عام

حكايات اسما 2

الصوت برة كان أشبه بساحة ؛ أبواب العربيات اتفتحت واتقفلت بعنف، وصوت خطوات سريعة وغاضبة ملا الشارع الصغير. الراجل اللي كان قاعد قدامنا  وشه، ولونه بقى أصفر كالميت. نط من مكانه بسرعة غير طبيعية، وجري قفل باب البيت القديم بالمفتاح والترباس بكل قوته، وبص لي وعينيه مليانة رعب حقيقي:

— وصلوا! إزاي عرفوا مكاننا بالسرعة دي؟! لو دخلوا هنا، مش هيسيبوا حد فينا عايش!

الطفلة الصغيرة صرخت من الخوف وجريت استبت في حضني، وهي بتترعش زي الورقة في الريح. ضميتها لصدري بكل قوتي، وقلبي كان بيضرب كأنه هيطلع من مكانه. بصيت للراجل وقلت بصوت متهدج، والدموع مالية عيني:

— إيه اللي بيحصل برة ده يا ابني؟! ومين دول اللي جايين يهجموا على بيتي؟!

قال وهو بيبص حواليه في الأوضة بيدور על مخرج تاني:

— دول رجالة “فؤاد السويدي”، عم لبنى الله يرحمها! عمه الشراني اللي كان مستني موت مراد السويدي بفارغ الصبر عشان ينهب الثروة كلها، ولما عرف إن مراد كتب كل حاجة باسم الطفلة دي قبل ما يموت، وإنكم ظهرتم في الصورة امبارح بسبب الخاتم… جن جنونه! لو عرف إن الطفلة دي عايشة هنا، هيخلص علينا في ثانية!

في اللحظة دي، جه خبط عنيف جداً ومجنون على باب البيت، وصوت غليظ زعق من برة:

— افتحوا الباب! عارفين إنكم جوة! لو ما فتحتوش حالاً، هنولع البيت باللي فيه!

البيت القديم بدأ يهتز مع خبطهم الوحشي. الحوائط المتهالكة تساقط منها شوية تراب وطوب قديم. حسيت إن خلاص، نهايتنا جت هنا، في نفس المكان اللي قضيت فيه أجمل سنين عمري مع جوزي الله يرحمه، هنموت فيه كلنا.

الراجل بص لي وقال بسرعة وجدية، وهو بيطلع مسدس صغير من جيبه:

— اسمعيني كويس يا حاجة… أنا حارس العيلة الأمين، واسمي “رأفت”. عمري ما هسيبكم. في باب سري قديم ورا الدولاب في أوضة النوم جوة، بيطلع على حوش مهجور ورا السكك الحديدية. خدي الطفلة واجري حالاً!

— وأنت؟! أنت هتعمل إيه؟! قلتها وأنا ماسكة في دراعه بخوف.

رد وهو بيبتسم ابتسامة غريبة وبطولية:

— أنا هقف هنا أأمن طريقكم وأشغلهم لحد ما تبعدوا. امسكي الورق ده، ده اللي بيثبت حق الطفلة في الميراث كله، وفي خزنة في البنك المركزي باسمها محدش يقيقدر يفتحها غيرها لما تكبر. يلا يا حاجة، اتحركي حالاً قبل ما يكسروا الباب!

الخبط زاد وانهار جزء من باب البيت الخشبي القديم ودخلت إكسسوارات الترباس تتكسر. حسيت إن الوقت بينفد. مسكت إيد الطفلة الصغيرة بقوة، وعניها كانت بتدمع من الخوف والزعيق اللي برة. دخلنا أوضة النوم بسرعة، ودفعت الدولاب الثقيل بكل عزمي لحد ما اتحرك وظهر ورّاه باب خشبي صغير مغطى بتراب سنين.

فتحته، وطلعنا منه للهواء الطلق والشارع الجانبي الخلفي المظلم. بصيت لآخر مرة على البيت، وسمعت صوت طلقات نار خفيفة جوة، وصوت رأفت بيزعق بصوت عالي بيحاول يدافع عننا.

جريت بالطفلة في الزقاق الضيق وأنا مش شايف قدامي من كتر الدموع، وبقول لنفسي بصوت عالي:

— مش هسيب حقك يا بنتي… هعيش لحد ما أجيب حقك وحق أبوكِ وجدك، وهنرجع ناخد كل شبر ضاع مننا!

الهواء البارد كان بيخبط في وشنا وإحنا بنجري بين الحواري الضيقة والمظلمة ورا السكك الحديدية. صوت دقات قلبي كان عالي لدرجة إني حسيته في ودانِي، وكنت سامعة من بعيد صوت طلقات النار اللي هزت المنطقة، وصوت صراخ بيقطع القلب.

ضميت حفيدتي لصدري أكتر، وبقيت أردد بصوت بيترعش:

— يارب استرنا… يارب نجينا عشان خاطر الطفلة الغلبانة دي.

خرجنا من الزقاق على الشارع العمومي، والحمد لله كانت الشوارع لسه فاضية في الساعة دي من الصبح بدري. لقيت توكتوك واقف على الناصية، جريت عليه وأنا بنهج، وطلعت كل اللي في جيبي من فلوس وقلت للسواق بصوت كله رعب:

— الله استر عرضك… خدنا على موقف السويس حالاً، ومعاك الضعف!

السواق شاف شكلي وشكل البنت، ورعشتنا وخوفنا، اتحرك بسرعة ودوّر الموتوسيكل من غير ما يسأل سؤال واحد. طول الطريق وأنا باصة ورايا من مراية التوكتوك، خايفة لا تكون عربية سودا من بتوعهم ماشية ورايا. كنت ماسكة بإيدي التانية الظرف اللي فيه الأوراق والمستندات، وكأن الظرف ده بقى روحي وحياة الطفلة اللي قاعدة جنبِي ماسكة في هدومي وبتعيط بصوت هادئ.

وصلنا موقف السويس، ونزلت وأنا مش عارفة رايحة فين ولا هقعد فين. هل أرجع لبيت أختي القديم في البلد التانية؟ ولا أستخبى عند حد من جيراني الأقرباء؟ بس خفت أجيب الأذية لأي حد أعرفه، لأن رجالة فؤاد السويدي مش هيسيبوا حد يساعدنا.

قعدنا على دكة خشب قديمة جوة المحطة، وكنت بتمتم بالدعاء لحد ما الشمس طلعت بالكامل ونور النهار كشف الخوف اللي في عيون الناس. وفجأة، لقيت تليفون قديم في إيدي بيرن بصوت عالي مفاجئ!

طلعت الموبايل من جيب إسدالي برعشة، وبصيت على الشاشة. رقم غريب، مفيش عليه اسم. قلبي اتقبض، وخفت أرد، بس رجعت وفتحت الخط وحطيت التليفون على ودني وأنا ببلع ريقي بصعوبة:

— ألو… مين؟

جه صوت من الناحية التانية، صوت مألوف بس كان متهدج وتعبان أوي:

— يا حاجة… سامعاني؟ أنا رأفت.

دموعي نزلت بغزارة وصدمة ملات قلبي:

— رأفت؟! إنت عايش؟! إنت فين؟! الصوت ده طلقات النار كانت ماليّة المكان! إنت كويس؟!

قال بصوت واطي وصعب كأنه بيتكلم بجهد:

— أنا أصيبت في دراعي، بس هربت منهم في اللحظة الأخيرة قبل ما يولعوا في البيت. اسمعيني كويس يا حاجة، والوقت ضيق أوي؛ رجالة فؤاد بيراقبوا كل محطات القطر والمواصلات الرئيسية، وعارفين إنكم هتهربوا. أوعي تركبي أي قطر أو عربية أجرة رايحة لأي مكان معروف. في عربية نقل قديمة واقفة عند ورشة المعلم صابر ورا محطة القطر، السواق راجل أمين وابن حلال وكنت مساعدة زمان، كلميه باسمي، وهو هيخبيكم في صندوق العربية ويطلع بيكم على مكان آمن تماماً، محدش يقدر يوصلكم فيه أبدًا!

قبل ما ألحق أسأله إيه هو المكان ده، سمعت صوت صراخ في التليفون وصوت ناس بتقرب منه، وبعدها قال بسرعة:

— اقفلي! اقفلي حالاً ولا تكلميني تاني على الخط ده! ربنا يحفظكم يا حاجة، أوامانة في رقبتك… بنت مراد السويدي هي اللي هتاخد حق أبوها وحق ابني!

وتقطِع الخط.

فضلت باصة للتليفون وهو فاصل، وصوت زعيق رأفت في آخر المكالمة بيرن في دماغي. مسكت إيد الطفلة وقمت وأنا باصة حواليا بحذر شديد، وخافية وشي بإسدالي كويس. مشينا لحد ما وصلنا لورا محطة القطر، ودخلنا بين الورش القديمة لحد ما لقينا ورشة المعلم صابر، وقدامها عربية نقل قديمة محملة بضاعة.

قربت من السواق وقلت بصوت واطي وبيرتجف:

— أنا مبعوتة من طرف رأفت…

السواق أول ما سمع اسم رأفت، وشحنت عينه بالخوف والقلق، وبص حواليه بسرعة، وبعدين أشر لنا بعينه على ورا العربية وقال بصوت حاسم:

— بسرعة… ادخلوا اتخبوا جوة الكراتين دي، ومن غير صوت لحد ما نعدي الكمين اللي على أول الطريق!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى