورأيتُ من خلف الزجاج أمي تبتسم لها ابتسامة ضعيفة، وتسألها بصوت خفيض لم أسمعه، لكنني رأيت حركة شفتيها وهي تبحث بعينيها عن شيء ما.
خرجت سمر، ونظرت إليّ بنظرة خالية من القسوة القديمة، ونظرت إلى حازم الذي هز رأسه لها بالاستحسان. اقتربت سمر مني، وقالت بصوت هادئ:
«ادخلي يا منى.. أمي بتسأل عليكِ».
تسمرتُ في مكاني، وشعرتُ بركبتيّ لا تحملانني. أخذتُ نفسًا عميقًا ودخلتُ الغرفة بخطوات أثقل من الجبال. كان طنين الأجهزة يعبئ الفضاء، وكانت أمي ترقد شاحبة الوجه، تلتف حولها الأنابيب.
اقتربتُ من السرير، وجثوتُ على ركبتيّ بجوارها. لم أجرؤ على النظر في عينيها. أخذتُ يدها المرتجفة الباردة ووضعتها على وجهي، وبدأت أقبّلها بكاءً ونحيبًا:
«سامحيني يا أمي.. والله العظيم مظلومة من طمعي ومن زوجي ومن الشيطان اللي دخل بيننا. أنا رميت كل حاجة ورميت أشرف وطلبت طلاقي منه.. ما يلزمنيش أي مليم في الدنيا، ولا تلزمني شقة ولا معاش ولا أي حاجة، أنا بس عايزاكِ تسامحيني وما تموتيش وأنتِ زعلانة مني».
ظلت أمي صامتة للحظات ثقيلة. ثم شعرتُ بأصابعها الضعيفة تتحرك على شعري، تمسد عليه برفق ومحبة الأم التي لا تتغير مهما قست عليها الأيام.
رفعتُ رأسي ونظرتُ في عينيها، فوجدتُ دمعة دافئة تنزلق على خدها. قالت بصوت متقطع وبحيود ضعيف:
«يا بنتي.. أنا ما بكرهكيش، الأم عمرها ما تكره ضناها.. بس زعلت إنك بعتيني بالرخص عشان مال وعشان راجل ما يصونكيش. أنا كتبت الشقة لسمر لأن سمر شالتني يوم ما أنتِ قفلتي بابك، وحازم كان ليّ ابن مش زوج بنت.. بس أنتِ بنتي يا منى، وحقك عليّ إني أسامحك عشان ترتاحي وربنا يهديكِ».
احتضنتُ يدها ووضعتها على رأسي وأنا أبكي بصوت هز أركان الغرفة. كان هذا العفو هو الأكسجين الحقيقي الذي أتاح لقلبي أن يتنفس من جديد.




