روايات وقصص

حكايات ميرا 2

الأستاذ فاروق بص لمريم باهتمام، وعمر رفع راسه بسرعة وعينيه مليانة تساؤلات وخوف من اللي جاي.

مريم فتحت الشنطة الجلد الصغيرة اللي كانت شايلاها، وطلعت منها فلاشة سوداء صغيرة، ومعاها أجندة قديمة جلدها متآكل، ومجموعة من الأوراق المتنية بعناية.

وضعت الحاجات دي على المكتب بهدوء، وقالت بصوت ثابت:

— الحاج جابر عبدالسلام ما كانش بس مدير مدرسة سابقة بيتعامل بالأخلاق والقيم المزيّفة… الراجل ده كان يد في شبكة تسريب امتحانات وتسهيل اختلاسات في الجمعية الخاصة التابعة للمدرسة لسنين. الأجندة دي كانت مخفية جوة القاصة الصغار اللي في دولاب الملايات… القاصة اللي هو فاكر إن محدش يعرف رمزها غيره. والأوراق دي فيها تحويلات مالية بأسماء وهمية، وأختام مدرسية رسمية ملهاش وجود.

عمر اتصدم، لسانه اتعقد وهو بيبص للأوراق:

— إنتِ… إنتِ جبتي الحاجات دي إمتى وكيف؟!

— جبتها في العشرين دقيقة اللي كان هو فاكر إني مستنياه يجيلي فيهم.

ردت مريم بنبرة حاسمة:

— السنتين اللي عشتهم في البيت ده ما كانوش مجرد صبر على الإهانة والتحرش السام… كان تسجيل لكل تفصيلة. لما كنت بقعد في الصالة وأشوفه بيكلم ناس بلهجة غريبة ويقفل الدولاب بالمفتاح مرتين، عرفت إن البيت ده مبني على كوم تراب. أنا مكنتش ناواية أستغل الحاجات دي إلا لو فكر يمس شعرة مني… وفي الليلة دي، هو فتح على نفسه باب جهنم.

الأستاذ فاروق مسك الأجندة، وبدأ يقلب صفحاتها بعناية، وعينيه بتتسع من حجم المفاجأة.

— دي مش مجرد وثائق عادية يا مريم… دي أدلة دامغة على قضايا أموال عامة وتزوير. جابر لو حاول يلعب بلعبة التلفيق في النيابة أو يستغل علاقاته، الورق ده كفيل إنه يخليه يتمنى لو الأرض تنشق وتبلعه قبل ما يدخل المحكمة.

في الوقت ده، تليفون مريم رن.

الرقم كان غريب، بس أول ما فتحت وقالت “ألو”، جاءها صوت حماتها نوال. الصوت ما كانش الصوت الهادي اللي بيوزع النصايح عن الأخلاق واللبس، كان صوت امرأة منهارة، بتصرخ وبتتكلم بحشرجة ومزيج من الغل والرعب:

— يا فاجرة! يا اللي ما بتخافيش ربنا! عملتي إيه في بتي؟! داليا بين الحياة والموت في العناية، والشرطة في المستشفى سألونا عن العصير اللي شربته! جابر حكالي على كل حاجة… فاكرة إن الفيديوهات اللي معاكي هتحميكي؟! جابر نزل دلوقتي يعمل فيكي محضر اتهمك فيه رسمي بإنك حطيتي مادة سامة في العصير لإبنتي عشان بتغيري منها ومشاكلك معاها ملهاش آخر!

مريم ما اتهزتش، ونظراتها كانت أصلب من الفولاذ:

— جابر حكالِك كل حاجة يا نوال هانم؟ حكالِك وهو داخل عليّ الأوضة بالليل والباب مقفول؟ ولا حكالِك عن المادة اللي هو شاريها بإيده عشان يغيبني عن الوعي؟ ولا نسيتي تقولي له إن داليا هي اللي أخدت الكوباية وشربتها من غير ما حد يجبرها؟!

نوال سكتت لحظة، ونفسها العالي كان مسموع، لكنها كملت بشرور:

— محدش هيصدقك! الكلمة كلمتنا، والبيت بيتنا، وعمر ابني هيقف مع أبوه! مش هنسيبك تتنفسي يا مريم!

مريم مسكت الموبايل وقربته من بقها وقالت بنبرة قطعت كل خطوط الراجعة:

— عمر واقف جنبي دلوقتي… وسمع تسجيلات جوزك الحبيب وهو بيترجاني أستر عليه. وغير كده يا نوال هانم… قولي لجابر إن الأجندة السوداء ورسائل تحويلات مدرسة “المستقبل” بقت في إيد المحامي بتاعي. لو المحضر بتاعكم لاتسحبش خلال ساعة، البلاغ اللي هيتقدم للنيابة العامة مش هيكون بس عن الشروع في الاعتداء والتسميم… ده هيكون عن التزوير والكسب غير المشروع اللي هيطير فيها رقاب ناس كبار.

الخط اتقفل من ناحية نوال فوراً.

عمر مسك إيد مريم وهو بيترجاها، ودموعه بدأت تنزل:

— مريم… عشان خاطري، بلاش ندمر كل حاجة بالشكل ده… بابا غلط، غلط غلطة عمره وأنا مش هدافع عنه، بس نوال وداليا مالهمش ذنب! لو القضايا دي اتفتحت، العيلة كلها هتتدمر، وأنا شغلي هيقف، وسمعتنا هتسف التراب!

مريم سحبت إيدها منه بقوة ووقفت:

— ذنبهم إنهم كانوا عارفين ومغطين عليه! ذنبهم إنهم كانوا بيخلوني أنا المذنبة وأنت بتفرج! أنت دلوقتي قدام خيارين يا عمر… يا تقف مع الحق وتضمن إن أبوه يتجازى على اللي عمله، يا تختار عيلتك وساعتها هتدفع التمن معاهم في نفس المركب اللي بتغرق.

قبل ما عمر يرد، تليفون الأستاذ فاروق رن.

المحامي رد، ومع كل ثانية كانت ملامح وشه بتتغير وتزداد جدية. قفل الخط وبص لمريم وعمر وقال بصوت واطي:

— جابر عبدالسلام وصل قسم الشرطة… ومعه محامي كبير، ورسميًا حرر محضر ضد مريم بتهمة الشروع في قتل بنته داليا.

السكون ساد مكتب المحامي لثواني معدودة، كأن الوقت اتوقف تماماً بعد الجملة اللي قالها الأستاذ فاروق.

عمر بص للمحامي وهو مش مصدق، وإيديه بتترعش:

— بابا عملها فعلاً؟! رفع محضر ضد مريم بتهمة الشروع في القتل؟!

الأستاذ فاروق قام وقف ولقط روب المحاماة بتاعه المتربي على الكرسي، وبص لعمر بنظرة صارمة:

— أبوك اختار يضرب الضرب القاضية الأولى، وهو فاكر إن مريم حيطة مايلة وهتخاف من الشبهة والفضيحة وتهرب. بس هو ما يعرفش إننا مجهزين له المشنقة اللي حفرها بإيده.

مريم ما أظهرتش أي علامة رعب. بالعكس، ووشها كان فيه ثبات عجيب خلى عمر ينكمش في مكانه. بصت للمحامي وقالت:

— هننزل القسم دلوقتي يا أستاذ فاروق؟

— فوراً يا مريم.

رد الأستاذ فاروق وهو بيلم الأوراق والأجندة والفلاشة وبيحطهم جوة شنطته الجلدية العريضة.

— المحضر اللي عمله جابر ده هيكون هو الحفرة اللي هيقع فيها. الشروع في القتل اتهام مباشر، والشرطة لازم تعاين المكان وتسمع أقوال المجني عليها، والأهم من ده كله… تقرير الطب الشرعي وتحليل العينة اللي في دم داليا.

عمر جري وراهم وهو بيترجاهم في الطرقة:

— مريم! أرجوكي تفهمي… لو دخلتي القسم وعملتي البلاغ المضاد، الطريق ده ملوش رجعة! بابا لو اتحبس مش هيخرج، ونوال مش هتسكت، والعيلة هتتدمر!

لفت له مريم وهي على باب الأسانسير، وبصت له بعينين خالية تماماً من أي عاطفة قديمة:

— الطريق ده أبوك هو اللي اختاره من اللحظة اللي حط لي فيها المسحوق في الكوباية وجالي لحد باب أوضتي يا عمر. وأنت اخترته لما فضلت ساكت وبتبرر له لسنتين. لو خايف على نفسك وعلى اسمك… ارجع خطوة لورا، لأن اللي جاي مش هيرحم حد.

نزلو القسم في التجمع الخامس.

المكان كان زحمة، وريحة السجاير والورق المكبوس مالية الصالة. أول ما دخلوا من الباب الرئيسي، مريم شافت جابر عبدالسلام قاعد على كرسي في الزاوية، جنبه محامي هيئته غالية ولابس بدلة كحلي، ومسئول كبير كان بيسلم عليه ويكلمه باهتمام.

جابر كان لابس قميص مكوي وبنطلون قماش، محاول بجهد يظهر بمظهر المظلوم المتأثر، الأب المكسور اللي مراته وبنته في خطر بسبب كنة جاحدة.

أول ما عيني جابر وقعت على مريم وهي داخلة مع الأستاذ فاروق وعمر ماشي وراهم وشه في الأرض، ابتسامة خبيثة ومستفزة لمحت على شفايفه لثانية واحدة قبل ما يرجع يمثل الحزن.

المحامي بتاعه وقف وقرب من ضابط المباحث وقال بصوت عالي ليسمع الكل:

— يا فندم، المتهمة مريم هي اللي دخلت القسم برجليها أهو! نطالب بالقبض عليها فوراً للتحقيق معاها في شروعها في قتل موكلتي داليا جابر عبدالسلام!

ضابط المباحث بص لمريم والمجموعات اللي معاها، وقال بنبرة جادة:

— اتفضلوا كلكم جوة في مكتب النيابة والمباحث.

دخلوا المكتب. الأوضة كانت ضيقة، وفيها مكتب خشب عريض وراه ضابط برتبة مقدم.

جابر بدأ يتكلم بسرعة وبنبرة فيها تمثيل متقن، ودموع مصطنعة في عينيه:

— يا باشا، البنت دي من يوم ما دخلت بيتنا وهي بتعمل مشاكل! إمبارح بالليل كانت بتتخانق مع داليا بنتي، واستغلت إن البيت فاضي، وحطت لها سم أو مادة مخدرة في العصير عشان تنتقم منها! بنتي دلوقتي في العناية المركزة ومش بتتحرك، وجوزها عمر اهو يشهد على مشاكلهم!

الضابط بص لعمر وقال له:

— الكلام ده مظبوط يا عمر؟ أنت شفت حاجة بنفسك؟

عمر اتثبت في مكانه. عينيه راحت لأبوه اللي كان بيبص له بنظرة تحذيرية وتهديد ضمني، وبعدين راحت لمريم اللي كانت واقفة بكل كبرياء وكرامة.

جابر هس بحدة بصوت واطي:

— اتكلم يا عمر! قول للحقيقة وأنقذ أختك!

قبل ما عمر ينطق، الأستاذ فاروق خطى خطوة لقدام، وفتح شنطته، وطلع منها اللاب توب والفلاشة، وحطهم على مكتب الضابط بكل هدوء.

— سيادة المقدم… موكلي الحاج جابر بيقدم بلاغ كاذب للتستر على جريمة بشعة هو اللي ارتكبها بنفسه.

قال الأستاذ فاروق بنبرة واثقة خلت الضابط يرفع حاجبيه بالاهتمام.

جابر وشه بدأ يتغير، والمحامي بتاعه اتوتر:

— كلام فارغ! دي محاولة للهروب من الجريمة!

الأستاذ فاروق ما ردش عليه، وبص للضابط:

— يا فندم، العصير اللي شربته داليا، أبوها هو اللي أعده بنفسه وكان حاطط فيه المادة المخدرة عشان يقدمه لمريم بعد ما استغل غياب ابنها وجوزها عن البيت، للتعدي عليها غصباً عنها داخل أوضتها. ومعانا تسجيلات بالصوت والصورة بتثبت الواقعة بالكامل، من أول لحظة دخوله الأوضة بالليل، لحد صرخته لما اكتشف إن بنته هي اللي كانت نايمة على السرير وشربت العصير بالغلط!

الضابط مسك الفلاشة، ودخلها في جهاز الكمبيوتر بتاعه، وشغل الفيديوهات والتسجيلات الصوتية.

الأوضة كلها سكتت.

صوت جابر وهو بيقول: — لو مش هتشربي العصير ده يا مريم، هفكر إنك بتحتقري العيلة…

وبعدها صورة جابر وهو بيتسحب في الطرقة في الضلمة يدخل الأوضة، وصوت الصرخة والارتباك المريع لما اكتشف داليا، وبعدها الفيديو وهو بيجري ورا مريم على السلم وبيترجاها تتستر على الفضيحة.

لون جابر اتخطف تماماً. وشه بقى أبيض زي الملاية، وإيديه بدأت تترعش برعشة هيستيرية. المحامي بتاعه بص له بصدمة وسكت، وما قدرش ينطق بكلمة واحدة.

الضابط بص لجابر بجمود ونظرة حادة، وبعدين وجه كلامه لعمر:

— الصوت ده صوت أبوك يا عمر؟ والشخص اللي في الفيديو ده هو؟

عمر نزل راسه في الأرض، والدموع نزلت من عينيه، وقال بصوت خافت ومكسور:

— أيوة يا باشا… ده بابا.

جابر صرخ بصوت جنوني وهو بيحاول يقرب من مريم:

— كذب! التسجيلات دي مفبركة! هي اللي لفقتلي! أنا مربي أجيال! أنا مدير مدرسة!

لكن المفاجأة الكبرى ما كانتش التسجيلات دي بس…

الأستاذ فاروق طلعت الأجندة السوداء وأوراق التزوير وحطهم على المكتب وقال للضابط:

— ومش بس كده يا فندم… ده بلاغ رسمي تاني متقدم للنيابة العامة بمستندات رسمية بتثبت تورط المذكور جابر عبدالسلام في قضايا اختلاس وتزوير أموال عامة واستغلال نفوذ أثناء إدارته لمدرسة المستقبل الخاصة.

في اللحظة دي، الضابط وقف وداس على الزرار اللي على مكتبه. دخل اتنين من أمناء الشرطة فوراً.

الضابط بص لجابر وقال بصوت صارم هز الأوضة:

— كلبشوه… واحتجزوه على ذمة التحقيق!

أمناء الشرطة قربوا من جابر، والأغلال الحديدية اتفلقت في إيديه بصوت معدني حاد هز أركان المكتب. جابر كان بيترعش زي الورقة الشجر في العاصفة، وشخصية الهيبة والأخلاق المزيفة انهارت تماماً في لحظة. بص لابنه عمر بنظرة مليانة توسل وذل، وهو بينهج:

— عمر! ألحقني يا بني! هتسيبهم يكلبشوا أبوك قدام الناس؟! كلم حد من معارفنا… انقذني!

لكن عمر كان واقف محني الظهر، حاطط إيديه على وشه، ومش قادر يرفع عينيه يبص لأبوه ولا لمريم.

الضابط وجه كلامه لمريم بتقدير واحترام لثباتها:

— محضرك اتحرر يا مدام مريم. التسجيلات والمستندات أرفقت بالكامل، وفي سيارة مباحاث تحركت فوراً للمستشفى للتحفظ على داليا وسماع أقوالها أول ما تفوق، وتحريات المباحث جارية لحصر المادة المخدرة. المتهم هيتعرض على النيابة العامة الصبح.

خرجت مريم من مكتب التحقيق بخطوات واثقة، والأستاذ فاروق جنبها بيقفل شنطته.

أول ما خرجوا لصالة القسم، كانت نوال واصلة تجري، وشها ماليها الفزع، ومكياجها متلخبط. أول ما شافت جابر ماشيين بيه الأمناء مكلبش، صرخت بصوت هيستيري هز المكان:

— جابر! جابر عملوا فيك إيه؟!

ولفت لمريم زي الوحش المفترس، وكانت هتهجم عليها لولا إن أمناء الشرطة حجزوا بينهُم:

— يا عقربة! يا خراب البيوت! عملتي إيه في الراجل؟! دمرتينا ودمرتي اسم العيلة!

مريم وقفت بثبات، وبصت لنوال ببرود القاتل:

— اللي دمر العيلة هو الراجل اللي ماشيين بيه في الكلبشات ده يا نوال هانم… وأنتِ اللي دمرتي نفسك لما اخترتي تداري على قذارته وتلوميني أنا. الحقيقة خرجت للنور، واللي جاي أصعب بكتير من اللي شفتيه النهاردة.

نوال بدأت تبكي وتلطم على وشها وهي بتشوف جوزها بيتساق لغرفة الاحتجاز، وانهارت على الأرض مش قادرة تقف.

في الوقت ده، خرج عمر من مكتب الضابط، يمشي بخطوات تقيلة كأنه شايل جبل على ضهره. قرب من مريم، وعينيه مليانة دموع وانكسار:

— مريم… أنا عارف إن مالياش عين أطلب منك حاجة. أنا كنت أعمى ومقصر، وما صدقتكيش لما كان المفروض أكون سندك ورجلك… أنا ضيعتك من إيدي وضيعت نفسي.

مريم بصت لعمر بنظرة خالية من أي كره أو عاطفة، مجرد شفقة على راجل عاش حياته كدبة:

— أنت ما ضيعتنيش يا عمر… أنت كشفتلي نفسك. السكوت على الحق جريمة، وأنت اخترت تكون شريك في الجريمة بسكوتك. أنا مش زعلانة منك، أنا بس متأسفة على السنتين اللي ضيعتهم في بيتكم.

طلعت مريم من شنطتها دبلة الجواز، ومسكت إيد عمر، وحطت الدبلة في كفه، وقفت أصابعها عليها:

— ورق طلاقي يوصلني عن طريق الأستاذ فاروق… الليلة دي كل حاجة انتهت بيني وبين عيلة عبدالسلام.

سابت مريم عمر واقف في وسط صالة القسم، ماسك الدبلة وبيعيط بصوت مكتوم، ونوال جنبه ملقاة على الأرض بتصرخ، وجابر ورا القضبان بينتظر مصيره المحتوم.

خرجت مريم للشارع، المطر كان بدأ يهدى، وضوء النهار بدأ يتسلل ورا السحاب. أخدت نفس عميق لأول مرة من سنتين، تحس إن الهوا نظيف وخالي من ريحة الخوف.

الأستاذ فاروق قالها وهو بيفتح باب العربيّة:

— بكرة الصبح أول جلسة تحقيق في النيابة يا مريم… وجابر مش هيخرج منها. مستعدة للجولة الأخيرة؟

مريم بصت للسما ابتسمت ابتسامة هادية وقالت:

— أنا مستنية اللحظة دي من زمان يا أستاذ فاروق… واللي بدأ اللعبة، لازم يتحمل نهايتها.

في صباح اليوم التالي، كانت قاعة النيابة العامة بتشهد الفصل الأخير من الرواية.

الشمس أشرقت كاملة، والهدوء خيم على الممرات بعد ليلة طويلة من التحريات. جلس وكيل النائب العام خلف مكتبه، وأمامه ملف القضية المتخم بالتقارير والأدلة.

دخل جابر مسحوبًا بالكلبشات، وشه شاحب، وعينيه غايرتان، وجسمه انكمش وكأنه صغر عشر سنين في ليلة واحدة. وراءه دخلت نوال وبدأت تتوسل بحسرة عند الباب، بينما كان عمر يقف في زاوية القاعة ينظر للأرض بجسد بلا روح، وكأنه خيال رجل.

وعلى الجانب الآخر، كانت مريم تجلس بجوار الأستاذ فاروق، ثباتها وصمودها يرسمان خطوط النهاية.

بدأ وكيل النائب العام بطلب تقرير الطب الشرعي وتحاليل العينات التي أُخذت من داليا بعدما أفاقت في المستشفى واعترفت في أقوالها الرسمية بأنها شربت العصير من كوب كان موجهاً لمريم، معربة عن صدمتها الذهولية في والدها.

جلس وكيل النائب العام يستعرض الفيديوهات بدقة، ثم يطابقها مع المستندات والأجندة السوداء التي أثبتت تحريات الأموال العامة صحتها تمامًا وجرائم الاختلاس والرشوة والتزوير التي ارتكبها جابر لسنوات.

رفع وكيل النائب العام رأسه، وبصوت حاسم هز جدران الأوضة، وجه الحديث لجابر:

— بناءً على ما جاء بتقارير الطب الشرعي، والتسجيلات الموثقة، ومحاضر التفريغ، وأقوال المجني عليها داليا جابر عبدالسلام، والمستندات الرسمية الصادرة من جهات التحقيق… أمرنا بنقل المتهم جابر عبدالسلام إلى السجن المركزي، وحبسه أربعة عشر يومًا على ذمة التحقيق، مع مراعاة توجيه تهم الشروع في الاعتداء، وتسهيل تعاطي مواد مخدرة، والبلاغ الكاذب، بالإضافة إلى تحويل ملف الاختلاس والأموال العامة للنيابة الاستئنافية.

في تلك اللحظة، صرخت نوال وانهارت ساجدة على الأرض تبكي بحسرة، بينما لم ينطق جابر بحرف واحد؛ سقطت كل أقنعته، وقُمِع كبرياؤه، وسحبه حراس السجن وهو يتعثر في خطواته ونظراته معلقة في الفراغ.

التفت عمر نحو مريم، وخطا خطوات بطيئة نحوها، ثم استخرج ورقة رسمية من جيبه وسلمها للأستاذ فاروق بكل خضوع واستسلام. كانت وثيقة الطلاق.

نظر لمريم بنبرة انكسار أخير:

— حقك عليا يا مريم… أنتِ كنتِ صح، وأنا دفعت تمن عمايا وسكوتي. البيت اتهد، وأبويا بقى في السجن، وأمي وداليا اتدمروا… وأنا خسرت الوحيدة اللي كانت بتصونني.

مريم لم تجبه بكلام، أخذت ورقة طلاقها، وحطتها في شنطتها بهدوء. بصت له للمرة الأخيرة، ثم دارت ظهرها للجميع ومشت بخطوات ثابته وواثقة نحو بوابة المحكمة.

خرجت مريم إلى الشارع، كانت السماء صافية، ونشاط الحياة يعود لشوارع القاهرة. أخذت نفسًا عميقًا وملأت رئتيها بالهواء النقي، شاعرة ولأول مرة منذ سنتين بالحرية والكرامة والانتصار.

لقد أغلقت الصفحة السوداء للأبد، وفتحت بابًا جديدًا لحياة لن تسمح فيها لأحد بأن يكسرها أو يطمس حقيقتها بعد اليوم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى