روايات وقصص

حكايات امانى السيد 2

مسكت الورقة بين إيدي، ونظري متثبت على رقم “٢٠٠ مليون دولار”. الريح كانت بتطير أطراف الورقة السودا، والشمس الصابحة على كورنيش النيل مكنتش قادرة تشتت البرودة اللي تسربت لجسمي. بس اللي كتب الرسالة دي كان جاهل بأهم حقيقة عني: أنا مابخافش من الأرقام الكبيرة.. أنا شغلتي أصلاً هي التعامل مع المبالغ اللي تهز أسواق.

 

ركبت عربيتي، حطيت الظرف الأسود في شنطتي، وطلعت موبايلي الثنائي التشفير. اتصلت باللواء صلاح، رئيس قطاع مكافحة جرائم الأموال العامة والهيئة العليا للرقابة المالية، واللي كان صديق وزميل دراسة قديم في الماجستير.

“صلاح بيه.. في تطور جديد في قضية طارق الألفي وشريف. وصلني تهديد مباشر دلوقتي، والعملية مش مجرد تزوير تسهيل بـ ٥ مليون ولا بضايع بـ ٣٠ مليون.. إحنا بنتعامل مع غسيل أموال برقم ضخم، ٢٠٠ مليون دولار، وفي رأس كبيرة جوه الجهاز المصرفي بتغطي عليهم.”

صلاح سكت لثواني، ونبرة صوته تحولت من الصداقة للجدية المفرطة: “نادين.. أوعي تتحركي من عندك. اسم العملية دي ‘الشبكة البيضاء’، وإحنا بنراقب الحسابات الخاصة بيها من ٦ شهور، بس مكنش عندنا خيط ملموس يربط الحسابات الشبحية بالتحويلات الخارجية إلا لما أنتِ فرقعتي القنبلة بتاعة طارق الألفي الصبح. الأوراق اللي طارق استخدم فيها اسمك كانت جزء من الغطاء الداخلي لتسهيل خروج المبالغ دي بره مصر تحت مسمى ‘استيراد معدات ثقيلة’.”

قاطعته بثبات: “مين رأس الأفعى يا صلاح؟”

رد ببطء: “الدكتور عبد المجيد الهواري.. عضو مجلس الإدارة التنفيذي للبنوك الاستثمارية، ورئيس لجنة الائتمان العليا اللي سلمك الكارنيه بنفسه امبارح.”

الاسم نزل عليا زي الصاعقة، بس في نفس الوقت كل المكعبات ركبت فوق بعضها. عبد المجيد الهواري هو اللي كان بيضغط عشان ترقيتي تم بسرعة، مش إيماناً بكفاءتي وبس، لكن لأنه كان مقتنع إن زوجة محاسب بسيط زي شريف، وعندها مشاكل عائلية وضغوط مالية، هتبقى صيد سهل أو كبش فداء مثالي لما العملية الكبيرة تفرقع! هما كانوا شايفيني مجرد “واجهة” جاهزة تشيل الشروخ لما المنظومة تقع.

قلت لصلاح بصوت حاد كالحديد: “الهواري افتكر إنه اشترى سكوتي بالترقية، وافتكر إن شريف وطارق هيعرفوا يسيطروا عليا أو يكسروا عيني بالبدل المتقطعة والتهديد.. هما ميعرفوش إني مابسبش ثغرة في أي ملف بمسكه.”

في نفس اللحظة، جالي إشعار بقبول طلب زيارة عاجل في سجن طرة. المحامي بتاعي هشام كان بعتلي إن شريف وزينات وكاميليا بيستغيثوا وبيطلبوا المقابلة قبل جلسة تجديد الحبس الصبح.

بعد ساعتين، كنت واقفة في غرفة الزيارات الحديدية في السجن.

الباب اتفتح، ودخل شريف وزينات وكاميليا. منظره يقطع القلب لأي حد عادي، بس بالنسبة ليا كان مجرد مشاهد لوحة قصاص عادل. زينات هانم اللي كانت امبارح ماسكة المقص الشرير وبترمي عليا الرماد، كانت لابسة عباية بيضا مستعملة، وشعرها اللي كانت بتتباهى بيه متنعكش ووشها مجعد من البكاء. كاميليا كانت قاعدة على الكرسي منهارة تماماً، ضوافرها المتقلمة وشياكتها المفتعلة اختفت، وعينيها متورمة.

أما شريف.. فكان باصص في الأرض، إيديه في الكلبشات، والبدلة اللي كان فاكر نفسه بيها “سي السيد” بقت متبهدلة ووسخة.

أول ما زينات شافتني، اترمت على الركب قدام التربيزة المصفحة، وصرخت بصوت مبحوح: “نادين! يا بنتي أرجوكي! أبوس إيديكي ورجليكي أخرجينا من هنا! إحنا باتنا في التخشيبة مع المجرمات! كاميليا اتضربت جوه وشريف اتهان! والله ما كنا نعرف إن طارق وجوزها بيلعبوا بالمليارات! إحنا كنا فاكرينها سبوبة صغيرة ناخد منها قرشين ونعلمك الأدب!”

كاميليا بكت بهستيريا: “نادين أرجوكي! طارق اعترف عليا في النيابة وقال إني كنت بصممة الأوراق المزورة! أنا عندي عيال يا نادين! هيروحوا فين؟ شريف هو اللي أخد بطاقتك الضريبية من التسريحة وأداها لطارق!”

شريف رفع راسه بصعوبة، ونظرة الانكسار في عينيه كانت أكبر من أي كلمة: “نادين.. أنا أسف. أنا اعترفت بكل حاجة للنيابة. اعترفت إن أمي وكاميليا هما اللي زقوني أعمل كده عشان نكسر عينك ونخليكي تستقيلي قبل ما تكتشفي لعب طارق في الحسابات. أنا كنت غيران منك.. كنت حاسس إني ولا حاجة جمبك، والغيظ عماني لما لقيتك بتدفعي كل حاجة وأنا مجرد ظل. عبد المجيد الهواري هو اللي وصل طارق بيا.. هو اللي قال لطارق ‘مرت شريف هي الساتر المثالي’.”

قربت من السلك الفاصل، وبصيت لشريف في عينيه ببرود: “يعني أنت عارف إن عبد المجيد الهواري ورطني؟ وكنت موافق إن اسمي وسمعتي يروحوا في داهية وتترمى في السجن مكانه؟”

شريف وهو بيعيط: “كانوا يوهموني إنك معصومة بمنصبك، وإن مفيش حد يقدر يمسك! نادين.. لو سحبتِ البلاغ وقبلتِ التسوية، النيابة هتوجه التهمة لطارق والهواري بس! أرجوكي انقذي جوزك وأمك!”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى