
جوة العلبة كان في فلاشة ميموري صغيرة، ودفتر ملاحظات أسود صغير مكتوب بخط إيد شريف، وجنبهم كان في مفتاح قديم ذو شكل غريب، وأخيراً.. كارت معادي مكتوب عليه بخط واضح ورسم هندسي دقيق:
“إلى أمل وآدم.. لو العلبة دي اتفتحت، يبقى أنا لسه عايش في المزرعة القديمة في طريق السويس.. والمفتاح ده بيفتح الخزنة السرية في مكتب طارق اللي فيها العقود الحقيقية. بس أوعوا تروحوا لوحدكم.. طارق مراقب البيت ده من النهاردة!”
-
حكايات امانى السيد 2منذ ساعتين
-
حكايات امانى السيد 1منذ ساعتين
-
حكايات نرمين عادل 2منذ 5 ساعات
-
حكايات زهره الربيع 3منذ 17 ساعة
وفي نفس اللحظة اللي قريت فيها الجملة الأخيرة.. رن جرس باب الشقة بقوة وعنف، وصوت خبطات متتالية ومرعبة هزت الخشب!
تصلبت أجسادنا جميعًا في مكانها، وتحولت الخبطات العنيفة المتتالية على باب الشقة إلى كابوس يتردد صداه في كل أركان المكان. كانت الضربات قوية ومتسارعة، كأن الشخص الواقف بالخارج لا يحاول الاستئذان، بل يسعى لكسر الخشب واقتحام البيت.
مريم أطلقت صرخة مكتومة، وانكمشت في زاوية الكنبة وهي تغطي وجهها بيديها المرتجفتين، بينما انقبض وجه زوجي وغطت عليه علامات الغضب والذعر في آن واحد. التفت إليّ وهو يهمس بصوت مبشوح:
“طارق… طارق عرف إننا هنا! طارق مراقب مريم من الأول!”
أما آدم، فكان التصرف منه هو الأغرب على الإطلاق. ببرود عجيب وثبات لم نعهده فيه طوال سنوات عمره الـ 18، امتدت يده بهدوء إلى الترابيزة، وسحب الفلاشة، ودفتر الملاحظات الأسود، والمفتاح النحاسي، وأدخلهم جميعًا في جيب بنطاله العميق، ثم أغلق العلبة الخشبية الفارغة وأعادها إلى منتصف الترابيزة كما كانت.
نظر إليّ آدم بثبات وقال بصوت خفيض:
“ماما.. العلبة فاضية دلوقتي. خليه يقتحم.. هو مش هيلاقي حاجة.”
اقترب زوجي بخطوات حذرة نحو باب الشقة، ونظر من العين السحرية. رجع خطوتين للوراء وهو يلهث، ووجهه خالٍ تمامًا من الدماء.
“مش طارق لوحده.. طارق واقف ووراه رجلين ضخام ببدل سوداء.. شكلهم مسلّحين!”
ارتفع صوت طارق من خلف الباب، صوت سرد حاد وخالٍ من أي رحمة:
“افتح الباب يا إبراهيم! أنا عارف إن مريم جوة.. وعارف إنكم أخدتوا الحاجة من المطعم! بلاش تكبروا الموضوع وتدخلوا نفسكم في كابوس مش هتعرفوا تخرجوا منه.. افتح بالتي هي أحسن بدل ما الباب ينكسر فوق رؤوسكم!”
تصاعدت التهديدات، ولم يكن أمامنا خيار. كان زوجي يعلم أن الباب لن يصمد لأكثر من دقيقتين أمام هؤلاء الرجال. التفت إليّ وقال بصوت سريع ومضطرب:
“أمل.. ادخلي الأوضة جوة أنتِ وآدم ومريم واقفلي عليكم بالمفتاح.. أنا هفتح له وهحاول أمتص غضبه وأكسب وقت.”
“لا يا إبراهيم!” صرخت بصوت خافت، “لو فتحت له هيقتلك!”
لكن زوجي دفعنا برفق وصارمة نحو الممر الداخلي للشقة. دخلنا غرفة النوم الرئيسية، وأغلقت الباب بالمفتاح، وحصنته بكرسي خشبي ثقيل تحته. وفي اللحظة التالية مباشرة، سمعنا صوت الباب الخارجي يفتح، ثم صوت خطوات ثقيلة ومجرمة تطأ أرضية الصالة.
صوت طارق كان يتردد في الشقة كأنه فحيح أفعى:
“فين العلبة يا إبراهيم؟ وفين مريم؟”
صوت زوجي حاول أن يكون متماسكًا:
“أنت تجرأت واقتحمت بيتي يا طارق؟ أخرج برة فورًا وإلا هطلب النجدة!”
ضحكة ساخرة ومستفزة صدرت من طارق، تلاها صوت صفعة قوية وسقوط جسد زوجي على الأرض بصوت مرتطم!
صرخت مريم من وراء باب الغرفة المغلق، بينما اتسعت عيناي بالرعب. سمعنا صوت طارق يقترب من باب الغرفة التي نختبئ فيها، وقرع على الخشب ببطء مرعب:
“مريم… أخرجي يا حبيبتي. أخرجي واديني الحاجة اللي شريف سابها في المطعم، وأنا أوعدك إن محدش هيتأذى.. لا أنتِ، ولا صاحبك إبراهيم، ولا حتى الطفل المتوحد ده.”
في هذه اللحظة، اقترب آدم مني، ومسك يدي بقوة. أخرج هاتفه المحمول الصغير من جيبه. كانت مفاجأة لي؛ لم أكن أعلم أنه يحمله. فتح شاشة الهاتف، وأراني رسالة نصية قديمة محفوظة على الجهاز منذ عدة أشهر، مكتوب فيها بخط شريف:
“يا آدم.. لو طارق وصل لكم، في سلم طوارئ ورا شباك المطبخ ينزلكم على المنور الخلفي للعمارة.. اطلعوا منه على الشارع التاني بسرعة.”
بصيت لآدم بذهول وأنا مش مصدقة العقل والترتيب اللي كان شريف بيمهد له من سنين!
سحبت مريم من يدها، وأشرت لها بالسكوت التام. تحركنا بأقدام حافية وبأقصى درجات الهدوء عبر الباب الداخلي للغرفة الذي يربطها بالمطبخ. فتحنا شباك المطبخ المجهّز بسلم حديدي قديم للمنور الخلفي.
بدأت مريم بالتسلل أولاً، تلاها آدم بكل ثبات، ثم نزلت أنا خلفهما مباشرة. كانت المسافة مظلمة وصعبة، لكن الخوف من طارق ورجاله كان يدفعنا للأسفل بسرعة جنونية.
بينما نصل إلى أرضية المنور الخلفي، سمعنا صوت تحطم باب الغرفة فوقنا بصوت مدوٍّ، وصراخ طارق الغاضب وهو يكتشف أن الغرفة فارغة وأن العلبة الخشبية الموجودة على ترابيزة الصالة لم تكن سوى خدعة!
خرجنا من الباب الخلفي للعمارة إلى الأزقة الضيقة المؤدية للشارع الرئيسي. كانت أيدينا ترتجف، والدموع تغطي وجوهنا، وأنفاسنا تتقطع.
توقفت مريم وهي تلهث، وقالت بصوت خائف:
“هنروح فين دلوقتي؟ طارق هيدور علينا في كل مكان، وجوزك إبراهيم محبوس عنده في الشقة!”
في هذه اللحظة، أخرج آدم الفلاشة والمفتاح النحاسي من جيبه، ونظر إليّ بعينين حادتين وقويتين وقال:
“ماما.. المفتاح ده مش بيفتح خزنة طارق بس.. المفتاح ده بيفتح باب المزرعة القديمة اللي شريف محبوس فيها في طريق السويس. شريف قاللي لو طارق هاجمنا.. نروح المزرعة فورًا ونخرّجه، عشان هو الوحيد اللي معاه الباسورد بتاع الفلاشة دي!”






