
عدى شهر كامل على اللي حصل. حياتي كانت بدأت ترجع لطبيعتها بالتدريج. أمي أمينة صحتها تحسنت كتير، والدكتور سمح لها تخرج تتمشى شوية في الصالة، والبيت رجع فيه النفس والروح من تاني. في الشغل، زمايلي كلهم عرفوا الحقيقة، ونظرات الشفقة أو الشك اللي كانت في عينين البعض في البداية تحولت لاحترام شديد، وخصوصاً بعد ما الإدارة نزلت جواب شكر رسمي ليّ في لوحة الإعلانات مع صرف المكافأة التشجيعية.
كنت فاكر إن صفحة محمود اتقفلت للأبد، وإن القضاء بياخد مجراه والشركة شغالة في إجراءاتها. لكن اللي ما كنتش أعمل حسابه، إن صاحب النية السودة ما بيبطلش يحفر، وحتى وهو في قاع البئر، بيحاول يجر معاه أي حد قايم على حيله.
في يوم أربع الصبح، وأنا قاعد في مكتبي براجع تقارير الصيانة الدورية للسيارات الميدانية، دخل عليا أستاذ شريف ومدير قطاع الأمن والشؤون Legal بالشركة، واستدعوني فوراً لمكتب رئيس مجلس الإدارة.
قلبي اتنفض. دخلت المكتب الكبير، كان قاعد فيه رئيس مجلس الإدارة بنفسه، وعلى الطاولة قدامه ملف أسود متضخم.
بصلي رئيس مجلس الإدارة وقال بنبرة حادة ومركزة:
«أحمد… أنت عارف إننا بنحترمك ومقدرين كفاءتك وامانتك طول السنين اللي فاتت، بس النهاردة الصبح وصلتنا محضر رسمي وإخطار من النيابة العامة بناءً على بلاغ أخير قدمه محامي محمود.»
بلعت ريقي وقلت:
«خير يا فندم؟ محمود كاتب إيه تاني؟»
رئيس مجلس الإدارة فتح الملف وقال:
«محمود ومحاميه يقدموا أقوال جديدة في التحقيقات، ومعاهم مستندات بيقولوا إنها أدلة جديدة. محمود بيطالب بإدخالك كمتهم ثاني ورئيسي في قضية الاستيلاء على المال العام والتزوير. كاتب إنك أنت اللي كنت بتدير عملية التزوير دي بنفسك، وإنك كنت بتاخد منه 2500 جنيه شهرياً كنسبة عشان تخفي أمر الرخصة المسحوبة عن إدارة الشركة، وترفع تقارير وهمية عن تعطيل العربية الرينو عشان تستغل بنزين الشركة لحسابك الشخصي! ومش بس كده… ده أرفق كشف حساب بنكي له فيه تحويلات مالية شهرية متكررة باسمك!»
اتصدمت. اتسمرت في مكاني.
«تحويلات بنكية باسمي؟! يا فندم أنا عمري ما أخدت منه جنيه! ولا عمري عطيت له رقم حسابي البنكي أساساً!»
أستاذ شريف اتدخل بسرعة وقال:
«أنا قلت لحضرتك يا فندم أحمد مظلوم ومحمود بيحاول يغرق أي حد معاه.»
رد رئيس مجلس الإدارة:
«أنا مش بتكلم بالعواطف يا شريف. النيابة قدامها كشف حساب بنكي رسمي طالع من البنك باسم محمود، فيه تحويل شهري بمبلغ 2500 جنيه يروح لحساب باسم ‘أحمد محمود’! والموضوع ده لو ثبت، الشركة هتبقى مجبرة تقدمك للمحاكمة بتهمة التآمر والتستر والتزوير، وده معناه الحبس وفصلك فوراً!»
الدنيا لفت بيا. التحويلات دي جت منين؟ وأنا حسابي البنكي ما دخلتش فيه المبالغ دي خالص! افتكرت كل تعاملاتي المالية في السنة اللي فاتت. أنا معنديش غير حساب بنكي واحد في بنك مصر، وما فيهوش أي حركة زي دي.
سألت بصوت مرعوب بس حاولت أخليه ثابت:
«يا فندم… التحويلات دي طالعة لآني بنك؟ ورقم الحساب المكتوب إيه؟»
رئيس مجلس الإدارة بص في الورق وقال:
«طالعة لحساب في البنك الأهلي المصري، برقم قومي واسم مطابق لاسمك الثلاثي: أحمد محمود…»
وفجأة… زي ما يكون نور ضرب في دماغي!
أحمد محمود!
الاسم الثلاثي بتاعي شايع جداً، بس الأهم من ده… افتكرت حاجة محمود عملها من 6 شهور، حاجة كنت فاكرها ساعتها مجرد خدمة أو حركة عبيطة!
من 6 شهور، محمود جالي الشغل وهو متوتر وقال لي:
«يا أحمد، أخويا الصغير اسمه أحمد محمود برضه، وجميلك على راسي، بس هو شغال أونلاين ومحتاج حد يستلم له مبالغ من عملاء عشان حسابه البنكي فيه مشكلة، ينفع يبعت على حسابك؟»
ساعتها أنا رفضت بشدة وقلت له: «أنا ماليش دعوة بحسابات حد وما بأدخلش فلوس حد في حسابي!»
فمحمود وقتها قال لي: «خلاص يا عم خلاص، أنا أتصرفت وفتحت له حساب باسمه الثلاثي المتشابه في البنك الأهلي.»
محمود كان بيحول الفلوس دي لحساب أخوه الصغير اللي اسمه مطابق لاسم الثلاثي! وكان بيجهز اللعبة دي من شهور طويلة! كان بيبني شبكة فخاخ متفصلة عشان لو في يوم اتكشف، يرمي الجريمة كلها عليا ويقول إن الفلوس كانت بتروح لـ «أحمد محمود»!
قفزت من مكاني وقلت لرئيس مجلس الإدارة:
«يا فندم! الحساب ده مش حسابي! الاسم متشابه! محمود استغل إن اسم أخوه الصغير مطاطق لاسي الثلاثي ‘أحمد محمود’، وأنا حسابي الوحيد في بنك مصر وفرع مختلف تماماً! أطالب فوراً بطلب استعلام بالرقم القومي كاملاً صاحب الحساب في البنك الأهلي!»
رئيس مجلس الإدارة بصل لي بذهول:
«أنت متأكد من الكلام ده يا أحمد؟ أخوه اسمه مطابق لاسمك الثلاثي؟»
«أيوة يا فندم! وتقدروا تتأكدوا من الرقم القومي والبريد الإلكتروني المربوط بالحساب البنكي ده. الرقم القومي بتاعي المسجل في ملفات الشركة مختلف تماماً عن الرقم القومي بتاع الحساب اللي في البنك الأهلي!»
المدير التنفيذي مسك التليفون فوراً وطلب المستشار القانوني للشركة:
«يا متر… اطلب من وكيل النيابة فوراً استعلام بالرقم القومي لصاحب الحساب في البنك الأهلي المرفق في البلاغ، مش بالاسم فقط!»
مرت ساعتين في مكتب رئيس مجلس الإدارة وأنا حاسس إن كل دقيقة بتعدي زي سنة كاملة. كنت قاعد ومسكين سبحتي في جيبي وبستغفر. كنت عارف إن ربنا مش هيسيبني، بس حجم الخبث والتخطيط اللي محمود عمله كان يخوف! ده ما كانش مجرد زميل أناني أو طماع… ده كان شيطان مخطط لكل خطوة من شهور، عشان لو وقع، يقع على جثة غيره!
الساعة جت 2 الضهر، والموبايل بتاع المستشار القانوني رن. فتح السبيكر.
صوت المستشار القانوني جاء من النيابة:
« يا فندم… الحقيقة اتكشفت بالكامل في النيابة!»
رئيس مجلس الإدارة قال بلهفة:
«قول يا متر، إيه اللي حصل؟»
قال المستشار القانوني:
«المحقق استدعى كشف الحساب بالرقم القومي صاحب الحساب في البنك الأهلي، وطلع الحساب باسم ‘أحمد محمود عبد الفتاح’ (أخو محمود الصغير)، بينما أحمد بتاعنا اسمه ‘أحمد محمود السيد’. ولما المحقق واجه محمود وأخوه بالحقيقة والرقم القومي، أخوه انهار واعترف إن محمود هو اللي كان بيخليه يفتح الحساب ده ويحول له الفلوس دي صورياً من حسابه الثاني عشان يعمل حركات تحويل وهمية بأسماء متشابهة لاستخدامها كأداة ابتزاز وتلفيق اتهامات لو الأمور اتكشفت!»
الهدوء ساد المكتب. رئيس مجلس الإدارة بص لي بذهول وصدمة من حجم الخبث.
المستشار القانوني كمل:
«المحقق وجه فوراً لمحمود وأخوه تهم جديدة: التزوير، البلاغ الكاذب، محاولة تضليل العدالة، وتلفيق اتهامات كيدية. ومحمود دلوقتي مقبوض عليه رسمياً وصدر ضد قرار حبس 15 يوم على ذمة التحقيق مع مراعاة تجديد الحبس!»
تنهدت بعمق، وحسيت إن الروح ردت فييا تاني.
رئيس مجلس الإدارة قام من على كرسيه، وجاء لحد عندي، ومسك إيدي وإتأسف لي قدام الكل:
«أنا بأسف لك يا أحمد.. أنا اتقالت لي معلومات تخوف وشككت لحظة، بس أنت أثبت إنك أنضف وأرجل من أي شبهة. حقك عليا يا ابني.»
قلت له بثبات:
«الحمد لله يا فندم. الحق ما بيموتش، واللي بيحفر حفرة لأخيه بيبتلى فيها بنفسه.»
رجعت بيتي في اليوم ده، وأنا جسمي كله مهدود من التوتر والعصبية. فتحت باب الشقة، لقيت أمي قاعدة في الصالة بتقرأ قرآن. أول ما شافتني، ابتسمت وقالت:
«مالك يا أحمد؟ وشك أصفر ليه كده يا ابني؟»
قعدت تحت رجليها، وحطيت راسي على ركبتها.
«تعبان يا أمي… تعبان من سواد قلوب الناس. الدنيا بقت تخوف.»
مسحت على شعري بكتفها الحنين وقالت لي كلام مش هنساه طول حياتي:
«يا ابني اللي يربك ربنا ويمشي بسليمة، لو إبليس نفسه اتمثل له في صورة بني آدم، ربنا هيسخره ويرد كيده في نحره. أنت عملت خير وسقيت العطشان وحملت المحتاج، والخير ده ما بيروحش هدر. ربنا نجاك ببر دعوتي ليك الصبح، وربنا مش بيسيب الحاقد يتطاول.»
لكن… هل القصة خلصت هنا؟
لا.
بعد أسبوعين من حبس محمود، جاتلي مفاجأة غير متوقعة تماماً.
كنت نازل من الشقة الصبح بدري، ورايح أركب عربيتي عشان أروح الشغل. لقيت ست كبيرة لابسة أسود في أسود واقفة جنب باب العربية، ومعاها طفلين صغيرين.
أول ما شافتني، جرت عليا وقعدت تبكي في الشارع وتترجاني:
«أستاذ أحمد! أنا زوجة محمود! أرجوك يا أستاذ أحمد… أرجوك ارحم عياله!»
وقفت مكاني متفاجئ ومصدوم:
«أم محمود؟ إيه اللي جابك هنا؟»
الست نزلت على ركبها في الشارع قدام الأطفال وقالت وهي بتبكي بكاء يقطع القلب:
«محمود في السجن يا أستاذ أحمد! بيجددوا له الحبس، والشركة أخدت حكم بتجميد حسابه المالي وبيتنا هيتخرب! العيال دول مالهمش ذنب! محمود غلط في حقك وشيطان وغدر بيك، بس وحياة عيالك وأمك عندك، روح اطلب من الشركة تتنازل عن القضية القانونية وتكتفي بفصله! احنا شحاتين من غيره، وأنا مستعدة أبيع عفش بيتي وأسدد للشركة الفلوس بس ما يدخلش السجن والعيال يتشردوا!»
بصيت للطفلين الصغيرين… كانوا باصين لي بعيون مليانة خوف ودموع، مش فاهمين حاجة غير إن أبوه في السجن والست دي بتبكي قدام شخص غريب.
في اللحظة دي… لقيت نفسي في أصعب اختبار في حياتي كلها.
اختبار بين العدل والانتقام… وبين الرحمة والشفقة على ناس مالهاش ذنب في سواد قلب محمود!
محمود اللي ما رحمش أمي وهي بين الحياة والموت… محمود اللي حاول يسجنني ويخرب بيتي ويلفق لي تهمة توديني ورا الشمس…
دلوقتي مراته وعياله واقفين تحت رجلي وبيطلبوا مني أنقذه!
وقفت قدامهم في الشارع الصامت… وعقلي بيصرخ: «أوعى ترحمه! هو ما رحمش أمك ولا رحيلك!»
وقلبي بيهمك: «بس الأطفال دول مالهمش ذنب…»
وبصيت للشارع… وما كنتش عارف أعمل إيه…
الجزء الرابع
وقفت في وسط الشارع، والشمس يادوبك بتشرق، والست ساجدة تقريبًا على الأرض ودموعها بلت التراب، والطفلين ماسكين في طرحتها وبيعيطوا بعلو صوتهم من غير ما يفهموا إيه اللي بيحصل.
جسمي كله كان بيترعش. عقلي بيعرض شريط السينما بتاع الأيام اللي فاتت في ثواني: صورة أمي وهي محطوطة على أجهزة الطوارئ ومحمود بيبعتلي «سيب أمك هناك وتعيال خدني»، صوته المتعصب في التسجيل الصوتي وهو بيهددني إنه هيحملني مسؤولية تأخيره، منظر أوراق التزوير والبلاغ الكاذب اللي كان هيوديني ورا الشمس ويضيع مستقبلي واسم عيلتي…
كل دي حاجات كانت بتصرخ في دمي وتقولي: «امشي وسيبها! ده عدل ربنا، وهو اللي جاب لنفسه ولأهله الخراب ده بسواده وطمعه!»
لكن النظر لعينين العيال الصغار دول… طفل عنده يجي سبع سنين والبنت أصغر منه، أيديهم الناعمة اللي ماسكة في هدوم أمهم المرعوبة… كسرت جوايا حاجة.
مديت إيدي بسرعة ومسكت الست من دراعها وقومتها من على الأرض:
«قومي يا مدام… قومي استغفري ربنا، ما تنزليش لمخلوق بالشكل ده. الوقفة دي ما تصحش.»
الست مسحت دموعها وهي بتتخنق بالبكاء:
«يا أستاذ أحمد… أنا والله العظيم ما كنت أعرف حاجة عن اللي بيعمله! أنا صحيت على خبر إن جوزي مقبوض عليه في النيابة، ولما رحت هجرتني الدنيا! عرفت إنه زور واستغل زمايله وأخد فلوس مش حقه، وعرفت إنه عمل فيك اللي ما يتعملش! أنا جاية لك وأنا خجلانة من نفسي وقرفانة من اللي عمله، بس أقسم بالله العيال دول مالهمش ذنب يبقوا ولاد واحد رد سجون! بيتنا هيتخرب ويا عالم هنلاقي ناكل منين لو اتسجن سنين!»
سكت. وقفت أبص للشارع الفاضي.
سألتها: «ومحمود فين دلوقتي؟»
قالت وهي بتبكي:
«محبوس في التخشيبة، ومستني التجديد بعد بكرة. والمحامي قال لي إن القضية مقفولة ضده 100% لأن فيها تزوير رسمي واستيلاء على مال عام وبلاغ كاذب، ولو الشركة ما تنازلتش عن الشق الجنائي، هيتحكم عليه بأحكام مش أقل من 3 لـ 5 سنين سجن مشدد!»
أخدت نفس عميق، وطلعت مفتاح العربية.
«اركبي يا مدام أنت والعيال… أنا موصلكم لبيتك.»
الست بصت لي باستغراب وخوف:
«تروح معايا فين يا أستاذ أحمد؟»
قلت لها بنبرة هادية بس صلبة:
«اركبي بس… مش هسيبك واقفة في الشارع كده والعيال بيموتوا من الخوف.»
ركبوا معايا العربية. نفس العربية اللي محمود ركبها 11 شهر ببلاش، نفس الكرسي اللي كان بيقعد عليه وهو بيخطط إزاي يئذيني. المرة دي كانت قاعدة عليه مراته المكسورة وعياله الخايفين.
طول الطريق محدش اتكلم. كنت بصل في المراية اللي قدام، أشوف الولد الصغير يبص لي بخوف ويرجع يستخبى في أحضان أمه. كنت بحس بغصة في حلقي… الراجل ده إزاي كان بيعيش بين عيلته بالوجه ده؟ إزاي كان بياكل عياله من فلوس حرام وبدلات مزورة، وبيفكر يذل زميله اللي بيخدمه؟
وصلتهم لحد باب بيتهم في منطقة شعبية قريبة. نزلت الست والعيال، ولما جرت عشان تشكرني، قلت لها:
«يا مدام… أنا مش هأوعدك بحاجة. اللي محمود عمله مع أمي ومعايا يتعدى أي حدود للمسامحة الشخصية. لكن العيال دول… ربنا عالم بيهم. أنا هروح الشغل وهشوف الشؤون القانونية بالشركة إيه المتاح قانوناً، من غير ما أضر نفسي أو أضر الشركة. ادعي ربنا يلهمني التصرف الصح.»
الست رفعت إيدها للسما وقعدت تدعي لي بدعوات حسيت إنها طالعة من قاع قلبها.
طلعت على الشغل فوراً. دخلت الشركة، والتناقض كان رهيب. كل الناس بتبارك لي على براءتي وعلى إن المحقق كشف ملعوب محمود، ومكاتب الشركة كلها بتتكلم عن «أحمد السلكان اللي ربنا نصره».
بس أنا كنت ماشية في الممرات وسرحان.
دخلت على أستاذ شريف في مكتبه. أول ما شافني، ابتسم وقال:
«أهلاً يا أحمد! حمد الله على السلامة يا بطل.. النيابة بعتت إخطار إن التحقيقات خلاص بتتفنش ضده، والشركة مكملة في الدعوى الجنائية عشان نكون عبرة لأي حد يفكر يزور أو يتلاعب بعقود الشركة.»
قعدت على الكرسي قدامه، وقلت بصوت واطي:
«أستاذ شريف… أنا محتاج أتكلم معاك في حاجة غريبة شوية.»
أستاذ شريف نزل القلم اللي في إيده وبص لي باهتمام:
«خير يا أحمد؟ في حاجة تاني حصلت؟»
حكيت له كل اللي حصل الصبح… حكيت له عن مراته والعيال اللي كانوا ساجدين في الشارع قدام عربيتي، وعن الخراب اللي هيلحق بالعيلة دي لو محمود اتسجن سنة ولا سنتين.
أستاذ شريف بصل بي باستغراب شديد، وعينيه اتوسعت من الصدمة:
«أنت بتتكلم جد يا أحمد؟! أنت بعد كل اللي عمله فيك، وبعد ما كان هيوديك ورا الشمس ويتسبب في موت والدتك بسخافته وانانيته… جاي تدور على مخرج ليه؟!»
قلت له بصدق:
«أنا مش بدور على مخرج لمحمود يا أستاذ شريف. محمود يستاهل كل اللي يجرى له، وأنا عمري ما هنسى اللي عمله معايا ومع أمي. بس أنا بدور على مخرج للطفلين دول. أنا شفتهم بعيني الصبح، ولاد مالهومش أي ذنب إن أبوهم بني آدم خاين وجشع. أنا مش قادر أتخيل إن بسببي -حتى لو أنا المظلوم- العيال دول يتربوا وأبوهم مسجون في قضية تزوير واستيلاء، وتتشرد عيلتهم.»
أستاذ شريف اتنهد بقوة، وقام وقف وراح عند الشباك، وبعدين لف لي وقال:
«يا أحمد… أنت طيب زيادة عن اللزوم، والطيبة دي في الزمن ده بتبقى زي العاطفة اللي بتدمر صاحبها. الشركة مش مدرسة تهذيب وإصلاح! الشركة اتقال في حقها كلام وصدر ضدها تزوير واستيلاء، ومجلس الإدارة متمسك بالقضية الجنائية عشان يرجع الفلوس اللي اتاخدت بغير حق!»
قلت له:
«طب هل ينفع الشركة تكتفي بالتسوية المالية والفصل؟ يعني لو محمود ومراته ردوا كل المبالغ اللي أخدها بدون وجه حق، هل ينفع الشركة تتنازل عن الشق الجنائي المباشر (التزوير والاستيلاء) وتكتفي بفصله نهائياً مع حظره من العمل في أي جهة تابعة للقطاع؟»
أستاذ شريف بص لي وسكت فترة طويلة، وبعدين قال:
«القرار ده مش بإيدي، ولا حتى إيد الأستاذة نجوى بتاعة الشؤون القانونية. القرار ده حصرياً بإيد رئيس مجلس الإدارة. وهو راجل صارم جداً في موضوع الأموال العامة والتزوير. لو عايز المحاولة دي تتم… لازم تدخل له أنت بنفسك وتطلب منه ده، وتحتمل رد فعله!»
قلت له فوراً:
«أنا مستعد أدخل له دلوقتي.»
أستاذ شريف هز راسه بقلة حيلة:
«ربنا يهديك يا أحمد… أنت بتمشي بقلبك في طريق كله شوك.»
أخدني أستاذ شريف وطلعنا لمكتب رئيس مجلس الإدارة. بعد ما سكرتيره استأذن، دخلنا.
رئيس مجلس الإدارة كان بيكتب في ورق، أول ما رفع رأسه وشافني، ابتسم:
«أهلاً أحمد.. خير، في حاجة جديدة في الشغل؟»
أستاذ شريف قال:
«أحمد جاي لحضرتك في موضوع شخصي يتصل بقضية محمود يا فندم.»
تقاطيع وش رئيس مجلس الإدارة اتغيرت فوراً وبقت حادة:
«موضوع إيه؟ محمود أرسل لك حد تاني يهددك ولا يبتزك؟»
قربت من المكتب وقلت بثبات:
«لا يا فندم… أنا جاي أطلب من حضرتك طلب، وعارف إنه غريب ويمكن تضايق مني، بس أنا بطلبه من منظور إنساني محض.»
وقلت له كل حاجة… حكيت له عن الست وعيالها، وعن الذل اللي شفته في عيون الأطفال، وعن إني مش عايز أكون السبب في خراب بيت، حتى لو صاحب البيت ده كان حاول يخرب بيتي.
رئيس مجلس الإدارة فضلت عينيه متعلقة بيا وهو بيسمع كل كلمة. سكت لمدة دقيقتين كاملين بعد ما خلصت كلامي. السكوت كان تقيل ومخيف.
بعدين ضرب بإيده على المكتب بقوة وقال بنبرة حازمة:
«أنت يا أحمد بتطلب مني أتتنازل عن حق الشركة في قضية تزوير رسمي واستيلاء على مال عام؟ أنت عارف إن الراجل ده لو خرج، مش بعيد يرجع يفتري عليك تاني أو يعمل لعبة جديدة؟ الراجل ده خاين للأمانة، والخائن مالوش أمان!»
قلت له:
«يا فندم، أنا مش بطلب إننا نسيبه بدون عقاب. أنا بطلب إن العقاب يكون مالي ووظيفي، مش سجني يدمر عيلته. هو يترد منه كل جنيه أخذه للشركة، يتفصل فصل تعسفي بمادة قاطعة تمنعه من العمل في أي مؤسسة محترمة، ويبقى المخرج الوحيد له إنه يتصلح حاله. لكن السجن مش هيصلحه… السجن هيدمر أطفاله البرياء.»
رئيس مجلس الإدارة قام وقف، ومشي في المكتب وهو بيحرك أيده بغضب مكتوم:
«أنت مش طبيعي يا أحمد! الراجل ده كان هيسجنك أنت! كان بيلفق لك تهمة حساب بنكي وتآمر! الراجل ده ساب أمك بتموت في المستشفى وعصب عليك! أنت إزاي قادر تقف في مكتبي وتدافع عنه؟!»
رديت عليه بكلمات طالعة من جوة قلبي:
«أنا مش بدفع عنه يا فندم… أنا بدفع عن نفسي. أنا مش عايز أعيش بقية حياتي وأنا حاسس إن في طفلين برياء بيشحتوا في الشوارع أو بيتعايروا بآباهم في السجن بسبب قضية أنا كنت طرف فيها. أنا عفوت عنه لوجه الله، وعايز الشركة تعفو عنه في الشق الجنائي بشرط رد الفلوس كاملاً وفصله.»
رئيس مجلس الإدارة وقف قدامي، بص في عينيا بتركيز شديد. حسيت إن الراجل بيقرا جوايا، بيشوف هل أنا بمثل ولا متصنع ولا بجد.
وفجأة… نبرة صوته اتغيرت تماماً، وبقت هادية ودافية:
«أنت راجل نادراً ما بنشوف زيّك في الزمن ده يا أحمد… معدنك نقي، ونقاء معدنك ده هو اللي خلى ربنا ينصرك ويظهر الحق في ساعات قليلة.»
سكت شوية وكمل:
«أنا هأوافق على طلبك بشروط مشدودة جداً.»
قلبي قفز من الفرحة:
«شروط إيه يا فندم؟»
قال بصرامة:
«أولاً: مراته أو هو يسددوا كل مليم أخدوه من بدلات التوصيل المزورة للشركة كاش أو بضمانات مالية معتمدة، مش هنفوت جنيه واحد.
ثانياً: يوقع على إقرار رسمي وفوري بالتنازل عن كافة مستحقاته ونهاية خدمته للشركة، ويوقع على عدم تعرض لك أو للشركة مستقبلاً تحت طائلة السجن الفوري.
ثالثاً: يتم فصله بقرار تأديبي مسبب بسبب التزوير واستغلال الوظيفة، عشان ملفه يفضل ناصع بالواقعة دي وما يقدرش يخدع أي شركة تانية.
لو الشروط دي اتنفذت خلال 48 ساعة… الشركة هتقدم طلباً للنيابة بالتنازل عن الشق الجنائي الخاص بالمال العام، وتكتفي بالتسوية المالية والتأديبية.»
سجدت بقلبي من الفرحة. قلت له:
«أنا شاكر جداً لحضرتك يا فندم! ربنا يجازيك كل خير.»
رئيس مجلس الإدارة ابتسم وقال:
«ما تشكرنيش يا أحمد… اشكر أصلك ونظافة قلبك. بس افتكر كلامي… محمود مش هيتغير، واللي في طبعه حاجة عمره ما بيغيرها.»
خرجت من مكتب رئيس مجلس الإدارة وأنا حاسس إن جبل أتنقل من فوق صدري. اتصلت فوراً بمراته وبلغتها بالشروط. الست كانت هتطير من الفرحة، وقالت لي إن عندها قطعة أرض صغيرة ورثها من أبوها هتبيعها فوراً وتسدد للشركة المبلغ عشان تنهي الكابوس ده.
وبالفعل… خلال يومين، المبالغ اتسددت للشركة، والأوراق اتقفلت، والشركة قدمت طلب التنازل للنيابة.
في اليوم اللي تقرر فيه إخلاء سبيل محمود من التخشيبة بكفالة مالية والتسوية التأديبية… أستاذ شريف طلب مني أروح معاه للنيابة عشان نوقع أوراق التنازل النهائية ونستلم إخلاء السرد.
كنت واقف في ممر قسم الشرطة، جنب مكتب وكيل النيابة.
وفجأة… انفتح باب التخشيبة، وخرج محمود!
كان طالع، هدومه مجعدة، ذقنه نابتة ومجهدة، ووشه فيه كسرة وذل ما شفتهاش في بني آدم قبل كده. أيده كانت بتترعش وهو بيستلم حاجته من العسكري.
أول ما رفع رأسه وشافني واقف جنب أستاذ شريف ومحامي الشركة… اتجمد في مكانه.
مراته جرت عليه وهي بتبكي والعيال ماسكين فيه. مراته قالت له بصوت عالي وهي بتشاور عليا:
«اشكر الأستاذ أحمد يا محمود! اشكر الراجل اللي أنت كنت عايز تخرب بيته وتوديه السجن! الراجل ده هو اللي دخل لرئيس مجلس الإدارة وهو اللي ترجاهم عشان يتنازلوا عن القضية وما تتسجنش عشان خاطر عيالك!»
محمود بص لي… نظرة مش هنسى تفاصيلها طول عمري.
نظرة كانت خليط بين الصدمة، الخجل، العار، وكسرة النفس. الراجل اللي كان شايف نفسه أذكى واحد في الدنيا، الراجل اللي كان بيمارس عليا الابتزاز والعصبية، واقف قدامي دلوقتي مش قادر يرفع عينيه في عينيا!
خطى خطوات بطيئة ومرتبكة ناحيتي. الشارع والممر كله كان ساكت.
وقف قدامي على بعد خطوة واحدة. شفايفه كانت بتترعش، وحاول يتكلم بس الصوت ما كانش طالع من زوره.
وبعدين… عمل حاجة صدمت كل اللي واقفين في الممر!




