
انقبضت القلوب في الصالة، وساد صمت ثقيل مرعب بعد الكلمات اللي نطق بيها سامح. كانت ملامحه الشاحبة وعيونه المذعورة كفيلة بأنها تنقل الخوف لكل واحد قاعد على السفرة. سمر، اللي تخيلنا جميعاً إن القضاء كفيلين بكسر شرها وإبعادها عن حياتنا، عادت من جديد زي كابوس يطارد الاستقرار اللي تعبنا عشان نبنيه.
خالد وقف في نص الصالة، وشده التوتر وهو بيسأل أخوه بصوت حاد:
-
6 سنين حكايات رومانى مكرم 2منذ 12 ساعة
-
6 سنين حكايات رومانى مكرم 1منذ 13 ساعة
-
حكايات زهره الربيع 2منذ 18 ساعة
-
حكايات زهره الربيع 1منذ 18 ساعة
— «خرجت إزاي بكفالة؟! ومين الناس الخطر اللي جاية معاهم؟! نططق يا سامح فهمنا فيه إيه بالضبط!»
سامح قعد على أقرب كرسي وهو بينهج، ودماغه بين إيديه، وقال بنبرة مليانة ندامة وخزي:
— «أهلها.. محامي أهلها استغل ثغرة في إجراءات الضبط وشهادة الاستجواد، وقدر يطلعها بكفالة مالية كبيرة على ذمة المحاكمة لحين ورود تقرير الطب الشرعي النهائي. بس هي ما رجعتش لبيت أهلها يا خالد.. سمر اتواصلت مع ناس بلطجية ومسجلين خطر من منطقة عيلتها القديمة، أوهمتهم إن البيت ده فيه أوراق ومبالغ مالية ضخمة مسروقة منها ومن حقها، وأنها جاية تاخد حقها بالقوة وبسلاحهم قبل ما المحكمة تنطق بحكمها النهائي وترجع السجن تاني!»
حماتي صرخت ولطمت على خدودها وهي بتترعش:
— «يا مري!! البت دي اتجننت رسمياً! دي عايشة في غل وهييجي يوم وتقتلنا كلنا!! نعمل إيه يا حاج؟! نطفي النور ونقفل الأبواب ولا نكلم الشرطة؟!»
حمايا قام من مكانه بصلابة رغم كبر سنه، ونظر للكل بنظرة حازمة وقال:
— «محدش يترعش ولا يخاف في بيتي! الشرطة لازم تتبلغ فوراً، بس قبل ما يوصلوا لازم نأمن البيت ونقفل البوابة الحديد الرئيسية بتاعة العمارة تحت. محمود وخالد وسامح.. انزلوا معايا نربط البوابة بالسلاسل ونقفل أقفال المحلات.. وأنتِ يا هالة أنتِ وأميرة وعايدة ارفعوا السماعة واطلبوا شرطة النجدة فوراً وادخلوا الأوض الشبه جوانية وبلاش حد يقف جنب الشبابيك!»
بالفعل، البيت تحول لثكنة عسكرية في ثواني. جريت أنا وأميرة وعايدة على التليفون، وبتواصل سريع اتصلنا بالنجدة وبلغناهم إن فيه تهديد باقتحام مسلح ومسجلين خطر متجهين للعنوان. الصوت كان بيترعش في التليفون، بس الظابط على الطرف التاني أكد إن أقرب دورية نجدة متجهة للمكان في أسرع وقت.
تحت في مدخل العمارة، كان حمايا وولاده بيحاولوا يقفلوا الجنزير التقيل على البوابة الحديد، بس قبل ما القفل يتقفل، سمعنا صوت صريخ ودبة عربيات نقل صغيرة ومركبات توكتوك بتهجم على الحارة!
من شباك الصالة الموارب من فوق، بصيت بزهول ورعب.. شفت سمر واقفة في نص الشارع، هدومها سودا، وعيونها جاحظة بشر أعمى مالوش مثيل، ووراها يجي سبع أو ثمان رجالة شايلين شوم وأسلحة بيضا وضاغطين على الحارة بصوتهم العالي وتهديداتهم!
سمر كانت بتصرخ بصوت هيستيري يزلزل الشارع:
— «اطلعوا يا طلبة! اطلع يا حاج عوض الله أنت وولادك! افتحوا الباب بدل ما نحرق العمارة باللي فيها! الورق والعقود والفلوس اللي في الخزنة حقي وحق سنيني اللي ضاعت في خدمتكم يا أشرار!»
حمايا وقف ورا البوابة الحديد المتقفلة بالصاج، وزعق فيها بصوت هز الشارع كله:
— «اخسي يا خائنة يا مريضة! أنتِ مالكيش حاجة عندنا غير اللي هترجعي له ورجلك فوق رقبتك! امشي من هنا قبل ما الشرطة تيجي وتاخدك أنتِ والأوباش اللي جايباهم معاكي!»
واحد من البلطجية اللي معاها قرب من البوابة وسحب شومة ضخمة وبدأ على الحديد بقوة وهدد بصوت غليظ:
— «افتح يا راجل يا عجوز بدل ما نكسر الباب ونولع في المحلات تحت! الست دي ليها حق وأحنا جايين ناخد حقها كاش!»
الوضع كان بيتطور بسرعة مرعبة، والجيران في الشارع بدأوا يقفلوا الشبابيك والبلكونات من الخوف، لأن المجموعة اللي سمر جابتها كانت واضحة إنها مش هترتدع بسهولة. محمود وخالد مسكوا العتر والمشاحم عشان يدافعوا عن البوابة لو انكسرت، وحمايا كان واقف بصلابة يدافع عن بيته ولاده.
وفجأة، وأحد البلطجية بيحاول يكسر قفل البوابة الرئيسي بقطاعة حديد كبيرة، سمعنا صوت سرينات الشرطة وهي بتشق الحارة من البعيد! الأضواء الحمرا والزرقا بدأت تعكس على جدران البيوت، وصوت عربيات الدورية كان بيقرب بسرعة فائقة!
سمر اتخضت ولفت رأسها برعب، والبلطجية اللي معاها بدأوا يتراجعوا للوراء ويتشاجروا معاها:
— «أنتِ مش قلتي إن الشرطة مش هتعرف حاجة؟! الشرطة هنا يا روح أمك!»
حاولت سمر تجري وتستخبى في زقاق جانبي لما شافت البوكسات بتطوق مدخل الحارة، بس القوات جرت وراهم بسرعة وضربوا طلقات تحذيرية في الهواء جمدت الكل في مكانهم. في دقائق معدودة، كان الضباط وأفراد الشرطة مكلبشين البلطجية وسمر في نص الشارع!
الظابط طلع فوق ونزل حمايا وخالد وسامح عشان يقدموا أجزاء من تسجيلات الكاميرات والبلاغ الجديد بتهمة التهجم والتجمهر ومحاولة الاقتحام بأسلحة بيضاء.
سمر وهي بتتجر على عربية الشرطة ومكلبشة، بصت لفوق لشباك الصالة اللي كنت واقفة فيه أنا وأميرة.. بصتلي بنظرة غل وألم وأخير استسلام، وعرفت إن المرة دي مفيش كفالة ولا ثغرة قانونية هتنقذها من عقوبة السجن المشدد اللي يستحقها جرمها.
عدت ليلة من أصعب الليالي على بيت العيلة، بس لما طلعت شمس اليوم التالي، كان فيه شعور غريب بالأمان والسلام نزل على البيت كله. لأول مرة من شهور طويلة، نحس إن الكابوس انتهى بجد، وأن الشائعات والغل والتسمم والتهم الباطلة راحت بلا رجعة.
اجتمعنا كلنا في شقة حماتي تحت، وحمايا بص للجميع وقال بابتسامة حنونة فيها راحة البال:
— «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. بيتنا نضف من الشر، وكل واحد عرف قيمته وقيمة أهله. والنهاردة، عشان نقفل الصفحة القديمة دي خالص ونبدأ حياة جديدة، أنا عندي ليكم خبر جديد ومفاجأة سارة جداً..»
كلنا بصلنا بفضول، وخالد مسك إيدي بابتسامة، وحمايا كمل كلامه وهو بيبصلي أنا وخالد بالذات:
— «أنا قررت أكتب أوراق المحل الجديد وقطع الأرض الثمانية كلها بإعادة توزيع نفعي يضمن حق كل واحد من ولادي، وبناءً على طلب هالة بنفسها، هنعمل مشروع خير كبير باسم العيلة يخدم الفقراء في منطقتنا.. بس المفاجأة الكبيرة مش دي.. المفاجأة إن الدكتورة كلمتني الصبح وقالت لي نتيجة التحاليل بتاعة هالة اللي عملتها الأسبوع اللي فات!»
خالد بصلي بذهول وقال:
— «تحاليل إيه يا بابا؟! هالة تعبانة ولا إيه؟!»
حمايا ضحك من قلبه وقال بصوت مبهج:
— «لا يا سيدي، هالة مش تعبانة.. هالة حامل، والبيت ده هيستقبل أول حفيد للورثة الجداد بعد كام شهر!»
الفرحة ملأت المكان، والصراخ بالزغاريد من حماتي وعايدة وأميرة غطى على أي أثر للحزن القديم. خالد حضنني بحب وفخر، وأنا حسيت إن كل الوجع والتهم والظلم اللي مريت بيه في بداية جووزي، كان مجرد اختبار صلب عشان يحميني ويبنيلي مكانة غالية في قلب العيلة دي.
لكن، رغم الفرحة دي كلها والأجواء المبهجة.. وبعد مرور شهرين كاملين، وفي هدوء الليل، وأنا قاعدة في شقتي فوق وبقرأ كتاب.. سمعت صوت جرس الباب بيرن رن خفيف ومتواصل في ساعة متأخرة جداً من الليل..
ولما قربت وبصيت من العين السحرية.. شفت واحدة ست لافة وجهها بطرحة سودا، ودفعة جواب أبيض مغلف من تحت الفتحة السفلية للباب، وجريت على السلم بسرعة!
فتحت الباب بالراحة، وسحبت الجواب المكتوب عليه بخط إيد غريب ومشفر:
(إلى هالة.. لا تفرحي كثيراً بالطفل الذي في بطنك، فالحقيقة التي يخفيها عليكِ خالد وحماكِ عن أصل هذه العيلة أشد خطراً من سمر!)
وقفت مكان بباب ، والجواب الأبيض في إيدي بيترعش، والكلمات المكتوبة بخط مشوه ومبتور بتتعاد في دماغي زي الصدى: (لا تفرحي كثيراً بالطفل الذي في بطنك، فالحقيقة التي يخفيها عليكِ خالد وحماكِ عن أصل هذه العيلة أشد خطراً من سمر!)
جسمي كله اتجمد، والبرودة سرت في أطرافي رغم حرارة الجو. بصيت ناحية السلم اللي اختفت فيه الست المفزوعة، ما كانش فيه غير صوت هواء خفيف بيلف في الممر. دخلت وقفلّت الباب بالضبة والمفتاح، مشيت بالراحة لحد أريكة الصالة وقعدت، ماسكة بطني بإيد، وبالإيد الثانية ضاغطة على الجواب اللي كان زي الجمرة المسكوبة في كفي.
يقصدوا إيه بـ “أصل العيلة”؟ وإيه السر اللي ممكن يكون يخفيه خالد وحماه، بعد كل اللي مرينا بيه؟ بعد العقود، والورث، وأرض أبويا، وقضية سمر، وأميرة المظلومة، والدموع اللي اتسالت؟ هو فيه سر ثاني لسه مستخبي تحت بلاط البيت ده؟
سمعت خطوات خالد نازلة على السلم الداخلي لشقتنا فوق، جاي من أوضة النوم وهو بيمسح عينيه من النوم:
— «هالة؟ أنتِ لسه صاحية يا حبيبتي؟ كنتِ بتتكلمي مع مين عند الباب؟»
بسرعة وبدون ما أفكر، طبقت الجواب ودخلته تحت مخدة الكنبة، ولفت وشي له وأنا بحاول أبتسم ابتسامة باهتة ومضروبة:
— «لا يا خالد.. ده.. ده كان جرس الباب رن وغلطة من حد من الجيران، نزلت أشوف مفيش حاجة.. ادخل كمل نومك أنت.»
خالد قرب مني ودقق في وشي الحزين والأصفر، وقعد جنبي ومسك إيدي المتلجة:





