
رديت عليها بصوت ثابت:
— البنك بيثبت كل حاجة بالساعة والدقيقة ومنين اتفتحت الصفحة. ويا طنط، أنا مهندسة وبفهم في التكنولوجيا كويس أوي وعارفة أطلع حقي إزاي.
أبوه مسك ابنه من دراعه وزقه على ورى بغضب:
— إنت عملت إيه يا غبي؟ إنت جيبتلنا المصايب عشان شوية مصاريف؟
في اللحظة دي، جوزي حس إن الأرض بتهتز تحت رجليه. النفوذ والسيطرة اللي كان فاكر إنه امتلكهم بعقد الجواز اتبخروا في لحظة. بَص لي وقالم يحاول يغير نبرته، نبرة الاستعلاء اختفت وحل محلها خوف حقيقي من الفضيحة والقانون:
— إنتِ بتهدي بيتك عشان شوية فلوس؟ أنا جوزك! لو مشينا في السكة دي مفيش رجوع!
— البيت اتهد يوم ما إنت استحلّيت تعبي ومديت إيدك على حق مش حقك — رديت عليه وأنا بتبصلوا مستقيمة الظهر — مش أنا اللي هبقى ضحية استغلال.
أبوه بَص لبابا وقال بنبرة انكسار:
بابا رد بثبات:
— الفلوس ترجع لحسابها، والقائمة وحقها القانوني يخلص هنا وبكرا. والمأذون يجي ينهي المهزلة دي. بنتي مش هتقعد في بيت اتقفل عليه باب الغدر من أول ليلة.
جوزي، وتحت ضغط أبوه وخوفه من المحاضر والبنك، وقّع على إقرار بالتزامه برد المبالغ كاملة خلال 24 ساعة كشرط لتفادي البلاغ الرسمي.
وقفت وأخدت شنطتي واللابتوب بتاعي، وأوراقي الرسمية. ما بصيتش ورايا ولا للورد الدبلان ولا للهدايا اللي في الصالة. كنت حاسة إن كل خطوة ببتعد فيها عن الشقة دي، برجع فيها لنفسي ولحريتي.
أمه كانت لسه بتمتم بكلام مش مفهوم وهي بتتحسر، بس أنا ما كملتش سماع. خرجت مع بابا وعمي، ولما باب العمارة اتدب ورايا، تنفست لأول مرة عميق جداً كأني كنت محبوسة تحت المية.
ركبت العربية جنب بابا، ومسكت إيده. بَص لي وقال:
— زعلانة يا بنتي؟
بصيت له وابتسمت ابتسامة حقيقية، مش زي الضحكة الناشفة بتاعت امبارح:
— لأ يا بابا.. أنا فرحانة إني عرفت الحقيقة قبل ما أفقد كل حاجة.
وصلنا البيت، وقعدت في أوضتي القديمة. فتحت الموبايل، ولقيت رسالة جاية منه، لكن المرة دي ما كانتش رسالة تهديد، كانت بداية للمواجهة الفاصلة اللي هتحدد شكل النهاية…
فتحت الرسالة ببرود. كانت كلماته متخبطة، مزيج من الترجي المحبوك بمهانة والتهديد الجوفاء:
«لو افتكرتي إنك بكده كسرتيني وتبقي غلطانة. الفلوس هتوصلك بكرة، بس ما تلوميش إلا نفسك على الفضيحة اللي عملتيها لنفسك قبل ما تعمليها ليا. طلاقك هيتم، بس مش هتاخدي قشة واحدة من الشقة إلا لما أطلع عينك.»
قفلت شاشة الموبايل وحطيتها على الترابيزة. ما تهزتش فيا شعرة. الخوف اللي كان بيسيطر عليا زمان اتستبدل بيقين تام إن اللي بيمتلك الحق، مستحيل يتهزم أمام شوية استقواء هش.
عصر نفس اليوم، كنا قاعدين في الصالة عند بابا. المأذون كان قاعد وفي إيده الدفاتر، وجوزي قاعد قصاده ووشه أصفر ومظلم، جنب أبوه اللي ما كانش قادر يرفع عينه في عين بابا.
المأذون بدأ يكتب البيانات، وكان الصوت الوحيد في الأوضة هو حركة القلم على الورق. لما جه دور التوقيع، جوزي بَصلي بنظرة أمل أخيرة، كأنه مستني مني إشارة ندم أو حيرة. مسكت القلم ووقعت بثبات، ومن غير أي تردد أو رعشة في إيدي.
وبعدها، أنطق المأذون جملته الشهيرة: «بارَك الله لكما وبارَك عليكما… وجمع بينكما في خير» — بس المرة دي، كانت الوثيقة هي الإعلان الرسمي لكسر القيد، والنهاية استمرت أربعين ساعة بس.
خرجوا من البيت بخفي حنين. أمه ما قدرتش تحضر، وجوزي سحب نفسه وهو بيجر أذيال الخيبة، بعد ما اكتشف إن البنت اللي كان فاكرها “صيد سهل” و”خزنة مفتوحة”، كانت أقوى من إنه يستوعبها أو يكسرها.
بعد أسبوعين، رجعت لحياتي الطبيعية. نزلت شغلي ورأسي مرفوعة. الفلوس اللي رجعتلي حطيتها في استثمار جديد كنت بتمنى أعمله من زمان. الشقة اللي كنت فاكرة إنها هتكون عش الزوجية اتباعت، والصفحة اتقفلت تماماً وكأنها لم تكن.
وقفت تاني قدام نفس المراية اللي كنت واقفة قدامها بفك دبابيس الفستان من كم يوم. بَصيت لنفسي، ما شفتش عروسة مكسورة أو مطلقة في بداية حياتها، شفت ست شجاعة عرفت تحمي تعبها، كرامتها، ومستقبلها قبل ما يضيع منها.
أحياناً، البدايات الصعبة والقرارات القاسية بتكون هي الرحمة الوحيدة اللي بتنقذنا من مصير أسود.. وأنا اخترت نفسي، وكان ده أفضل قرار أخدته في حياتي.




