روايات وقصص

حكايات شيمو 2

خرج من شارع أهلها وهو يجرّ أذيال الخيبة والهوان، الشارع اللي كان بيعتبر نفسه فيه البطل والآمر الناهي، بقى بالنسبة له ساحة لإعدام كرامته. أصدقاؤه في المنطقة، اللي كان زمان بيقعد معاهم في القهاوي ويتباهى ببرود: “سيبها تصدي، مش هطلقها لو طارت للسما”، كانوا دلوقتي باصين له بنظرات ممتلئة بالشماتة والسخرية. الخبر انتشر في المنطقة زي  في هشيم؛ الراجل اللي سافر الخليج مغرور وفاكر إنه معلّق مراته، راجع يكتشف إنها اتخلعت منه رسمياً من أربع سنين، اتجوزت راجل محترم، وسافرت، وخلفة ولد وبنت، وراجعة تقضي إجازتها في نفس الشارع وهي في قمة عزّها وسعادتها!
رجع بيت أهله في حالة من الهستيريا والذهول. أول ما دخل من الباب،  على أمه وأخته  أركان البيت:
“أنتم السبب! أنتم اللي ضيعتوني! الإعلانات اللي كانت بتيجي من المحكمة كنتوا بتاخدوها وترموها في الزبالة؟! ما حدش فيكم تكرم يرفع التليفون يقول لي إن فيه قضايا شغالين فيها ضدك؟! كنتم سايبيني عايش في السعودية فاكر إني كاسر عينها وهي بتلعب من ورايا وبتاخد أحكام ضدي؟!”
أمه بكت وبصت له بأسف وقالت:
“يا بني اتقِ الله في نفسك وفينا! الإعلانات لما كانت بتيجي، كنا بنقول لك انزل يا بني حل مشاكلك مع مراتك بالمعروف أو طلقها واديها حقوقها، كنت بتهيننا وتقول لنا حدش يدخل! كنت بتقول لنا بسخرية ‘سيبوها تعمل اللي هي عايزاه، المحاكم مش هتعمل لها حاجة أنا مسافر’. افتكرت إن القانون لعبة في إيدك وأن ربنا نسيها! الست طلبت طلاق بالمعروف رفضت، لجأت للقانون وربنا نصرها، أنت اللي عميت عينك بنفسك عن الحقيقة!”
الكلمات كانت بتنزل عليه زي الصياط. لكن عقله المغرور والمريض رفض يتقبل الهزيمة. الرغبة في   فقط هي اللي بقت تحركه. كان عايز  كل حاجة حواليه، مش عشان بيحبها ولا عشان عايش على أمل يرجعها، لكن لأن كبرياءه الذكوري الجريح مش قادر يستوعب إن فيه ست قدرت تتخطاه، وتخلعه، وتعيش حياة أنضف وأحسن بكتير من الحياة اللي كانت عايشاها معاه.
قضى الليلة دي مش قادر يغمض عينيه. أفكاره كانت بتاكله. وفي الفجر، حسم أمره وقرر يلعب آخر كارت عنده.
تاني يوم الصبح، طلع على محامي تاني، محامي معروف عنه إنه بيلف ويدور في الثغرات القانونية وبيدوّر على المشاكل.
قعد قدام المحامي ورمى له شوية فلوس على المكتب وقال له بصوت حاقد:
“أنا مش فارق معايا القضايا هتقعد سنة ولا عشرة، ولا فارق معايا الفلوس! أنا عايز أجرجرهم في المحاكم، عايز أخلي المهندس طارق ده وما أظنش إنه كسبها بسهولة يكره اليوم اللي فكر يتجوزها فيه! عايز أرفع قضية إسقاط حضانة للأولاد، أو قضية بطلان إجراءات الإعلان عشان أشكك في شرعية الجوازة دي وأعمل لهم  في قطر وفي شغل الراجل وفي السفارة!”
المحامي مسك القلم وفضل يقلب في ورقة الحكم القديمة اللي الزوج جاب صورة منها بجهد جهيد من المحكمة. بص المحامي للحكم وبعدين بص للزوج وهز رأسه وقال له:
“شوف يا باشا، القانون مش ألعاب نارية بنضربها في الهواء. حكم الخلع ده صدر بناءً على إعلان صحيح على محل إقامتك المسجل في بطاقتك الشخصية وفي عقودك الرسمية. وعصمتها منك انتهت قانوناً وشرعاً بعد الصيرورة النهائية للحكم وانقضاء العدة الشرعية. الجواز الثاني تمت إجراءاته بشكل شرعي وقانوني تماماً بعد ما الست بقت خالية من أي موانع شرعية. بالنسبة للحضانة؟ حضانة الأولاد الجدد دول من صلب المهندس طارق، مالكش أي صفة قانونية ولا حتة حق يسحملك تتكلم عنهم، دول مش أولادك أصلاً! ولو حاولت ترفع قضية بطلان أو تتهمهم بأي اتهام باطل، الراجل يقدر يرفع عليك قضية قذف وتعويض ويدخلك السجن، لأن معاهم مستندات رسمية موثقة من وزارة العدل والخارجية!”
الزوج ضرب بيده على المكتب وقال بغضب:
“يعني مفيش ثغرة؟! مفيش أي طريقة أخليهم يدفعوا ثمن اللي عملوه فيا؟!”
المحامي سكت شوية، وبعدين ابتسم ابتسامة خبيثة وقال:
“فيه طريقة واحدة… بس دي مش هتجيب لك الست، دي ممكن تعمل لغط وشوشرة، بس مخاطرتها عليك كبيرة جداً. طالما أنت مصر على الأذى، تقدر تقدم طلب إعادة نظر في دعوى الخلع بدعوى إنك كنت خارج البلاد وما تمش إعلامك بشخصك، وتبعت إنذارات رسمية على عنوان شغل طارق وعنوان سكنهم عشان تنكد عليهم إجازتهم وتعمل لهم شوشرة قدام الناس. لكن خليك عارف، المحكمة هترفض الطلب ده في الأغلب، وهم هيستخدموا الإنذارات دي ضيدك عشان يرفعوا عليك قضية بلاغ كاذب وإزعاج وتعويض مالي كبير!”
الزوج ما فكرش ولا لحظة في العواقب، وقال بلهفة وغل:
“اعملها! اكتب الإنذارات، وأنا هتكفل إني أوصلها بنفسي أو أخلي المحضر يروح لهم لبيت أهلها وفي الشارع قدام الناس كلها! لازم هيبتهم تكسر!”
وبالفعل، بدأ المحامي يجهز الأوراق الباطلة والإنذارات الكيدية. وكان الهدف الوحيد للزوج هو إنه يفسد عليهم إجازتهم في مصر ويسبب لهم حرج وفضيحة قدام الجيران والعيلة.
بعد يومين، كان المحضر طالع على بيت أهل الزوجة ومعه الإنذارات الرسمية. الزوج القديم كان واقف في أول الشارع بيتفرج من بعيد، مستني يراقب لحظة الانهيار والخوف اللي هتظهر على وش طارق وعلى وش زوجته لما يستلموا أوراق المحكمة ويحسوا إن الخطر بيهدد حياتهم واستقرارهم.
المحضر طلع العمارة، ونزل بعد عشر دقائق. الزوج القديم جرى على المحضر وسأله بلهفة:
“ها؟ سلمت لهم الإنذارات؟ شفت وشهم كان عامل إزاي؟ أ اكيد اتخضوا واتجننوا؟!”
المحضر بص له باستغراب واستحقار وقال له:
“أنا سلمت الإنذار للباشمهندس طارق بنفسه. الراجل قرأ الإنذار بمنتهى الهدوء، وابتسم وقال لي ‘تسلم يا متر، المحكمة هي الفاصل بيننا وبين المفتري ده’. وطلب مني أكتب في محضر التسليم إنه استلم بشخصه وجاهز للرد القانوني فوراً. الراجل ولا اتهز ولا خاف يا أستاذ، ده حتى أخد مراته وولاده بعد ما نزلت ونزلوا يتمشوا ويركبوا عربيتهم وكانوا بيضحكوا!”
الصفعة المرة دي كانت أشد من الأولى. الزوج القديم بص لأول الشارع، وفعلاً شاف عربية المهندس طارق طالعة من الشارع. طارق كان يسوق وهو هادي، والزوجة قعدة جنبه في الكرسي القدامي، لابسة شيك، ومبتسمة وهي بتلعب مع ولادها في الكرسي اللي ورا. السيارة عدت من جنب الزوج القديم وهو واقف على الرصيف، الزوجة بصت ناحيته بالصدفة، عينيها جت في عينيه للحظة واحدة…
اللحظة دي ما كانش فيها غضب، ولا انتقام، ولا خوف، ولا حتى كره!
اللحظة دي كان فيها حاجة واحدة بس، حاجة كسرت قلب الزوج القديم ونصفته نصين… كان فيها “اللامبالاة”!
بصت له وكأنها بتبص لشخص مجهول في الشارع، لراجل مالوش أي وجود في ذاكرتها ولا حياتها، وبعدين لفت وشها وسولفت مع زوجها طارق وضحكوا سوا، والعربية مشيت واختفت وسط زحمة القاهرة.
وقف الزوج في نص الشارع، الريح بتطير هدومه، وحاسس إنه مجرد شبح. الست اللي كان فاكر إن حبه أو كرهه هيحدد مصيرها، طلعت رمته ورا ظهرها تماماً

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى