روايات وقصص

حكايات نرمين عادل 2

جمّد الخبط على الباب الحديد الدماء في متتالية،الجزء الثالث الثالث متسارعة، كأنها مرزبة بتدك الحديد عشان السكون اللي خيم على البيت بعد ما مشي طارق وأهله.

سحبت الورقة المقطوعة وحطيتها جوه جيبي بسرعة، ومسكت تليفوني بإيدي المرتعشة، واتجهت ناحية شباك الدور الثاني المفروش بالشيَش.. فتحت مجرى الشباك بسنتيمترات بسيطة وبصيت لتحت بحذر شديد..

مقالات ذات صلة

تحت ضوء صفيحة الشارع المائل، ما كانش طارق ولا الحاجة صفية ولا حد من عيلتهم.. كانوا تلات رجالة أجسادهم ضخمة، لابسين هدوم كاجوال غامقة، وواحد منهم ماسك في إيده عتلة حديد بيحاول يغرزها بين ضلفتين الباب عشان يخلع اللسان!

صرخت بنبرة حادة خرجت من الشباك:

– «مين أنت أنت وهو؟ بتعملوا إيه عند بيتي في الوقت ده؟ ابعدوا عن الباب فوراً وإلا هفرغ فيكم المسدس!»

كانت كدبة.. أنا عمري ما مسكت مسدس في حياتي، أكبر أداة جراحية مسكتها كانت مشرط في المستشفى، بس الخوف لما بيوصل لحده، بيتحول لجرأة غريبة.

الراجل اللي ماسك العتلة وقف، ورفع رسه لفوق.. كان وش خاطف، أسمر، بعلامة جرح قديمة واخدة خدّه الشمال كله.. ابتسم ابتسامة باهته وباردة وقال بصوت خشن ومبحوح:

– «اهدِي على نفسك يا ست ندى.. إحنا مش جاين نأذيكي ولا نسرقك.. إحنا جايين ناخد الحساب القديد.. الحساب اللي أمك فاطمة الله يرحمها عاشت وماتت وهي مأجلاه!»

الحساب القديم؟! راسي دارت.. أمي الست الطيبة الغلبانة بياعة الفول اللي كانت بتصحى الساعة أربعة الفجر عشان تدمس الفول وتجهز الطعمية، ليها حساب مع رجالة بالشكل ده؟

قُلت بصلابة زايت عن حدها:

– «أمي ما سابتش ديون لحد! ولو ليك حق، الشارع مفتوح ودواوين الحكومة موجودة.. امشي أنت وهو من هنا قبل ما أطلب النجدة!»

الراجل الأسمر ضحك ضحكة مكتومة، وقدم خطوة ناحية الشباك ورشق عينيه في عينيا:

– «نجدة إيه يا أبلة؟ النجدة دي تطلبيها لـ طارق الفافي اللي لسه مطرود من شوية! إنما إحنا دخلتنا دخلة أصول.. المعلم “توفيق الجبلي” بيبعتلك السلام، وبيقولك: بلاطة الفرن اللي في المطعم يا تفتحيهالنا بالرضا وتسلمينا الخريطة والأوراق، يا إما نفتحها إحنا وطريقتنا مش هتعجبك!»

المعلم توفيق الجبلي؟ الاسم وقع على ودني زي الصاعقة! افتكرت الاسم ده فوراً.. دا راجل من أكبر تجار العقارات والأراضي القديمة في وسط البلد، كان دايماً بيجي يقعد في المطعم بتاع أمي، وكان يحاول يشتري أصل عقد المحل والبيت بأرقام خيالية وأمي كانت بترفض وتطرده كل مرة وتقول له: “اللي بيعرق في شبر يا توفيق، ما بيبيعوش بمال القارون!”.

بقيت واضحة دلوقتي.. طارق ما كانش بيتجوزني حب ولا عشرة! طارق وأمه كانوا عارفين إن فيه حاجة مستخبية هنا.. كانوا بيحاولوا يستولوا على البيت عشان ينقبوا ويفتشوا تحت الساتر العائلي، ولما طردتهم، المعلم توفيق قرر يلعب في المفتوح ويستخدم الكروت الثقيلة!

نزلت بسرعة من على السلم، رجليا كأنها شايلا جبال.. الشارع كان فاضي تقريباً وعم سيد البواب مش موجود، باين طارق طرده أو هدد بأي حاجة عشان يفضي الشارع!

وقفت ورا الباب الحديد وبيني وبينهم سنتيمترات، وقُلت بثبات:

– «المعلم توفيق ملوش عندي حاجة.. والأوراق وبلاطة الفرن دي ملكي أنا وبس.. لو راجل يقرب من الشارع ده، وقسم الشرطة أهو على بعد خطوات، وأقسم بالله لأقلبها قضية رأي عام، وأنتوا عارفين المستشفى اللي بشتغل فيها وشغلي مع الدكاترة والكبارات!»

الراجل اللي جرحه في خده قرب من الشباك الصغير بتاع الباب الحديد وغمز بعينه:

– «تمام يا ست ندى.. الليلة دي إحنا هنمشي احتراماً للوصية.. بس افتكري كويس، البلاطة دي مش تحتيها ذهب ولا فلوس.. تحتيها اللي يودي رقاب كتير في حبل المشنقة.. أولهم طارق جوزك، وأولهم ناس في المنطقة أنتِ فاكراهم أهلك وسندك! معاكي لحد بكرة العصر.. يا تتصلي بالرقم ده، يا هتلاقي المحل والبيت قايدة فيهم النار!»

رمى كارت صغير من فتحة الباب، ومشوا التلاتة واستقلوا عربية جيب سودة اختفت في ظلام المعادي.

نزلت على ركبي في الجنينة.. مسكت الكارت وبصيت له.. كان عليه رقم تليفون واسم: “توفيق الجبلي – للمقاولات والتجارة”.

قلبي كان بيذق بعنف، حاسة إن في شبكة كبيرة ومظلمة كانت ملفوفة حوليا طوال الخمس سنين اللي فاتوا وأنا مغمية عيني.. طارق الجوز اللطيف اللي كان بيتمسكن، وأمه الحاجة صفية اللي كانت بتدعي التدين والطيبة، وتوفيق الجبلي الراجل الثري الجشع.. كلهم كانوا أطراف في لعبة واحدة، والضحية كانت أمي فاطمة.. وأنا!

دخلت البيت وقفلت الباب بـ مية قفل.. ودخلت المطبخ سحبت أداة حادة، ورجعت على الأوضة فوق.. طلعت الورقة المقطوعة وقعدت اقرأ الجملة تاني وتاني:

«يا ندى يا بنتي.. البيت ده مش مجرد ورث.. البيت ده تحته سر دفنه أبوكِ قبل ما يموت، وسر تاني خالص طارق وأمه بيموتوا عشان يوصلوا له من قبل ما يتجوزك.. أوعديني لو حصل لي حاجة، ما تفتحيش الخزنة اللي تحت بلاطة الفرن في المطعم القديم إلا وأنتِ معاكي…»

معايا إيه؟! النص التاني من الورقة مقطوع!

بدأت أفتش في كل حتة في الأوضة.. في المكتبة القديمة، في أدراج أمي، تحت الملايات، جوه علب الخياطة.. ساعة كامة وأنا بقلب الأوضة حتة حتة والعرَق نازل على وشي زي المطر.. ولما فقدت الأمل وقعدت على الأرض أعيا من التعب واليأس، عيني جت على حاجة صديدة قديمة محطوطة على تسريحة أمي..

برطمان زجاجي صغير، جوا منه “مصنع الفول” الصغير جداً المصنوع من النحاس، اللي كانت أمي تحط فيه الصدقات ودعوات الناس الطيبين.. مسكت البرطمان وكسرته على الأرض.. وبين القطع الزجاجية، لقيت الورقة الصغيرة المطوية المقطوعة!

جمعت الحتتين جنب بعض.. اكتمل النص! وقرأت الجملة المتبقية:
nextpage–>

«… إلا وأنتِ معاكي (المفتاح الفضي) اللي سايباهولك جوه السلسلة اللي في رقبتك.. المفتاح ده مش بيفتح الخزنة بس يا ندى.. المفتاح ده بيفتح باب حقيقة أبوج.. حقيقة إن أبوج ما ماتش في حادثة زي ما الكل فاهم.. أبوج اتقتل عشان العقد الأصلي بتاع أرض السوق كله!»

أنفاسي اتجمدت! أبويا اتقتل؟ وأمي عاشت طول عمرها كتمة السر ده عشان تحميني؟

وفجأة.. تليفوني رن!

بصيت على الشاشة.. كان رقم طارق!

ترددت ثانية، وبعدين فتحت الخط وحطيته على ودني من غير ما أتكلم.

صوت طارق خرج من التليفون، بس ما كانش الصوت المنكسر ولا الغضبان بتاع شوية فاتوا.. كان صوت هادي، بارد، فيه حشرجة شريرة عمري ما سمعتها منه قبل كده:

– «ندى.. أظن التلاتة بتوع المعلم توفيق زاروكِ ووصلولك الرسالة، صح؟»

اتخنق صوتي من البكاء والصدمة:

– «إنت.. إنت متفق معاهم يا طارق؟ إنت اللي تسلطهم عليا؟»

ضحك طارق بصوت واطي ومستفز:

– «تسليط إيه يا عبيطة؟ المعلم توفيق ده نبقى إحنا شركاؤه! أمك فاطمة كانت فاكرة نفسها أذكى من السوق كله.. قفلت على الأوراق وسابتنا نلهث وراها سنوات.. أنا اتجوزتك بناءً على طلب أمي والمعلم توفيق يا ندى! خمس سنين صابر عليكي وعلى قرفك وعلى تمريضك وعلى وردياتك اللي بتخلص نص الليل، كل ده عشان حظة زي دي! عشان اليوم اللي أمك تموت فيه وتستلمي الورث وتفتحي البلاطة!»

الدموع نزلت من عيني سخنة زي النار، بس كانت دموع تطهير.. قسوة الحقيقة قطعت آخر خيط كان بيبقيني على الشخص ده.

طارق كمل بثقة:

– «اسمعيني كويس يا ندى.. البلاطة دي هتتفتح بكرة العصر، والمستندات والعقد الأصلي بتاع أراضي السوق هيرجعوا للمعلم توفيق، وهتتنازلي عن البيت ده بالرضا.. مقابل إنك تاخدي مليون جنيه وتبدأي حياتك بعيد عننا وتطلعي باللي باقي من كرامتك.. لو رفضتي؟ البلاطة هتتفتح برضه، بس ساعتها مش هتكوني موجودة عشان تصرفي المليون جنيه.. ولا حتى عشان تشوفي بكرة!»

سكتت لحظة.. مسحت دموعي بإيدي بصلابة.. وقفت على رجليا وحسيت بنبض جديد بيسري في جسمي.. نبض بنت فاطمة وبنت الراجل اللي اتقتل وغدروا بيه!

قُلت له بنبرة صوت ما فيهاش نقطة انكسار واحدة، وبكل برود أذهله هو شخصياً:

– «طارق.. أنت فاكر إنك راجل وأذكياء؟ أنت وأمك والمعلم توفيق مجرد حشرات بتتغذى على أوجاع الناس.. وأنا مش ندى البصامة بتاعت زمان.. بكرة العصر؟ بكرة العصر مش هيكون وقت فتح البلاطة ليكم.. بكرة العصر هيكون جنازتك أنت وشركائك في السوق وفي الشرطة وفي كل حتة خنتوا فيها ربنا!»

قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة.. ومسكت السلسلة النحاس اللي في رقبتي.. خنقت المفتاح الفضي الصغير بين صوابعي..

المعركة ما بقتش على بيت أو شقة.. المعركة بقت على تار أبويا وحق أمي وحياتي أنا!

نزلت تحت، وفتحت درج المكتب القديم.. طلعت أجندة أمي وفهرس الأسماء، وبدأت أدوّر على اسم واحد بس كانت أمي دايماً بتقولي عليه: “لو الدنيا اسودت في وشك يا ندى وما لقيتيش ظهر، كلمي الراجل ده.. ده اللي فاضل من ريحة الشرفاء”.

لقيت الاسم مكتوب بالبند العريض:

“اللواء المتقاعد / حمزة العطار – مباحث الأموال العامة والقتل العمد”.

رفعت التليفون ودست على الأرقام وحطيت الجهاز على ودني وأنا ببتسم ابتسامة الانتقام…

تفتكروا اللواء حمزة العطار هيقف مع ندى؟ ولا طلع هو كمان طرف في لعبة أقدم وأكبر مما تتخيل؟ وإيه اللي حيحصل لما ندى تنزل بنفسها تفتح بلاطة الفرن قبل العصر؟
nextpage–>

الجزء الرابع

صوت رنات التليفون كان بينبض في ودني زي ساعة توقيت بتعد التنازلي لمعركة حياتي.. كل رنة كانت بتاخد معاها حتة من الخوف اللي سكن قلبي سنين، وبتبدله بصلابة جانيت من وسط الوجع.

– «ألو.. مين معايا؟»

صوت الراجل كان رخيم، فيه صرامة قاطعة تحسسك إنك بتكلم سد حجر مش مجرد بني أدم.. صوت اللواء حمزة العطار.

أخذت نفس عميق، وقُلت بنبرة ثابتة رغم المجهود:

– «مساء الخير يا سيادة اللواء.. أنا ندى.. ندى بنت المرحوم عبد الحميد وبنت الحجة فاطمة بتاعة مطعم وسط البلد.»

سكوت مفاجئ خيّم على الناحية التانية من الخط.. سكوت تقيل، وبعدها سمعت صوت نفس عميق وزفير هادي، قبل ما يترد عليا بصوت اتغيرت نبرته تماماً وبقت فيها دفء وأبوّة غير متوقعة:

– «ندى؟ بنت فاطمة؟ يا أهلاً يا بنتي.. البقاء لله في أمك.. أنا عرفت متأخر للأسف وكنت بره مصر.. أمك كانت ست بعشر رجال يا ندى، وشيلت السر وحمتك بعينيها طول العمر.. طمنيني عنك، فيه حاجة حصلت؟ عشان فاطمة الله يرحمها قالت لي يوم ما ندى تتصل بيك، اعرف إن الكلاب حاصروها!»

الكلمة قطعت شكوكي تماماً.. الراجل ده مش مجرد اسم في أجندة، ده الشرف اللي أمي سابتهولي سند في الظلمة.

قُلت له بكل تفاصيل الليلة: طرد طارق وأهله، تهديد توفيق الجبلي والرجالة بتوعه، مكالمة طارق الأخير وعرض المليون جنيه، والورقة المقطوعة، وسلسلة أمي والمفتاح الفضي اللي فتح سر
وعقد أرض السوق.

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى