
— «مالك يا هالة؟ أنتِ بتترعشي كده ليه؟ فيه حاجة تعباكي ولا الحمل مأثر عليكِ؟ تحبي نطلع للمستشفى دلوقتي؟»
نظرة خالد كانت مليانة خوف صادق واهتمام، نظرة راجل وقف جنبي قدام أخته وسلايفه، ونصرني لما الكل شك فيا. عقلي كان بيتصارع: هل أطلعه على الجواب وأسأله فوراً؟ ولا أستنى وأعرف مين الست دي وأصل الحكاية من غير ما أعمل حريقة جديدة في البيت اللي يادوب بدأ يرتاح؟
-
حكاية فرح وزياد الجزء 2منذ 10 ساعات
-
حكاية فرح وزياد الجزء 1منذ 10 ساعات
-
زوجي مسافر حكايات رومانى مكرم 3منذ 16 ساعة
-
زوجي مسافر حكايات رومانى مكرم 2منذ 16 ساعة
قلت له بصوت متقطع:
— «أنا كويسة يا خالد.. بس افتكرت اللي حصل اليومين اللي فاتوا وقلقانة شوية.. روح نام وأنا جاية وراك.»
خالد اقتنع بصعوبة وقام، بس أنا ما جانيش نوم طول الليل. فضلت باصة للسقف، وعيني كل شوية تروح للمخدة اللي تحتها الجواب. ولما أشرقت شمس الصبح، ونزل خالد شغله، سحبت الجواب ونزلت بيه لشقة حماتي تحت.
كانت حماتي وحمايا قاعدين في الصالة بيشربوا الشاي، وحمايا بيفرز جرايد الصبح. دخلت عليهم ووشي باين عليه التعب، ولما حمايا شافني، قام بسرعة وقالي:
— «صباح الخير يا هالة يا بنتي.. مالك؟ وشك كئيب كده ليه الصبح؟ الحفيد الغالي عامل فيكي إيه؟»
ما نطقتش بكلمة.. سحبت الجواب من جيبي وحطيته على الترابيزة قدام حمايا وحماتي.
حمايا بص للجواب باستغراب، وسحبه وفتحه وقرأ الكلمات المكتوبة فيه. شفت ملامحه بتتغير في ثواني؛ النظرة الحنونة الطيبة اختفت، وتحولت لملامح وجوم وصدمة ورعب ما شفتوش في عينيه حتى لما سمر هجمت بالبلطجية على العمارة!
حماتي لاحظت التغير وقالت بخرعة:
— «فيه إيه يا حاج؟! الجواب ده فيه إيه؟! وريني كده!»
حمايا قفل الجواب بسرعة وبقوة في إيده، وبصلي بصارمة وعيون زي جمر النار، وقال بصوت واطي ومكتوم بس يقطع النفس:
— «الجواب ده جالك إمتى يا هالة؟ ومين اللي إدالك إياه؟!»
قلت له وأنا برتجف:
— «جالي امبارح بالليل.. ست لافة طرحة سودا رمت الجواب من تحت الباب وجريت.. إيه هو السر يا عمي؟ إيه اللي بتخفوه عليا وعلى خالد؟! ومين العيلة دي بالظبط؟!»
حمايا قام وقف، وبص للشباك المقفول وكتفانه محنية كأنه شايل جبل تقيل، ولفت وشها لحماتي وقالها جملة خلّت حماتي تصرخ وتحط إيدها على فمها بذهول:
— «كان لازم نعرف إن الأيام مش هتسيبنا في حالنا.. السر اللي اندفن من ثلاثين سنة، طلع يطاردنا من جديد يا أم خالد!»
حماتي بدأت تبكي وتقول:
— «لا يا حاج! بلاش نفتح الأبواب المقفولة! هالة دي بنتنا وخالد ابننا، بلاش تخرب البيت بيديك!»
أنا صرخت فيهم بأعلى صوتي والدموع نازلة من عيني:
— «أنتم بتتكلموا عن إيه؟! افهموا!! أنا مش هتحرك من هنا ولا هسكت إلا لما أفهم إيه العلاقة بيني وبين أصل العيلة دي، وليه الجواب بيقول إن خالد وأبوه يخفوا سر عن أصل العيلة أشد من السموم!»
حمايا اتنهد تنهيدة طويلة وموجوعة، وقرب مني، وقعد قدامي مسك إيدي بكسرة وقال:
— «السر يا هالة مش عن الفلوس والأرض اللي كتبناهالك.. السر عنك أنتِ وعن خالد بالذات.. السر إن خالد جوزك.. ما كانش المفروض يكون من العيلة دي أصلاً، وأبوكي الله يرحمه.. هو السبب الحقيقي في القصة دي كلها!»
اتسمرت مكاني والأرض بدأت تدور بيا. الكلام نزل على دماغي زي المطرقة، وبصيت لحمايا بعيون مبرقة ومش قادرة أستوعب الحروف اللي تخرج من فمه. خالد.. جوزي وسندي.. ماله بـ أبويا الله يرحمه؟ وإيه العلاقة السريّة اللي جمعت بين أبويا وعيلة حمايا من أكثر من ثلاثين سنة؟
حماتي كانت قاعدة على الأريكة بتبكي بصلة وصوت مكتوم، تغطي وشها بإيديها، وحمايا ينظر للأرض بكسرة حقيقية، كأن الجواب الخفي ده سحب من جسمه كل القوة والصلابة اللي كان يتظاهر بيها قدام الكل.
قربت من حمايا وصوتي بيترعش من الخوف والذهول:
— «أبويا؟! أبويا الله يرحمه ماله ومال خالد؟! افهم يا عمي أرجوك.. أنت بتقول إيه بالضبط؟!»
حمايا حط إيده على ركبته وبدأ يتكلم بنبرة مليانة ألم ، بصوت هادي طالع من أعماق الماضي:
— «من ثلاثين سنة يا هالة.. أنا وأبوكي الله يرحمه كنا أصحاب عمر وأخوات ما ولدتمش أم واحدة. كنا شغالين مع بعض في التجارة والمقاولات هنا في القليوبية. وفي يوم من الأيام، حصلت حادثة سير بشعة على الطريق الزراعي، عربية أبوكي اتصدمت بنقل تقيل.. أبوكي نجا بفضل ربنا، بس العربية التانية كان فيها عيلة مسافرة، مات الأب والأم في اللحظة، وما نجلش من دي غير طفل صغير عمره شهور..»
بلعت ريق بصعوبة وسألته:
— «الطفل ده.. هو خالد؟!»
حمايا هز رأسه بدموع وقال:
— «أيوه يا هالة.. خالد هو الطفل ده. أبوكي لما شاف الطفل ومأساة العيلة اللي انتهت في ثواني، جالي وهو بيبكي وبيتقطع من الذنب، وقال لي: “يا عوض الله، العيل ده ماليش أي ذنب في الموت اللي حله بعيلته، وأنا مش هسيبه يتربى في ملجأ ولا يتغلب في الدنيا”. أبوكي نسب الطفل ليا أنا وأم خالد، لأننا وقتها كنا متجوزين وبقالنا سنين ربنا ما رزقناش بعيال والأطباء قالوا إن أملنا ضعيف. أنا وأم خالد أخدنا الطفل، وكتبناه باسمي وربيناه كأنه ابننا البكر وسرنا المكتوم ما حدش يعرفه في الدنيا غيري أنا وأبوكي وأم خالد!»
أنا دموعي نزلت بانهيار، وسألته بحشرجة:
— «طب وطالما أبويا هو اللي جابهولكم، وليه الجواب بيقول إن فيه تخفوها عن أصل العيلة؟ وليه خالد بالذات ما يعرفش؟!»
حمايا كمل وهو بيمسح دموعه:
— «لأن العيلة اللي في الحادثة يا بنتي.. ما كانتش عيلة عادية. كانت عيلة كبيرة وناقذة في الصعيد، وكان بينهم وبين عائلات ثانية تار ودم قديم! وقتها، أبوكي وأنا خفنا لو السر اتعرف أو أهله العصب عرفوا بمكانه، يأخدوا الولد ويغرسوه في بحر الدم والتار، أو يتأذى بسببه! علشان كده دفنا السر، وقطعنا كل خيط يربط خالد بأصله الحقيقي وحميناه في بيتنا. وأبوكي الله يرحمه قبل ما يموت، وصاني وقالي: “يا عوض الله، لما تكبر هالة وتتجوز خالد، اكتب الأرض والبيت باسمها هي، عشان تكون دي الأمانة اللي بنرد بيها حقه ونحميهم هما الاثنين بملك حلال”.»
البيت سكت تماماً.. الحقيقة ظهرت بكل وضوح ونقاء. مفيش خيانة، ومفيش سر خبيث زي ما الجواب المسموم كان بيحاول يوهمني.. كان فيه حب، ورحمة، وأمانة اتصانت بين راجلين أوفياء للعهد لأكثر من ثلاثين سنة!
قلت له وأنا ببكي من شدة التأثر:
— «مين بقى الست اللي رمت الجواب يا عمي؟! مين اللي جاية تفتح دلوقتي؟!»
قبل ما حمايا يرد، الباب الخارجي اتفتح ودخل خالد وهو راجع من شغله، وبص لنا واستغرب منظارنا والدموع اللي في عينا..
— «فيه إيه؟! مالكم قاعدين كده ليه؟ فيه ثانية حصلت في البيت ولا إيه؟!»
حمايا قام من مكانه وقرب من خالد، وحط إيده على كتفه بحنان وأبوة لم تتغير لحظة واحدة، وحكى له الحقيقة كلها من بدايتها لحد الجواب..
خالد وقف مذهول، عينيه بتتنقل بين أبوه وأمه وهالة.. الصدمة كانت كبيرة، بس لما شاف الدموع في عين حمايا وحماتي، وشاف الحب الكبير اللي اتربى فيه طول عمره، قرب من حمايا وحضنه بقوة وهو بيترعش ويقول:
— «أنت أبويا يا حاج.. أنت وأمي اللي ربتموني وعشتوا عمركم تحموني.. مش هيغير الحقيقة دي أي ورق ولا أي نسب في الدنيا!»
في اللحظة دي، اتكشفت الست اللي الجواب.. طلعت أخت سمر! كانت بتحاول بشتى الطرق تزرع الشك والخراب في البيت من جديد عشان تظن إنها بتهدم سعادتنا وتأخذ انتقام لأختها المرمية في . بس خطتها الشيطانية انقلبت لعكسها تماماً.. السر اللي كانت فاكراه قنبلة جرس، كان السلسلة اللي جمعت القلوب ببعضها وأكدت لنا إن البيت ده مبني على الحب والأمانة.
مرت الأيام والشهور، وجاه اليوم الموعود..
صوت الزغاريد رجع يملأ البيت من جديد، وحماتي واقفة بتبكي من الفرحة وهي ماسكة المولود الجديد بين إيديها.. حفيد العيلة الصغير، اللي اتسمى “عوض الله” على اسم جده اللي صان الأمانة وحمى البيت.
قعدنا كلنا في صالة الشقة الكبيرة: حمايا، حماتي، خالد، وأنا، ومحمود ومراته أميرة اللي بقت أخت حقيقية ليا. بصيت لخالد وهو شايل ابننا بحب وفخر، وحسيت إن كل اللحظات الصعبة، الباطلة، ، والمؤامرات.. كانت مجرد اختبار عشان يبين الذهب الخالص في قلوب الناس الصافية.
ابتسمت وغمضت عيني، وأنا عارفة إن البيت ده خلاص اتنضف تماماً، وأن القصة اللي بدأت بشك .. انتهت بأعظم ملحمة حب وأمانة وسلام بين جدران بيت العيلة.





