
بنتي الصغيرة شاورِت على مرات أخويا اللي المفروض حامل في الشهر الثامن وقالت قدام العيلة كلها:
— ماما… دي مش بطنها، دي مخدة!
الجملة اللي قالتها بنتي ملك، عندها 8 سنين، خلت القاعة كلها تسكت.
كان موجود أكتر من مية شخص من أهلنا وقرايبنا وأصحاب العيلة.
أخويا عمر المنشاوي كان عامل احتفال عائلي كبير في فندق بالقاهرة بمناسبة قرب ولادة أول طفل ليه بعد سنين من الانتظار.
مراته ريم كانت واقفة جنبه بفستان واسع ومحتشم، وإيدها على بطنها الكبيرة.
ومن شوية بس، عمر كان واقف وسط الناس ووشه منور من الفرحة وهو بيقول:
— الحمد لله… ربنا عوض صبرنا، وإن شاء الله الشهر الجاي أشيل ابني على إيدي.
الناس باركتله.
وأمه كانت بتبكي من الفرحة.
لكن دلوقتي…
محدش بيتكلم.
عمر بص لبنتي كأنه مش متأكد إنه سمع صح.
— قلتي إيه يا ملك؟
ملك شاورِت على بطن ريم بمنتهى البراءة.
— بطن طنط ريم مخدة يا خالو.
شهقة طلعت من وسط الستات.
ريم وشها اتسحب منه الدم.
لكن أمها سهير قامت بسرعة وقالت بعصبية:
— إيه الكلام الفاضي ده؟! دي طفلة ومش فاهمة بتقول إيه.
قربت بنتي مني وحاوطتها بدراعي.
— ملك… إنتِ شفتي إيه بالظبط؟
قالت بمنتهى الثقة:
— دخلت أوضة الستات أدور على الشنطة بتاعتي، وشوفت طنط ريم واقفة قدام المراية.
ريم قاطعتها بسرعة:
— كفاية!
كل العيون راحت عليها.
ملك خافت واستخبت ورايا.
عمر بص لمراته باستغراب.
— بتزعقي للبنت ليه؟
ريم بلعت ريقها.
— لأنها بتقول كلام ممكن يفضحني قدام الناس ظلم.
ملك طلعت راسها من ورايا وقالت:
— بس أنا شوفتك وإنتِ شيلتي بطنك وحطيتيها على الكرسي!
الصمت المرة دي كان أتقل.
عمر اتحرك ناحية مراته.
— ريم؟
— عمر، اسمعني…
— هي بتقول إيه؟
— طفلة!
لكنه بص لبطنها.
لأول مرة…
بص لها بشك.
سهير وقفت بينه وبين بنتها.
— إنت هتصدق طفلة وتكذب مراتك؟!
عمر رد بهدوء:
— أنا لسه ما كذبتش حد.
وبعدين بص لريم.
— نروح المستشفى دلوقتي.
جسمها اتخشب.
— مستشفى إيه؟
— أي مستشفى. ودكتورة تكشف عليكي وتطمننا على ابني.
ريم سكتت.
عمر قرب خطوة.
— إيه المشكلة؟
— مفيش مشكلة… بس مش هسيب الاحتفال وأمشي علشان كلام طفلة.
وهنا ملك شدت هدومي.
— ماما…
بصيتلها.
كانت ماسكة ورقة مطوية.
— إيه دي؟
— لقيتها جنب المخدة.
ريم أول ما شافتها…
صرخت:
— هاتي الورقة دي!
وجريت ناحية ملك.
لكن عمر وقف قدامها.
— مكانك.
مديت إيدي وأخدت الورقة من بنتي.
فتحتها.
صورة سونار.
قلت باستغراب:
— يمكن دي صورة البيبي.
لكن ملك هزت راسها.
— لأ يا ماما… بصي على الاسم.
بصيت فوق الصورة.
وكان مكتوب:
مريم المنشاوي.
عمر كان واقف جنبي.
أول ما قرأ الاسم…
وشه اتغير.
خطف الصورة من إيدي.
فضل يبص عليها.
مرة.
واتنين.
وبعدين بص لريم.
— الصورة دي كانت معاكي؟
ريم بدأت ترتعش.
— عمر… ممكن نتكلم لوحدنا؟
أمه قربت منه.
— مين مريم دي يا ابني؟
عمر ما ردش.
قلب الصورة.
قرأ البيانات.
وبعدين قال بصوت خلّى جسمي يقشعر:
— مريم… مراتي الأولى.
بعض الموجودين كانوا عارفين الاسم.
لكن اللي ماكانوش عارفينه هو اللي قاله بعدها.
— مراتي اللي اختفت من تلات سنين… والكل كان فاكر إنها ماتت.
القاعة اتقلبت.
سهير مسكت إيد بنتها.
— يلا يا ريم.
عمر وقف قدام الباب.
— محدش هيمشي.
ريم بدأت تعيط.
— والله العظيم أنا ما أذيتها!
عمر اتجمد.
ولا واحد فينا كان اتهمها أصلًا بحاجة.
هو قرب منها ببطء.
— أنا سألتك عن صورة سونار.
ريم شهقت كأنها أدركت الغلطة اللي وقعت فيها.
عمر قال:
— إنتِ ليه أول حاجة قولتيها إنك ما أذيتهاش؟
— أنا… أنا قصدي…
بص مرة تانية للصورة.
وفجأة لاحظ التاريخ.
من أسبوعين فقط.
رفعها قدامها.
— لو مريم ماتت من تلات سنين…
صوته بدأ يرتجف.
— إزاي صورة سونار باسمها متصورة من أسبوعين؟
ريم انهارت على الكرسي.
أمها قالت:
— يا بنتي اتكلمي!
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
ملك شدت إيدي تاني.
— ماما، فيه حاجة كمان.
بصيتلها وأنا حاسة إن قلبي مش مستحمل.
— إيه يا ملك؟
قالت:
— لما طنط ريم كانت بتتكلم مع مامتها جوه الأوضة… سمعتها بتقول: “بعد ما الطفل يتولد، عمر عمره ما هيعرف مين أمه الحقيقية.”
عمر لف ناحية ريم.
— طفل مين؟
ريم غطت وشها بإيديها.
وفي اللحظة دي…
موبايل عمر رن.
رقم مجهول.
رد وهو لسه باصص لمراته.
— ألو؟
صوت ست جه من الناحية التانية.
أنا ما سمعتش قالت إيه.
لكن شفت ركبة أخويا وهي بتضعف.
مسك طرف الترابيزة علشان ما يقعش.
وقال بصوت شبه مختفي:
— مين؟
الست ردت.
عمر فتح عينه على آخرها.
— مريم؟
ريم قامت فجأة.
— اقفل يا عمر!
كل الموجودين بصوا لها.
وعمر بعد الموبايل عن ودنه.
— إنتِ عرفتي منين إن اللي بتكلمني مريم؟
ريم ما ردتش.
لكنه رجع حط الموبايل على ودنه.
وسمعنا كلنا صوته وهو بيقول:
— مريم… إنتِ فين؟
ثواني من الصمت.
وبعدين سأل:
— حامل؟!
بص لصورة السونار.
— الطفل… ابني؟
ريم بدأت تهز راسها وهي بتعيط.
لكن عمر قال:
— أنا جاي لك حالًا.
وقبل ما يقفل، مريم قالت له حاجة خلته يتجمد.
— إيه؟!
وبص ناحية ريم وأمها.
ملامحه اتحولت تمامًا.
— بتقولي إن ريم هي اللي كانت مخبياكي طول التلات سنين؟!
وهنا فهمنا إن حكاية المخدة والحمل الكدب…
ماكانتش السر.
دي كانت مجرد أول خيط في سر أخطر بكتير…
سر بدأ يوم اختفاء مريم، وسبب إن ريم دخلت حياة عمر بعدها بشهور…
والأخطر إن الطفل اللي كانت ريم بتدّعي إنه ابنها…
كان موجود فعلًا.
لكن أمه الحقيقية كانت ست تانية.”الحكاية لم تنتهِ بعد…”
📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.
✍️ الكاتبة أسما السيد
@أبرز المعجبين
الفصل الثاني — المرأة التي عادت من الموت
خرج عمر من قاعة الفندق كأنه مش شايف حد قدامه.
وأنا خرجت وراه وأنا ماسكة ملك من إيدها.
قبل ما نوصل لباب الفندق، سمعنا صوت ريم ورا ضهرنا:
— عمر! استنى… بالله عليك اسمعني!
وقف.
لكنه ما لفش ناحيتها.
قال بصوت هادي بشكل يخوف:
— عندك تفسير واحد يخليني ما أطلبش الشرطة دلوقتي؟
ريم كانت بتعيط، وأمها سهير ماسكة فيها.
— الموضوع مش زي ما إنت فاهم.
عمر لف لها فجأة.
— مراتي اللي دفنتها من غير جثة طلعت عايشة! وإنتِ كنتِ عارفة! صورة السونار بتاعتها معاكي، وبطنك طلعت مخدة… وبتقولي الموضوع مش زي ما أنا فاهم؟!
سهير تدخلت:
— يا عمر، خلينا نتكلم في البيت بعيد عن الناس.
عمر ضحك ضحكة قصيرة مافيهاش أي فرحة.
— أنا بقالي تلات سنين عايش في جنازة، وإنتِ عايزاني أراعي شكلنا قدام الناس؟
ريم قربت منه:
— لو رحت لمريم دلوقتي… هتندم.
عمر اتجمد.
— دي تهديد؟
— لأ… تحذير.
بص لها ثواني طويلة، وبعدين ركب عربيته.
أنا وملك ركبنا وراه في عربيتي.
مريم كانت بعتاله عنوان.
شقة صغيرة في مدينة نصر.
طول الطريق عمر كان بيكلمني على السماعة.
— هي قالتلك حاجة؟
— لأ.
— صوتها كان عامل إزاي؟
سكت لحظة.
— تعبان.
وصلنا بعد حوالي نص ساعة.
طلعنا الدور الرابع.
عمر وقف قدام الباب، لكنه ماقدرش يخبط.
إيده كانت بترتعش.
أنا اللي خبطت.
ثواني…
والباب اتفتح.
ست وقفت قدامنا.
رفيعة جدًا.
وشها شاحب.
شعرها طويل ومربوط وراها.
لكنها كانت هي.
مريم.
أنا كنت أعرفها قبل اختفائها.
حطيت إيدي على بوقي.
— يا نهار أبيض…
أما عمر…
ما نطقش.
مريم بصتله.
وعينيها اتمَلّوا دموع.
— عمر.
ركبته خانته تقريبًا.
مسك الحيطة.
— إنتِ… عايشة؟
هزت راسها.
وبعدين نزلت عينه ببطء ناحية بطنها.
كانت حامل فعلًا.
واضح إنها في شهور متقدمة.
قرب منها خطوة.
— الطفل ده…
مريم قاطعته:
— ابنك.
عمر رجع خطوة كأن حد ضربه في صدره.
— مستحيل.
مريم دخلتنا الشقة.
وأول ما قعدنا، قالت:
— قبل ما تسألني إزاي أنا حامل منك بعد تلات سنين… لازم تعرف حاجة.
عمر كان باصص لها ومش قادر يرمش.
قالت:
— أنا ما اختفيتش بمزاجي.
— مين خدك؟
سكتت.
ثم قالت:
— ريم.
عمر ضرب كف بكف.
— ليه؟!
مريم بصت للأرض.
— لأنها كانت عايزاك من قبل ما تتجوزني.
أنا اتفاجئت.
لكن عمر قال:
— كانت صاحبتك.
مريم ابتسمت بمرارة.
— بالظبط.
وبدأت تحكي.
من تلات سنين، مريم خرجت من شغلها في عيادة خاصة.
ريم كلمتها وقالت لها إنها محتاجاها في موضوع مهم.
ركبت معاها العربية.
بعدها…
مريم ما افتكرتش غير إنها صحيت في مكان غريب.
بيت في منطقة بعيدة.
موبايلها اختفى.
شنطتها اختفت.
وأوراقها اختفت.
قال عمر:
— يعني خطفوكي؟!
مريم ردت:
— ريم ما كانتش لوحدها.
— مين كان معاها؟
مريم رفعت عينيها.
— أمها.
سكتنا كلنا.
سهير.
مريم كملت:
— كانوا عايزين مني أمضي ورق.
— ورق إيه؟
— إني سبتك بإرادتي… وإني مش عايزة أرجع.
عمر قام من مكانه.
— وأنا فضلت أدور عليكي شهور!
مريم بكت.
— عارفة.
— الشرطة دورت عليكي!
— عارفة.
— ليه ما هربتيش؟!
بصتله بوجع.
— لأني ما كنتش حرة يا عمر.
الصمت وقع علينا.
أنا حضنت ملك أكتر.
عمر سأل:
— إزاي خرجتي؟
مريم مسحت دموعها.
— من حوالي ست شهور، الست اللي كانت مسؤولة عن البيت بدأت تساعدني.
— ليه؟
— لأنها اكتشفت الحقيقة.
— حقيقة إيه؟
مريم حطت إيدها على بطنها.
— إن ريم كانت ناوية تاخد الطفل.
عمر بص لبطنها تاني.
— بس إنتِ لسه ما قلتيليش… إزاي الطفل ابني؟
مريم قامت ببطء.
دخلت أوضة.
ورجعت بملف.
حطته قدامه.
— قبل اختفائي بشهور، فاكر لما كنا بنعمل علاج علشان الخلفة؟
عمر هز راسه.
— طبعًا.
— كان فيه أجنة محفوظة في المركز.
عمر وشه بدأ يتغير.
فتح الملف.
مريم قالت:
— أنا اكتشفت من شهور إن ريم وصلت لملف العلاج القديم… واستغلت أوراق وتوقيعات مزورة علشان تبدأ إجراء طبي من غير علمك.
عمر بص لها بعدم استيعاب.
— ليه تعمل كده؟
— لأنها كانت عايزة طفل يحمل اسمك… ويكون عندها وسيلة تربطك بيها للأبد.
— لكن إنتِ اللي حامل.
مريم سكتت.
وهنا سمعنا خبطة على الباب.
كلنا اتخضينا.
مريم وشها ابيض.
— هما عرفوا المكان.
عمر وقف.
— مين؟
قبل ما تجاوب…
الباب خبط تاني.
المرة دي أقوى.
وصوت ريم جه من بره:
— مريم! افتحي!
عمر قرب من الباب.
لكن مريم مسكت دراعه.
— استنى.
— ليه؟
بصتله بخوف حقيقي.
— لأن ريم مش جاية علشاني.
نزلت عينيها على بطنها.
— هي جاية تاخد الطفل.
وفجأة ملك قالت من جنبي:
— ماما…
— نعم؟
بصت ناحية ترابيزة صغيرة في الصالة.
كان عليها برواز صورة قديمة.
ملك قربت منها.
وشالت الصورة.
وبعدين بصت لعمر باستغراب.
— خالو…
— إيه؟
رفعت الصورة.
— مين الراجل اللي واقف جنب طنط مريم؟
عمر أخد الصورة.
وأول ما شاف الراجل…
وشه اتجمد.
أنا سألته:
— تعرفه؟
عمر رفع عينه لمريم.
— ده الدكتور شريف.
مريم ما ردتش.
عمر كمل:
— الدكتور اللي كان مسؤول عن علاجنا قبل اختفائك.
وفي اللحظة دي…
ريم صرخت من ورا الباب:
— افتحي يا مريم! قبل ما عمر يعرف إن الطفل اللي في بطنك مش المفاجأة الوحيدة!
عمر بص لمريم.
— فيه إيه تاني؟
مريم بدأت تبكي.
وقالت جملة قلبت كل اللي عرفناه:
— عمر… فيه طفل تاني.
— طفل تاني؟!
هزت راسها.
— اتولد من سنتين.
عمر شهق.
— ابن مين؟
مريم بصت مباشرة في عينه.
— ابننا إحنا.
وساعتها…
الصورة وقعت من إيد عمر على الأرض… يتبع




