
ساد الذهول المكان، واستقرت العيون كلها على العلبة الخشبية الصغيرة المتربة التي يحملها آدم بين يديه بثبات عجيب. مريم أول ما شافت العلبة في إيد آدم، صرخت بصوت مكتوم وحطت إيديها على بوقها، وركبتها خبطت في الترابيزة اللي جنبها وكادت تقع على الأرض. وشها كان منكمش من شدة الرعب، وعينيها رايحة جاية بيني وبين آدم وبين باب المطعم، وكأنها مستنية مصيبة تقتحم المكان في أي لحظة.
-
حكاوى شيمو 2منذ 30 دقيقة
-
حكاوى شيمو1منذ 34 دقيقة
-
ابني قالي: «مفيش مكان ليكي2منذ 4 ساعات
-
حكايات اسما السيد 1منذ 21 ساعة
جوزي، اللي كان واقف ورا آدم ومش فاهم أي حاجة من اللي بتدور، قرب منا بملامح مشدودة وقال بصوت حاد مليان حيرة:
“في إيه يا جماعة؟ مالك يا مريم مرعوبة كده ليه؟ وإيه العلبة دي يا آدم؟ جبتها منين؟”
ما حدش رد عليه. الصمت كان أثقل من الحجر في الصالة البسيطة. مسكت إيد آدم بالراحة، وصوابعي كانت بتترعش وأنا بلمس الخشب القديم للعلبة. آدم بصلِي بثبات لأول مرة في حياته، نظرة مفيهاش أي توتر أو تشتت من نوبات التوحد اللي تعودت عليها. نظرة شاب واعي ومدرك لخطورة اللحظة.
مريم قربت مني بخطوات سريعة وسحباني من دراعي بنشيج مكتوم، وهسست في ودني بصوت مبشوح مليان ترجي:
“أمل.. عشان خاطر ربنا، عشان خاطر الأيام اللي بيننا وعشان خاطر آدم.. متفتحيش العلبة دي هنا! بلاش جوزك يشوف اللي جواها دلوقتي، وبلاش حد في المطعم يعرف. لو السر ده اتكشف، حياتنا كلنا هتتدمر.. وأولنا شريف اللي فاكراه اختفى!”
وقفت مذهولة. كلام الجرسونة عن شريف والعلبة والسر بدأ يترابط بأسلوب يخوف. بصيت لمريم وقلت لها بنبرة حازمة وقاطعة لأول مرة في حياتي:
“شريف؟ إنتِ مش قايلة إن شريف سابك واختفى من سنتين؟ ومين الراجل اللي قابلتيه هنا من ست شهور وادتيه ظرف؟ إنتِ ورطتي ابني في إيه يا مريم طوال 10 سنين؟!”
جوزي سمع اسم “شريف”، ووشه اتغير فوراً. هو كان عارف شريف وعارف قصة رفض أهله ليه من زمان. قرب منا بغضب وقال:
“شريف مين؟ إنتوا بتتكلموا عن إيه من ورايا؟ مريم.. إنتِ كنتِ بتجيبي ابني هنا عشان تقابلي شريف؟!”
قبل ما مريم ترد أو تحاول تدافع عن نفسها، آدم اتكلم بصوت هادي ومستقر وهو بيشاور على باب خروجي وراني:
“نروح العربية.. الأستاذ شريف قاللي العلبة تتفتح في مكان مقفول.. عشان الراجل اللي معاه المسدس ميعرفش.”
كلمة “المسدس” نزلِت علينا كلنا زي الصدمة الكهربائية. جوزي اتصلب في مكانه، ومريم أغمى عليها تقريبًا وسندت على الحيطة وهي بتبكي بحرقة وسكون. أدركت في اللحظة دي إن الموضوع أكبر بكثير من مجرد قصة حب قديمة أو استغلال لمهارات آدم الاجتماعية.. الموضوع فيه تهديد صريح بحياة ناس.
مسكت إيد آدم بقوة، وسحبت مريم من دراعها، وغمزت لجوزي إنه ييجي وارنا من غير ما يعمل شوشرة. خرجنا من المطعم بسرعة تحت نظرات الجرسونة العجوزة اللي كانت بتبصلنا بقلق وخوف شديد، وبتحرك شفايفها بالدعاء لينا.
ركبنا العربية كلنا. جوزي كان بيسوق وهو بيضرب الطارة بإيده من الغضب والحيرة، ومريم كانت قاعدة في الكنبة الوراانية جنب آدم وهي حاضنة ركبتها وبتعيط بانهيار. مسكت العلبة الخشبية في حضني. كانت مقفولة بقفل معدني صغير ونحاسي، بس مصدي ومأكل.
قلت لجوزي بصوت صلب رغم الخوف:
“سوق على بيتنا فوراً.. مش هنفتح العلبة دي ولا نسأل كلمة واحدة غير لما نكون جوة شقتنا ومقفلين الأبواب.”
طوال الطريق، كان الصمت يخيم على العربية، باستثناء صوت شهقات مريم وصوت أنفاس آدم المنتظمة. آدم كان بيبص من الشباك بهدوء، وكأنه أدى مهمة كان شايل همها لمدة سنتين كاملين وأخيرًا أتاح له الوقت يخلص منها.
وصلنا البيت. دخلنا كلنا، وجوزي قفل الباب بالمفتاح والترباس. قعدنا في صالة الشقة، والعلبة الخشبية محطوطة في نص الترابيزة اللي بيننا.
جوزي بص لمريم بغضب وقال:
“دلوقتي اتكلمي يا مريم.. تتكلمي من الساس للرأس، وإلا هطلب الشرطة فورا!”
مريم مسحت دموعها بضعف، وبصت للأرض وقالت بصوت مكسور:
“أنا هحكي كل حاجة.. بس أوعدوني إنكم تفهموا إن اللي عملته كان غصب عني، وكان الهدف منه أحمي آدم وأحمي شريف.. شريف ممهربش ولا سابني يا أمل.. شريف محبوس!”
اتسعت عيني بذهول: “محبوس؟! فين؟ ومين اللي حابسه؟”
مريم كملت وهي بتبص للعلبة:
“جوزي.. طارق.. هو اللي حابسه من سنتين! طارق اكتشف إن شريف شغال في شركة ديكورات كبيرة، وعنده أدلة ودلائل على غسيل أموال وأعمال غير قانونية طارق متورط فيها مع ناس كبار في البلد. شريف لما عرف، حاول يبلغ.. بس طارق خطفه وحبسه في مكان خفي ورئ نائي بعيد عن القاهرة، وعاوزه يبصم على ورق يتنازل فيه عن كل الأدلة دي ويشيل هو القضية.”
الدم اتجمد في عروقي. جوزي وقف من طوله مش مصدق اللي بيسمعه:
“طارق جوزك؟ رجل الأعمال المعروف؟! هو اللي عمل كده؟!”
مريم هزت رأسها وهي بتبكي:
“أيوة.. وطارق كان شاكك فيا طول الوقت، وكان مراقب تليفوني وكل خطواتي. المكان الوحيد اللي ما كانش يقدر يراقبني فيه بذكاء كان المطعم ده.. عشان كنت باخد آدم معايا، وطارق كان فاكر إن أنا بروح أساعد طفل متوحد وبس. شريف قبل ما يتخطف بيومين، كان حاسس إن طارق بيلف حوليه، فجيه المطعم ومعه العلبة دي.. وخباها تحت الترابيزة بمساعدة آدم، وقال لآدم: ‘العلبة دي أمانتك يا بطل.. لما تكمل 18 سنة وتسلمها لأمك، هي اللي هتعرف تخلصني’.”
التفتت لآدم وأنا مش مصدقة حجم المسؤولية والسر اللي كان شايله الطفل ده في قلبه وعقله طول السنين دي من غير ما يفتح بوقه كلمة واحدة.
سألت مريم بنبرة مرعوبة:
“والراجل اللي ادتيه الظرف من ست شهور في المطعم؟ ده مين؟”
مريم ردت:
“ده كان حارس من حراس المزرعة اللي شريف محبوس فيها.. كنت برشوه بفلوس عشان يوصل لشريف أكله وأدويته، وعشان يضمنلي إن شريف يفضل عايش! والظرف كان فيه فلوس ذهب أخدتها من خزنة طارق جوزي من غير ما يعرف!”
بصيت للعلبة الخشبية اللي في نص الترابيزة. مسكت سكينة صغيرة من المطبخ، وبأقصى قوة عندي كسرت القفل المصدي.
القفل اتكسر، واتفتحت العلبة.






