
دخلت أنا وحفيدتي جوة صندوق العربية النقل، وسط كومة من كراتين البضاعة الكبيرة. قلبى كان بيدق بعنف، وكل نفس كنت باخده بحاول أمنعه عشان ميطلعش صوت يلفت انتباه حد. ضميت البنت لحضنى أكتر، وبقت تحط إيدها الصغيرة على بوقها من الخوف وهى باصة لى بعيون كلها أسئلة مش قادرة تسألها.
بعد دقايق معدودة، حسيت بمحرك العربية بيدور، وبدأت تتحرك ببطء.
مرت أكتر من ساعة وإحنا جوة الظلام والحرارة والريحة المكتومة، لحد ما حسيت إن العربية وقفت. سمعت صوت خطوات برة وكلام بصوت عالٍ… ده كان كمين أمنى على طريق خارج المحافظة.
قلبى وقع فى رجليا، وقولت خلاص، اتقبض علينا وهنوصل لفؤاد السويدي. سمعت عسكري بيكلم السواق ويقوله:
— رايح فين بالبضاعة دي وإيه اللى معك ورا؟
رد المعلم صابر بصوت ثابت وجريء ما حسيتش إنه بيمثله:
— يا باشا دى بضاعة أقمشة رايحة للمصانع فى الإسماعيلية، ومعايا فواتيرى كاملة، اتفضل بص بنفسك.
القلب كان هيقف من الرعب… حسيت بحركة خفيفة برة الصندوق، كأن حد بيفتح الباب الخلفي للعربية!
حفيدتي دموعها نزلت بصمت، وشدت على هدومي بقوة. غمضت عيني وقعدت أستغفر ربنا بقلب مكسور.
وفجأة… سمعنا صوت العسكري بيقول للسواق:
— تمام، الطريق سالك، توكل على الله. اعدي.
سمعت صوت قفل الباب بيتضرِب، والعربية اتحركت تانى وسرعتها زادت. أخدت نفس عميق حسيت بيه إني كنت ميتة ورجعت للحياة.
بعد تلات ساعات متواصلة من السفر والطريق الطويل، العربية هدت سرعتها ووقفت فى مكان هادئ جداً. باب الصندوق اتفتح، وظهر وش المعلم صابر وهو بيقول بهمس وطمأنينة:
— الحمد لله يا حاجة عدينَا الكمين على خير. انزلوا بالراحة، إحنا وصلنا للمكان اللى رأفت وصاني عليه.
نزلت من العربية وأنا مش قادرة أوقف رجليا من التعب. بصيت حواليا لقيتنا قدام مزرعة قديمة وسط أشجار مانجو عالية وبعيدة عن العمران، وفى بيتها الريفى البسيط كان فيه نور خفيف بينور من الشباك.
المعلم صابر دخلنا جوة، ولقينا فى استنترنا ست عجيبة طيبة الملامح بتجرى علينا وبتستقبلنا بحضن دافئ وكأنها تعرفنا من سنين. قالت وهى بتمسح دمعة من عينها:
— أهلاً بيكم يا ولاد… رأفت بلغني بكل حاجة، اعتبروا نفسكم فى بيتكم ومحدش يقدر يوصلكم هنا أبدًا.
قعدت على كرسي خشب وطلعت الظرف المهم من جيب إسدالي، وحطيته قدامي وأنا باصة لحفيدتي اللي نامت على رجلي من التعب والخوف. حسيت إن المعركة لسه مبدأتش، وإن دي مجرد بداية الحرب عشان نرجع حق ابني وحق الطفلة البريئة دي، بس للمرة الأولى من سنين حسيت بنور أمل حقيقي بيشق ظلام حياتنا.
قعدت في المزرعة الهادية دي تلات أيام، كأنهم تلات سنين من كتر القلق والتفكير. الطفلة كانت نامت في الأوضة التانية بعمق، تعب السنين وخوف الهروب هدهمها، وكل ما كنت أبص عليها وهي نايمة، كان قلبي يتقبض من خوف إني أفقدها أو يحصلها حاجة. المعلم صابر والست الطيبة اللي استقبلتنا مكنوش بيسيبونا لوحدنا، وكل شوية يجيبولنا أكل وشرب ويحاولوا يطمنونا، بس الخوف كان قاعد جوه صدري زي الجمر.
في اليوم الرابع، وبالليل متأخر، سمعنا صوت عربية بتقف برة المزرعة بالراحة من غير ما تدور أنوار عالية.
قلبي نط في زوري، وجريت على شباك الأوضة أبص بحذر، وأنا ماسكة العصاية اللي كانت في البيت القديم.
لقيت باب العربية بيتفتح، ونزل منه شخص طويل، بيمشي بعرج خفيف وماسك دراعه الشمال برباط طبي…
ده رأفت!
جريت على الباب وفتحته بسرعة، ولقيته قدامي ووشه عليه آثار تعب وإصابات قديمة، بس عينه كانت بتلمع بالأمل. الست الطيبة والمعلم صابر جريوا عليه يساعدوه يدخل.
قلت بصوت متهدج والدموع في عيني:
— رأفت! إنت جيت إزاي؟! وإيه اللي حصل في مصر؟!
قعد على الكرسي وهو بياخد نفسه بصعوبة وقال:
— أنا هربت منهم بالعافية يا حاجة، ورجالة فؤاد السويدي قلبوا الدنيا علينا، بس أنا قدرت أسبقهم بخطوة… وجبت المفتاح اللي هيخلص كل الكابوس ده.
طلع من جيبه فلاشه صغيرة وورقة رسمية عليها أختام حكومية كُبرى، وحطها على الترابيزة وقال بصوت حاسم:
— الورقة دي والفلاشه فيهم كل المستندات الأصلية وتسجيلات صوتية بخط إيد وصوت مراد السويدي الله يرحمه، بيعترف فيها بكل أملاكه وبيأكد إن حفيدة لبنى هي الوارث الوحيد لكل حاجة، وفيهم كمان أدلة قاطعة تثبت تورط فؤاد في تدبير الحادثة اللي مات فيها ابنك ولبنى. الملف ده لو راح للنائب العام، فؤاد السويدي هيتقبض عليه في ثانية وكل ثروته هتتحجز.
بصيت للورقة وبعدين لرأفت وقلت بخوف:
— طب واستنينا إيه؟! مستنيين إيه عشان نروح للنائب العام؟!
رأفت هز راسه بابتسامة متعبة وقال:
— مستنيين الوقت المناسب… وفؤاد السويدي بنفسه هو اللي هيسهل لنا الطريق. هو دلوقتي بيدور علينا في كل حتة وجنون السيطرة عماه، وعامل مؤتمر صحفي كبير بكرة الصبح في قصر السويدي عشان يعلن نفسه رئيس لمجلس الإدارة وينفرد بالثروة كلها. وهناك… وسط الصحافة وكل رجال الأعمال والجهات الرسمية، هنظهر احنا!
تاني يوم الصبح، الساعة كانت عشرة صباحاً، قدام القصر الضخم والفخم الخاص بعيلة السويدي.
العالم كله كان هناك؛ كاميرات التليفزيون، الصحفيين، ورجال الأعمال الكبار اللي جايين يشهدوا تنصيب “فؤاد السويدي” على عرش الإمبراطورية الضخمة. القصر كان مليان بحراسة مشددة، وفؤاد كان واقف على المسرح باين عليه الغرور والانتصار، وماسك المايك وبدأ يتكلم بصوت عالي وثقة:
— أهلاً بالجميع… اليوم بنطوي صفحة الماضي، وبنبدأ عهد جديد لشركات ومصانع السويدي، تحت إدارتي الكاملة…
وقبل ما يكمل الجملة، انفتح باب القصر الكبير بعنف وبصوت قوي!
الكل التفت برعب وبص ناحية الباب. مشى “رأفت” بخطوات ثابتة وثقة كبيرة، وكان ماسك بإيدي الشمال، وإيدي اليمين ماسكة حفيدتي الصغيرة اللي كانت لابسة فستان بسيط وجميل، وورايا المعلم صابر والشرطة القضائية ورجال النيابة العامة اللي دخلوا ملايين المكان في ثانية واحدة!
فؤاد السويدي اتخطف لونه، واتسمر مكانه على المسرح وعينه اتفتحت على الآخر من الصدمة وكأنه بيشوف شبح. صرخ بصوت مهزوز:
— إيه اللى جاب الناس دي هنا؟! اطردهم برة فوراً يا حراسة!
لكن رئيس قوة الشرطة طلع ورقة رسمية وقدام كل الكاميرات والعدسات صاح بصوت عالي:
— أمر ضبط وإحضار لفؤاد السويدي بتهمة تدبير حوادث قتل، وتزوير أوراق رسمية، والاستيلاء على أموال قاصر!
الصحفيين اتجننوا، والكاميرات بقت تصورنا بإلحاح، وفلاشات الكاميرات بقت تضرب في كل مكان. فؤاد حاول يهرب ويسيب المسرح، بس الحراسة وقفت في وشّه، والكلبشات كانت في إيده في أقل من ثانية، وهو بيصرخ بغضب وجنون.
رأفت بص لي وبابتسامة واسعة قال:
— تقدري تقولي كلمتك يا حاجة، قدام مصر كلها.
قربت من المايك، وبصيت للكاميرات وللناس، وحسيت إن روح ابني وجوزي الحبيب بيرفرفوا فوقنا وبيبتسموا. نزلت دمعة فرحة من عيني، ووطيت على حفيدتي اللي رفعت راسها بكل ثقة، وقارنت بين إمبارح والنهارده… وقلت بصوت قوي هز أركان القصر:
— الحكاية مش حكاية فلوس ولا خاتم ألماظ… الحكاية إن الحق دايماً بيكسب، وإن الأمانة والطيبة هما اللي بينقذونا في الآخر. بنتي الصغيرة دي… حفيدة مراد السويدي وابن الغالي، رجعت حقها، وهتعيش مرفوعة الراس زي ما تستحق.
الصحفيين ضجوا بالتصفيق الحاد، والناس حوالينا بقت تبارك لنا.
بعد أسابيع قليلة، رجعنا لبيتنا القديم، بس هالمره مش علشان نختار بين العلاج والجزمة المقطوعة، لأن الدنيا فتحت أبوابها بالخير والعدل. رممنا سقف البيت، وعشنا في أمان وسلام.
وفهمت وقتها إن الخاتم اللي حفيدتي رفضت تاخده، ماكنش مجرد كنز ضايع… ده كان المفتاح اللي ربنا سبحانه وتعالى بعته لينا عشان يفتح بيبان النور ويرد لنا كل حاجة ضاعت منا.




