
أدركت في تلك اللحظة أننا لسنا في موقف دفاع فقط، بل في سباق مع الزمن. إذا أردنا إنقاذ زوجي إبراهيم، وإحكام القبضة على طارق وإعادة شريف للنور، كان علينا اتخاذ القرار الأكثر جرأة وخطورة في حياتنا: الذهاب مباشرة إلى المزرعة المهجورة في منتصف الليل.
أوقفت سيارة أجرى تصادف مرورها في الشارع الفارغ، وركبنا جميعًا في المقعد الخلفي.
-
رجعت حكايات رومانى مكرم 2منذ 15 دقيقة
-
رجعت حكايات رومانى مكرم 1منذ 27 دقيقة
-
حكايات امانى السيد 2منذ 3 ساعات
-
حكايات امانى السيد 1منذ 3 ساعات
نظر السائق إلينا في المرآة باستغراب من وجوهنا الشاحبة وأنفاسنا المتسارعة، وسأل:
“على فين يا هانم؟”
نظرت إلى آدم، الذي أمسك بيدي وقبض عليها بصلابة، ثم التفتت إلى السائق وقلت بصوت محمل بالتصميم والخوف:
“على طريق السويس الصحراوي… المزرعة القديمة!”
قطعت سيارة الأجرة طريق السويس المظلم في منتصف الليل كالسهم، وكان الصمت داخل السيارة أثقل من ظلام الطريق الخارجي. مريم كانت تتشهد بصوت خافت وترتجف، وأنا كنت أعتصر يد آدم، بينما كان هو يراقب شاشة هاتفه ويحدد الاتجاهات بفضل خرائط دقيقة كان شريف قد حُفظها له قبل سنوات.
وصلنا إلى مدخل ممر ترابي يعلوه لافتة حديدية مائلة ومتهالكة لمزرعة قديمة. أوقفت السائق وطلبنا منه الانتظار بعيدًا تحت الأشجار. خيم الخوف على المكان؛ لا صوت سوى صفير الرياح الخفيفة ونباح كلاب من بعيد.
تحركنا بخطوات خفيفة ونحن نلتصق بالجدران المتهدمة حتى وصلنا إلى الباب الحديدي الضخم للمزرعة. كان مغلقًا بسلسلة ثقيلة وقفل نحاسي ضخم. أخرج آدم المفتاح من جيبه، ووضعه في القفل بثبات دون أن يتردد لحظة واحدة. دار المفتاح بصوت “تكة” خفيفة، وسقطت السلسلة على الأرض.
أنزلنا القفل ببطء ودخلنا. كانت المزرعة عبارة عن جمالون واسع مليء بالآلات القديمة والتراب. وفي آخر الجمالون، كان هناك غرفة صغيرة يخرج من تحت بابها شعاع ضوء خافت.
تقدمنا بحذر، ودفعت الباب ببطء.
على كرسي خشبي قديم، كان هناك رجل نحيل، شعره أثعث، وملامحه منهكة للغاية لكنها أليفة. كان شريف. يداه كانتا مقيدتين بسلسلة إلى الجدار خلفه، وأمامه طاولة عليها بعض بقايا الطعام والمياه.
رفع رأسه ببطء، وحين وقعت عينيه على آدم، اتسعت حدقتاه وانهالت الدموع من عينيه فورًا:
“آدم… أمل… مريم؟ أنتم هنا؟!”
ركضت مريم ونشجت بصوت مكتوم، بينما أسرع آدم ومعه المفتاح الثاني الصغير الموجود في نفس ميدالية المفاتيح، وبدأ يفك قيود شريف.
قال شريف بصوت متقطع وهو يحاول الوقوف على قدميه المجهدتين:
“طارق… طارق عرف المكان؟”
قلت له وأنا أحاول إسناده:
“طارق اقتحم بيتنا يا شريف، وحبس زوجي إبراهيم، ودلوقتي أكيد يدور علينا! لازم نخرج من هنا فورًا ونروح للشرطة!”
ابتسم شريف ابتسامة تعب، وأخرج من تحت أرضية الغرفة المتآكلة جهاز لاب توب صغير محمول ومحمي بغطاء مضاد للماء، وقال بصوت صلب:
“مش هنروح للشرطة إيدينا فاضية يا أمل. طارق راجل واصل وممكن يخرج منها لو معاكيش دليل قاطع. الفلاشة اللي مع آدم عليها نصف شفرة الحسابات المشبوهة، واللاب توب ده عليه النصف الثاني. بدمجهم مع بعض، البلاغ بيروح إلكترونيًا مباشرة للنيابة العامة وقطاع الأموال العامة في نفس اللحظة!”
وضع آدم الفلاشة في جهاز اللاب توب، وبدأ شريف يكتب الشفرة بسرعة وأصابعه تتنقل بين الحروف والقاموس المعقد الذي ابتكره. كان آدم يقف بجانبه، ويساعده في إدخال الأرقام السرية التي كان قد حفظها منه في المطعم كأنها لعبة أرقام!
وفجأة… أضيئت أضواء السيارات الساطعة خارج المزرعة، وصاح صوت بوق سيارات مرتفع! طارق ورجاله وصلوا!
دوى صوت طارق عبر مكبر صوت صغير من الخارج:
“شريف! أمل! اخرجوا باللي معاكم بدل ما نسوّي المزرعة دي بالأرض! المكان محاصر!”
صرخت مريم بانهيار، لكن شريف بصلنا وقال بثبات:
“فضل 30 ثانية بس على رفع الملفات للجهات الرسمية… اشغلوا طارق لثواني معدودة!”
جمعت كل شجاعتي، وخرجت إلى أعتاب باب المزرعة تحت الأضواء الكاشفة. كان طارق يقف وبيده سلاح، وحوله ثلاثة رجال مدججون بالسلاح.
قلت له بصوت عالٍ وثابت:
“طارق! جوزي فين؟ لو جراله حاجة مش هترحمني!”
ضحك طارق بشر:
“جوزك في أمان يا أمل… اديني الفلاشة وشريف، وهنسيكم اسمي واسم مريم، وكل واحد يرجع لحياته!”
في تلك اللحظة بالذات، انطلقت نغمة تنبيه قوية ومستمرة من هاتف طارق، وفي نفس الوقت رنت هواتف رجاله! كانت إشعارات رسمية وأوامر ضبط وإحضار عاجلة صُدرت إلكترونيًا وبشكل فوري من النيابة العامة بناءً على الوثائق الدامغة التي أُرسلت للتو وتضمنت تسجيلات وصور ومستندات لا تقبل الشك!
تغيرت ملامح طارق كليًا، وانسحب الدم من وجهه وهو يقرأ الرسالة على شاشة هاتفه، ورجاله بدأوا يتراجعون للخلف بخوف وذعر.
وفي نفس اللحظة، دوت أصوات سرينات سيارات الشرطة التي كانت تقترب بسرعة جنونية من الطريق الرئيسي، بعد أن أرسل نظام البلاغ الإلكتروني إحداثيات الموقع تلقائيًا مع الملفات!
حاول طارق الهرب وركوب سيارته، لكن سيارات الشرطة قطعت عليه الطريق في ثوانٍ، ونزل رجال الأمن وألقوا القبض عليه وعلى حراسه متلبسين في المزرعة.
بعد مرور أسبوعين…
كنا نجلس جميعًا في نفس المطعم البسيط، لكن هذه المرة تحت أشعة الشمس الدافئة وفي أجواء مليئة بالهدوء والأمان.
تحررت مريم كليًا من كابوس طارق بعد القبض عليه وتثبيت التهم عليه وعزلها عنه قانونيًا، وعاد زوجي إبراهيم إلينا سالماً بعد أن حررته الشرطة من الشقة. أما شريف، فقد استرد عافيته وشرفه أمام الجميع، وبدأ بالفعل في إجراءات تأسيس مركزه الخاص لتأهيل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، بدعم كامل منا جميعًا.
جاءت الجرسونة الكبيرة في السن وهي تحمل طبقًا كبيرًا من الحلوى، ووضعتها أمام آدم وابتسمت بحنان.
نظر إلينا آدم، ثم التفت إلى مريم وشريف، وأخيرًا مسك يدي وابتسم ابتسامة هادئة وعميقة، وقال بصوت دافئ:
“النهاردة… البطاطس طعمها حلو أوي يا ماما.”
ابتسمت ودموع الفرح تسيل على خدي، وأدركت أن كل لحظة صعبة مررنا بها كانت الطريق الذي قادنا أخيرًا للعدالة، ولحياة جديدة يستحقها ابني بطل هذه القصة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




