
وصل بابا وعمي بعد أقل من ساعة.
أول ما فتحت الباب، بابا بص في وشي بثواني وشاف ملامحي اللي كانت أبعد ما يكون عن عروسة في ثالث يوم جوازها. المكان كان ساكت، وكراتين الهدايا والورد الدبلان على الترابيزة خلت الأجواء باينة ومكشوفة قبل ما أنطق بحرف.
دخل عمي وقعد، وبابا فضل واقف بيبص حواليه وسألني بنبرة مليانة قلق:
— فين جوزك يا بنتي؟ وإيه اللي جابنا على ملا وشنا كده في الوقت ده؟ فيه إيه؟
قعدت قدامهم على الكرسي، وطلعت الملف الأزرق اللي فيه كشف الحساب المختوم من البنك، وحطيته على الترابيزة بين بابا وعمي.
— بابا.. إنت عارف كويس أنا اشتغلت قد إيه وتعبت قد إيه عشان أعمل لنفسي اسم ومرتب وحساب في البنك. وعارف إن عمر ما حد حط إيده على جناحي ولا كسره.
— إيه الأرقام دي يا بنتي؟ — سألني بابا وهو بيشاور بإيده على السحوبات — دي مبالغ كبيرة أوي، مسحوبة من قبل الفرح بشهرين!
— دي سحوبات اتعملت من كارتي الشخصي من ورا ضهري. جوزي أخد بيانات الكارت والباسورد من على اللاب توب بتاعي بدون علمي. اشترى بيهم قطع غيار لعربيته، وهدايا لأمه وأخته في الشبكة، وأخيرًا امبارح.. اشترى أربع تذاكر سفر وأوضتين في الفندق لشهر العسل عشان أمه وأخته يجوا معانا.. وكان فاكر إني هسكت وأدفع وأنا ساكتة.
عمي ضرب إيده على حرف الترابيزة بغضب:
— يانهار مش فاهم! وهو فاكر الموضوع سايب كدة؟ بيمد إيده على فلوسك من غير إذنك وقبل ما تتقفل عليكم باب أوضة واحدة؟
— مش بس كده يا عمي.. لما واجهته امبارح، قال لي بمنتهى البساطة: “إحنا متجوزين وفلوسك بقت فلوسي”، ولما ألغيت الحجوزات ورجعت الفلوس لحسابي، ساب البيت وخرج بعد ما أمه اتصلت وهددتني وإنه لازم يطلقني عشان أنا “ما تربيتش” ورافضة أدفع عزمة العيلة.
بابا سكت تمامًا. النظرة اللي كانت في عينيه ما كانتش بس غضب، كانت وجع رجل حاسس إنه أدى بنته لشخص ما يصونهاش. حط الأوراق على الترابيزة وقام وقف، ومشى خطوتين في الصالة وهو بيتنفس بصعوبة.
— أنا اللي جوزتك ليه يا بنتي.. وأنا اللي سلمتك لإيده وأنا فاكر إنه راجل هيشيلك. تطلع دي أول أفعاله؟
قبل ما حد فينا يرد، سمعنا صوت المفتاح بيدور في الباب.
الباب اتفتح، ودخل هو.. بس ما كانش لوحده. كان معاه أبوه وعمه، وأمه واقفة وراهم ووشها مليان تحدي وشر. واضح إنه راح جاب عيلته كلها عشان يضغط عليا ويحجم الموقف قدام أهلي.
أول ما شافوا بابا وعمي قاعدين، أبوه اتفاجئ شوية، بس استدرك الموقف وحاول يظهر بمظهر المتزن، ودخلوا كلهم الصالة من غير حتى ما يسلموا بحرارة.
أمه دخلت وقعدت على أطراف الكنبة، وبصتلي بنظرة كلها استعلاء وقالت بصوت عالي:
— كويس إنكم جيتوا يا أبو فلان، عشان تشوفوا بنتك اللي جاية من أول يومين تعكر صفو جيبة ابني وتعملنا فضايح وتلغي حجوزات سفرنا وتتهم ابني في أمانته!
— اتفضل اقعد يا أبو فلان.. كويس إنكم جيتوا عشان الليلة دي لازم كل حاجة تتحط في الصحيح.
أبوه قعد وقال بنبرة هادية بس فيها مراوغة:
هنا عمي اتكلم بصوت حاد:
— مفهموم غلط إيه يا حاج؟ لما واحد يدخل في السر على كمبيوتر مراته وياخد بيانات كارتها الشخصي ويسحب منه مبالغ على مدار أربع شهور عشان يجهز نفسه ويصلح عربيته ويجيب هدايا لأهله من غير ما هي تعرف.. ده يسمى إيه في شرعكم وفي قانونكم؟
الكلمة دي.. “هو أنا اتجوزتها ليه؟”.. كانت الكلمة اللي كشفت كل حاجة بوضوح تام أمام الكل.
أمه اتدخلت بسرعة وقالت بثقة:
— أيوة طبعًا! لما تكون بتاخد مرتب كبير، يبقى من حق جوزها وبيتها ينوبهم من الحب جانب! ولا هي فاكرة إنها هتقعد تتفرج على فلوسها وابني شايل الحمل لوحده؟
بابا وقف فجأة، وهيبته كانت كفيلة تخلي الصالة كلها تسكت في لحظة. بص لجوزي من فوق لتحت وقال بنبرة متزنة بس ثقيلة زي الجبل:
— إنت اتجوزتها عشان تشيل معاك بالمعروف وبإرادتها، مش عشان تمد إيدك في جيبها من غير علمها. بنتي مش بنك فتحته بعقد الجواز، وبنتي تعبها وشقاها ملكها هي بس.. تساهم بيه لما تحب، ولما تلاقي راجل يصونها ويستاهل.
أبوه حاول يلطف الجو لما حس إن كلام ابنه وأمه بوّخ الموقف تمامًا:
— يا جماعة صلوا على النبي، حصل خير، والفلوس اللي اتسحبت دي هنشوف اتسحبت في إيه قاطعت أبوه ووقفت جنب بابا، وطلعت الملف البنكي وحطيته على الترابيزة قدام أبوه :
— مفيش سفر، ومفيش تصالح. دي كشوفات حساب رسمية من البنك بكل جنيه اتسحب بدون إذن، بالتواريخ ورقم الأجهزة اللي اتعملت منها المعاملات. المبالغ دي كلها لازم ترجع لحسابي في ظرف 48 ساعة.
جوزي ضحك بسخرية وهو بيبص لأمه:
— ترجع؟ وإذا ماتردتش؟ هتعملي إيه يعني؟ هترفعي عليا قضية؟ هتقولي للقاضي جوزي أخد فلوسي ونحن متجوزين؟
بصيت له بثبات التقطته من كل لحظة قهر عشتها الشهور اللي فاتت وقلت له:
— المعاملات دي بدايتها كانت من قبل الفرح بشهرين، يعني وقتها ما كناش متجوزين أصلًا. وده يسمى في القانون استيلاء ونصب باستخدام بيانات بنكية مسروقة.. والورق ده مختوم وجاهز إنه يروح للنيابة الصبح قبل البنك.
أمه صرخت وقامت وقفت:
— إنتِ بتهددي ابني بالنيابة يا بنت الإيه؟ طلقها يا ابني! طلقها وسيبها بالورق بتاعها ده! دي وحدة ما تنفعش تخش بيت ناس!
جوزي بصلي وهو فاكر إن كلمة “طلاق” دي هي الابتزاز اللي يخليني أترجع وأخاف على شكلي قدام الناس بعد يومين جواز. خطى خطوة ناحيتي وقال بغرور:
— سمعتي أمي قالت إيه؟ لو الورق ده ما اتقطعش دلوقتي، وحق السفرية دي ما اتدفعش، ورجعنا لحياتنا الطبيعية.. إنتِ مش هتفضلي على ذمتي ثانية واحدة!
بابا حط إيده على كتفي، وبص لجوزي وقال كلمة واحدة هزت الصالة:
— طلق.
ساد الصمت في الصالة كأن على رؤوس الجميع الطير. كلمة بابا الأخيرة قطعت آخر خيط كان ممكن يربطني بالحياة دي.
جوزي بَص لبابا بذهول، وبعدها بَص لي وهو مستني أتعصب، أصرخ، أو أترجاه يراجع نفسه عشان كلام الناس ورأي المجتمع في عروسة تتطلق بعد يومين بس. لكن لما شاف نظرة الهدوء والصلابة في عيني، وشبه رجع خطوة لورا.
أمه بصوت أعينها وهي بتبص لبابا:
— بقى كده؟ بتبيعوا وتشروا بكلمة طلاق كأنها لعبة؟ فاكرين ابننا ميترفضش؟ ده ألف مين تتمناه! طلقها يا ابني وخلصنا من العيلة دي!
أبوه حاول يمسك إيد جوزي ويهديه:
بس عمي وقف جنب بابا وقال بنبرة قاطعة:
— الخراب بدأ يوم ما ابنك فكر إن بنت الناس حيطة مائلة ومد إيده على بنك!
جوزي، وهو محاصر بغروره وشايف إن كرامته واهتزاز صورته قدام أهله أهم من أي حاجة، بَص لي وعينيه مليانة غل وقال:
— بقى كده؟ تمام! لو طالعة من الباب ده، مش هتشوفي جنيه من الفلوس دي، والفرش ده كله هيفضل هنا!
ابتسمت ببرود وطلعت الموبايل من جيبي، وشغّلت شاشة العرض وحطيت الملف المختوم من البنك على الترابيزة قدام أبوه مباشرة.
— الفلوس اللي اتسحبت قبل الفرح، دي قضايا استيلاء وسرقة إلكترونية صريحة، والبنك معاه تسجيل الـ IP ومكان الجهاز اللي اتعملت منه المعاملات. والورق ده لو وصل للمحامي الصبح، مش بس هيتفتح فيه محضر، ده هيترفع بيه بلاغ للنيابة العامة بتهمة خيانة الأمانة والنصب.
أبوه اتغير وشه تماماً أول ما سمع كلمة “نيابة وبلاغ”. بَص لابنه بغضب وسأله:
— هو الكلام ده صح يا ابني؟ إنت أخدت بيانات كارتها قبل الجواز أصلًا؟
جوزي اتلجلج وما عرفش يرد، وبدأ يفرك في إيديه وهو بيبص لأمه اللي كانت بتحاول تلاقي أي مخرج وتزعق:
— ما يثبتوا! هيعرفوا يثبتوا إزاي؟ دي مراته!




