
الجزء السادس وقفت نجلاء مكانها ووشها اتخطف، واللون هرب من معالمها تماماً أول ما شافت الأستاذ عصام المحامي راجع بظرف أبيض مقفول وبيسلم مذكرة مستعجلة لرئيس النيابة. سعاد حاولت تتدارك الموقف وتلم الليلة قبل ما تنفجر في وشهم، فقربت مني بخطوات سريعة وحاولت تمسك إيدي وهي بتمثل الحنية والشفقة:
— يا ندى يا بنتي… استهدي بالله، إحنا أهل وأنا زي أمك! نجلاء كانت زعلانة بس على أخوها، والورقة دي كنا بنأمن بيها حق أحمد ومش ناويين نعمل بيها حاجة وحشة! تعالي نقعد في بيتنا ونحل كل حاجة ودي بعيد عن النيابات والمحاكم!
سحبت إيدي من إيدها بقوة وقرف، وبصيت لها بصلابة هددت كل محاولاتها الخبيثة:
— أمي واقفة جنبي يا سعاد… إنما إنتِ كنتِ العقرب اللي بتبخ سمها في بيتي طوال أربع سنين! بقى الورق الفاضي اللي خليتي ابنك يبصمني عليه وأنا تعبانة ومريضة نفاس كان عشان “تأمنوا حق أحمد”؟! ده إنتوا عصابة ومترتبين لكل حاجة من قبل ما أروّح بيتي بابنتي!
أحمد كان واقف يتنفّس بصعوبة، حاسس بالورطة اللي أمه وأخته جابوه فيها. قرب مني وهو بينهج وشهادة الزور والتزوير محوطاه من كل جانب:
— ندى… أرجوكي اسمعيني، أنا ما كنتش اعرف إن نجلاء هتكتب نص مليون جنيه وتعمل الإقرار ده! هي قالت لي هكتب حاجة بسيطة نأمن بيها العمارة لو حصلت بينا مشاكل!
صرخت أخته نجلاء فيه وهي بتدفعه في صدره بغل:
— اسكت يا خايب! أنت هتبصم وتلبسنا كلنا عشان خايف على نفسك؟! ما هي اللي رفضت تديك الشقة ورمت نعمة ربنا في الزبالة وكأنت هانم زمانها!
في اللحظة دي خرج سكرتير وكيل النيابة من المكتب، وبص للجميع بنظرة جادة وقام بنطق القرار فوراً:
— استدعاء المشكو في حقها نجلاء، والمدعو أحمد، لسماع أقوالهم فوراً في البلاغ المقدم برقم حصر ابتزاز وتزوير معنوي، مع تحويل أصل إقرار الدين المزعوم إلى الطب الشرعي لإجراء أبحاث التزييف والتزوير وتحديد عمر الحبر مقارنة بالبصمة!
القرار نزل على رؤوسهم زي الصاعقة. نجلاء صرخت وسعاد قعدت على أرض الممر في المحكمة وهي بتدعي وتصوّت، وأحمد اتسمر مكانة زي التمثال.
الأستاذ عصام التفت لي وابتسم ابتسامة ثقة وقال بصوت واطي:
— كده اللعبة اتقلبت تماماً يا مدام ندى. تحويل الورقة للطب الشرعي لإثبات “تزوير الصلب على البصمة” مع وجود رسالة الابتزاز، معناه إن نجلاء وأحمد داخلين في قضية جنائية عقوبتها السجن المشدد.
أنا ما انتظرتش أسمع باقي التحقيقات داخل المكتب. أخدت أمي من إيدها ونزلنا سلم المحكمة بخطوات ثابتة وواثقة. كنت حاسة إن كل خطوة بنزلها هي خطوة ببعد بيها عن القهر والظلم اللي عشته سنين.
رجعت لبيت إمبابة مع أمي وبنتي ليان. وفي نفس اليوم بالليل، العمارة في شبرا كانت بتغلي. عم حسنين صاحب السوبر ماركت اتصل بيا وقال لي:
— يا ندى يا بنتي… البوليس جيه العمارة مع أحمد وفتشوا شقته، ونجلاء محجوزة في القسم لحد ما يتعرضوا على النيابة الصبح! وسعاد قاعدة تحت السلم بتعيط وتترجى الجيران يتوسطوا عندك!
سمعت كلامه وهزيت راسي، بس المرة دي ما حسيتش بأي شفقة. اللي يزرع الشوك ما يجنيش غير الجراح.
لكن الأحداث ما وقفتش عند حد المحاكم والقضايا…
بعد يومين بالضبط، وأنا قاعدة في بيت أمي وبجهز أوراق ليان عشان أدخلها الحضانه بعيد عن دوشتهم، جرس الباب رن.
فتحت أمي الباب، ولقينا شخص ما كناش نتوقع وجوده أبدًا…
كان طليق نجلاء! الراجل اللي سعاد ونجلاء كانوا دايمًا بيستشيروه في التزوير والمشاكل. دخل وشه شاحب وفي إيده شنطة أوراق ثقيلة، وبص لأمي وليا وقال بصوت واطي ومتردد:
— مدام ندى… أنا جاي أقدم لك الخدمة اللي هتخلصك منهم للأبد، ومعايا أوراق أخت نجلاء وسعاد مخبينها عنك وعن أحمد نفسه… سر لو اتعرف، أحمد مش بس هيطلقك، ده هيتبرأ من أمه وأخته طول العمر!
#الكاتب_رومانى_مكرم
الجزء السابع
وقفت أنا وأمي ومستغربين. طليق نجلاء—اللي كنا فاكرينه العقل المدبر ليهم—واقف في نص الصالة، وشاحب وبيتنفّس بصعوبة، وشايل في إيده شنطة أوراق ثقيلة كأنها شايلة مستقبلهم كلهم.
أمي بصت له بحذر وقالت له وهي واقفة قدام الباب:
— إيه اللي جابك هنا يا طاهر؟ مش أنت اللي كنت بتشور عليهم باللعب في القانون والأوراق المزورة؟
طاهر هز رأسه بأسى وكسرة وقال بصوت واطي:
— أنا طليق نجلاء يا حاجّة، وعارف قذارتهم أكتر من أي حد. لما كنت جوزها، سعاد ونجلاء حاولوا يلعبوا معايا نفس اللعبة ويزوروا إيصالات أمانة باسمي عشان ياخدوا مؤخري وشقتي. أنا نفذت بجلدي وطلقت نجلاء بعد ما عرفت إنهم عصابة مش أهل بيت! ولما عرفت إنهم بيحاولوا يلبّسوا ندى قضية نص مليون جنيه ويسرقوا شقتها، عرفت إن لازم أتكلم قبل ما الدور ييجي على حد تاني.
قعد طاهر على الكرسي وفتح الشنطة، وطلع منها ملف أسود قديم. بصلي وقال:
— مدام ندى… أنتِ فاكرة إن المشكلة بدأت من يوم “حلة اللحمة” أو يوم عقد الشقة؟ لا… المشكلة بدأت من أربع سنين، من قبل ما تتجوزي أحمد أصلاً!
مسكت حرف الكرسي وسألته وأنا حاسة برعشة في جسمي:
— قصدك إيه؟ أوراق إيه دي يا طاهر؟




