روايات وقصص

حكايات اسما، 2

قوات الشرطة اللي اتجمعت على السلم تمكنت من فتح باب الشقة في نفس اللحظة اللي كانت أختي وجوزها بيحاولوا يهربوا فيها لمكان اختباء. كانت الأصوات مليانة ارتباك وخوف، وجوز أختي يتحدث بسرعة وأختي تؤكد إنها ملهاش ذنب.

دخل الضابط المسؤول ووراه أمناء الشرطة، ولما شافوني أنا وبنتي واقفين في الصالة مفرودين من الخضة، بصلي باهتمام وسألني بصوت حازم بس فيه نبرة إنسانية:

— إنتِ المدام أميرة؟ مين اللي كان بيحاول يدخل الشقة عليكي بالقوة؟

بلعت ريقي بصعوبة، ورفعت إيدي اللي كانت ماسكة المفتاح والورقة وقربتها منه وأنا بصوت بيترعش:

— هما دول… أختي وجوزها… والمفتاح ده هو اللي خلاهم في حالة هلع وعايزيني أسلمه لهم بأي ثمن. ده مفتاح خزنة قديمة فيها مستندات وأدلة تدين شبكة آثار جوزي المرحوم كان بيحاول يبلغ عنها قبل ما يتعرض لحادث أودى بحياته!

الضابط بص للمفتاح والورقة اللي في إيدي، وعينيه لمعت بفهم عميق. خد مني المفتاح بحرص شديد وحطه في محفظة بلاستيكية، وقال لرجالته بصوت قاطع:

— خدوا المتهمين دول لعربة الشرطة فوراً، وافحصوا كل شبر في عربيتهم. والمدام أميرة وبنتها هيركبوا معانا بهدوء عشان ندون أقوالهم ونأمنهم في مكان آمن.

ركبنا عربية الشرطة أنا وبنتي اللي كانت نايمة على كتفي ومغمضة عيونها من كتر الخوف والإرهاق. طول الطريق وأنا باصة من الشباك، حاسة كأن فترة طويلة وصعبة انتهت، وبدأت صفحة جديدة من العدل والإنصاف.

وصلنا قسم الشرطة، وقعدت مع المحقق اللي استمع لكل تفاصيل الحكاية من أول بيع الجاكيت بـ 800 جنيه وحتى صرخة بنتي وهي بتطلع المفتاح من الجيب. فرجت المحقق على الورقة اللي بخط إيد جوزي، واللي كانت بمثابة طوق نجاة وشهادة وفاة وحياة في نفس الوقت.

بعد ساعات طويلة من التحقيقات وتفريغ أقوال أختي وجوزها واعترافاتهما المبدئية، تم إصدار أمر بإرسال قوة خاصة رفقة الخبراء والأدلة الجنائية إلى “المخزن القديم” اللي أشار ليه جوزي في ورقته.

أنا وبنتي اتقعدنا في استراحة القسم تحت رعاية ضابط محترم أمننا وطلب لنا أكل ومشروبات دافية لحد ما ترجع القوة.

بعد حوالي ثلاث ساعات، رجع الضابط المسؤول وملامحه فيها ابتسامة واسعة، ودخل الاستراحة وقال لي بصوت متهلل:

— يا مدام أميرة، أحب أقولك إن اللي عملتيه ساعد في كشف قضية كبيرة! دخلنا المخزن بالمفتاح اللي كان معاكي، ولقينا الخزنة مليانة بقطع آثار أصلية نادرة، ومستندات ودفاتر حسابات فيها أسماء أكبر تجار آثار ورشوة في البلد، وطبعاً أسماء الشبكة بالكامل وعلى رأسهم جوز أختك اللي اعترف بكل حاجة أول ما واجهناه بالمستندات!

حسيت بروحي بترجعلي، وسجدت على الأرض في قلب الاستراحة أحمد ربنا شكراً على فضله ورحمته بيا وبنتي اليتيمة.

بعد يومين، كانت القضية مالية الجرايد ووسائل الإعلام. جوز أختي والشبكة اتعرضوا للنيابة العامة وصدر قرار باستمرار احتجازهم على ذمة التحقيقات بتهم التسبب في الوفاة وتجارة الآثار وغسيل الأموال، أما أختي فتم احتجازها لثبوت تورطها والتستر على جرائم جوزها ومعرفتها بمكان المستندات ومحاولتها إخفاء الأدلة.

الدولة أصدرت بيان رسمي بتكريم اسم زوجي المرحوم واعتباره “شهيد الواجب” لأنه ضحى بحياته عشان يحافظ على آثار بلده، وتحدد لي ولِبنتي تعويض مالي ضخم جداً يليق بالتضحية العظيمة اللي قدمها، ده غير استرداد كل أملاك العيلة اللي كانت مسلوبة مننا.

في يوم شتوي جديد، كنت واقفة قدام شباك بيتنا الجديد الواسع والنظيف، وبصيت لبنتي وهي لابسة جاكيت جديد وجميل، بتلعب وبتضحك بصوت عالي وهي باصة لأشعة الشمس اللي دخلت تملى البيت كله دفا وأمان.

بصيت للسماء ورفعت إيدي وأنا ببتسم وبدموع الفرح سايحة على خدودي:

— شكرًا يا رب… حقنا رجع، وبنتي هتعيش مرفوعة الراس طول عمرها.

مرت السنين بسرعة، وكأن الأيام بتجري عشان تعوضنا عن كل لحظة مرارة وقهر عشناها. الشقة الجديدة بقت مليانة بركة وحياة، وريحة الأمان بقت هي المسيطرة على كل ركن فيها.

بنتي كبرت وبقت شابة صغيرة، ذكية ومتفوقة في دراستها، وكل سنة في ذكرى وفاة أبوها، كنا بنقعد مع بعض نقرأ له الفاتحة ونتكلم عن شجاعته وتضحيته العظيمة. صورة أبوها اللي بقت معلقة في صدارة الصالون كانت دايماً بتديني القوة والثبات، وبتفكرني إن الصبر آخره فرج عظيم.

أما عن أختي، فالقضية خلصت تماماً، وكان احتجازها درس مرير لكل اللي يعرفونا. في يوم من الأيام، وأنا خارجة من السوبر ماركت، جه شخص ناداني بصوت مكسور:

— يا أميرة… لو سمحتي، دقيقة واحدة.

التفتت، ولقيت قدامي جارتنا القديمة اللي كانت عارفة كل تفاصيل حياتنا زمان. كانت باصة لي باحترام وعيونها مدمعة. قربت مني وقالتلي بصوت واطي:

— أختك… في مكان الاحتجاز حالتها تصعب على الكافر. طلبت مني أبلغك إنها بتموت بحسرتها، وبتتمنى بس تشوفك مرة واحدة عشان تبوس إيدك وتطلب منك السماح على اللي عملته فيكي يوم الجاكيت والـ800 جنيه.

وقفت لحظة أستوعب كلامها. حسيت بغصة في قلبي، ووجع قديم صحي لفترة قصيرة، لكن تذكرت القسوة والشماتة والنظرة اللي باعتني بيها عشان شوية ورق. هزيت رأسي بهدوء، وبصيت للجارة وقلت بصوت هادئ وثابت:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى