
نزلت من العربية زي المجنون، وركبي مكانتش شيلاني. الكلام كان بيدور في دماغي وزهرة ماشية ورايا بتتحسبن وتنفخ، بس أنا مكنتش شايف ولا سامع غير صوت جاري وهو بيقولي “أمك تعبت ونقلوها الإسعاف”. وصلت المستشفى الحكومي اللي قالوا لي عليها، الريحة والزحمة والخوف كانوا خنقين المكان. قعدت أجري في الطوابير والممرات وأسأل عن اسمها، لحد ما دلوني على قسم الطوارئ.
-
اتجوز حكايات امانى السيد 1منذ ساعة واحدة
-
حكايات امانى السيد 2منذ ساعة واحدة
-
حكايات امانى السيد 1منذ ساعتين
-
حكايات زهره الربيعمنذ 3 ساعات
وهناك.. شفت المشهد اللي قطّع قلبي.
مريم كانت قاعدة على الأرض في القطب بتاع الطوارئ، هدومها عليها بقع دم من دراعها اللي جرحه القزاز من يومين وما لحقتش تغيّر عليه، وشها كان أصفر كأنها ميتة، وجزمتها مقطوعة من كتر الجري. كانت ماسكة في إيدها الأوراق والمحاليل، وبتبكي بالراحة من غير صوت، بتدعي ربنا بقلب محروق.
أول ما شافتني، وقفت بسرعة وتعب، وعينيها جت في عيني. أنا جيت أقرّب منها وأسألها بلهفة:
* “أمي فين؟ جرى لها إيه يا مريم؟ كلميني!”
مريم رجعت خطوة لورا، ورفعت إيدها بتمنعني أقرب، وبصتلي بنظرة كلها وجع وقرف.. نظرة خلتني أحس إني أصغر بني آدم في الدنيا. قالت بصوت واطي ومبحوح:
* “لحد هنا وبس يا كابتن.. متقربش. أمك جوة في العناية المركزة، الضغط طليح وفجأة جتلها أزمة قلبية من القهرة والوجع اللي سبتهولها. دكاترة الصبح كانوا بيقولوا لو تأخرنا خمس دقائق كمان كانت راحت مننا.”
زهرة كانت واقفة ورانا، قربت وقالت بنبرة حادة وزعيق:
* “وانتِ مالك بتتكلمي بثقة كده ليه؟ ومين سمحلك تدخليها وتعملي فيها بنت الأصول؟ أوعي تكوني فاكرة إن الحركات دي هتدخل علينا! أنتِ حتة خدامة وجاية تمثلي الدور!”
في اللحظة دي، مريم مصلحتش ولا وزعقت زي ما زهرة متوقعة. بصت لزهرة بثبات غريب، بابتسامة مكسورة وقالت:
* “خدامة؟ صح.. أنا فعلاً خدامة. بس خدامة للست اللي حست بيا وأخدتني في وقت ما جوزك الهُمام رماني وكسرني. أنا الخدامة اللي فضلت مع أمه في لحظة موتها وأنتِ وهو كنتوا بطيروا في الفرح والشبكة الفخمة.”
وبعدين طلعت من جيبها كيس بلاستيك صغير، فيه الدهب البسيط اللي كنت جبتهولها وقت الخطوبة، ومصحف صغير، ورمتهم في إيدي..
وقالتلي وهي بتبص في عيني بصرامة:
* “حاجتك أهي.. أنا مش عايزا منك مليم، ولا عايزا منك ورقة للجواز ده أصلاً. أنت بالنسبة لي مكنتش جوز، أنت كنت كابوس وربنا نجاني منه. أمك أمانة في رقبتي لحد ما تقوم بالسلامة، أول ما تقوم وتقف على حيلها.. مش تشوف وشي تاني في البيت ولا في الدنيا دي كلها.”
الدكتور خرج في اللحظة دي من العناية، والكل سكت. جربت أعدي عشان أكلمه، بس الدكتور بصلي وبص لمريم وسأل:
* “مين فيكم ابن الست فاطمة؟”
أنا اندفعت وقولت:
* “أنا يا دكتور.. أنا ابنها الوحيد!”
الدكتور بصلي ببرود وغضب مكتوم وقال:
* “والله؟ كويس إنك فاكر إنك ابنها! الست وهي غايبة عن الوعي جوة مكانتش بتنادي غير على اسم مريم.. مريم هي اللي شالتها وجابتها في التاكسي ودشت فلوس العلاج من جيبها وباعت حلقها الصغير عشان تدفع تأمين المستشفى قبل ما توصل أنت! الست حالتها حرجة جداً، والتطوير في العناية محتاج مصاريف ومتابعة، ومافيش زيارة غير لشخص واحد بس تكون هي متقبلة وجوده عشان ضغطها ما يرتفعش تاني.”
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. “باعت حلقها عشان تدفع تأمين المستشفى؟”
أنا اللي كنت باعت ألفات على الشبكة والفندق والفرح، مريم البنت اللي من الملجأ اللي ملهاش حد، هي اللي شالت أمي وباعت اللي حيلتها عشان تنقذ حياتها!
زهرة مسكت دراعي وقالتلي بضيق:
* “تعالى يا حبيبي نمشي من هنا، الدكتور ده واضح إنه متفق معاهم، والبنت دي بتعمل شو عشان تاخد منك فلوس.. يلا بينا نرجع الشقة ونبقى نبعت حد من المعارف يطمن عليها.”
نفضت إيد زهرة عن دراعي بقوة للمرة الأولى من يوم ما عرفتها. بصتلها وأنا مش شايفها.. كان فيه غشاوة على عيني بتنزاح فجأة.
قولتلها بصوت جاف وزعيق:
* “روحي أنتِ يا زهرة.. روحي شقتك الفخمة وسيبيني هنا.”
زهرة اتصدمت وقالت بغضب:
* “أنا أروح لوحدي وأسيبك مع الخدامة دي؟ أنت بتتجنن يا معلم؟”
صرخت فيها في نص الممر:
* “قلتلك ارجعي البيت! أنا مش ماشي من هنا!”
زهرة مشيت وهي بتهدد وتتحسبن، وأنا قعدت على كرسي في الممر، وحطيت راسي بين إيدي. كان في صراع رهيب جوايا. بصيت لمريم اللي كانت واقفة بعيد، بتدعي وبتسبح بدموعها، ورجعت بذاكرتي لكل كلمة قالهالي قلبي من زمان وتجاهلتها، ولكل تصرف نذل عملته مع البنت دي.
بعد ساعات طويلة، العناية اتفتحت والممرضة خرجت تنادي:
* “مريم.. الست فاطمة فاقت وبتردد اسمك، ادخلي لها بسرعة بس من غير انفعال.”
مريم قامت بسرعة ودخلت جوة، وأنا قمت جري وراها وحاولت أدخل، بس الممرضة منعتني. وقفت عند زجاج العناية البارد، وبصيت من خلاله..
شفت أمي فتحت عينيها بالعافية، ومسكت إيد مريم وبستها، ومريم نزلت ببتسم بدموع وتمسح على رأس أمي. أمي بصت ناحية الباب وشافتني واقف ورا الزجاج.. عيني جت في عينها.
أمي هزت رأسها بالرفض، وبصت للناحية التانية وسابت إيد مريم على صدرها، كأنها بتقولي: “أنت برة حياتنا خلاص.”
في اللحظة دي، الموبايل في جيبي رن.. كان رقم زهرة. فتحت الخط، ولقيت زهرة بتقولي بنبرة مليانة شر وتهديد:
* “لو مرجعتش الشقة فوراً يا معلم ونهيت المهازل دي وطردت البنت دي من حياة أمك، أنا هطلب الطلاق، في منطقتك وفي شغلك وأقول إنك اتجوزت بنت ملجأ ورميتها عشان تاخدني.. اختار دلوقتي يا أنا يا هما!”
مسكت الموبايل وإيدي بتترعش من الغيظ والندم. صوت زهرة وهو بيهددني بالفضايح والطلاق كان طالع زي السوم في ودني، بس للمرة الأولى في حياتي، حسيت إن الغشاوة اتزاحت عن عيني تمامًا.. حسيت بقد إيه كنت أعمى وبجري ورا سراب، وبعت الجوهر الغالي عشان حتة زجاج بتلمع.





