روايات وقصص

بعد وفاة أبويا حكايات اسما 3

بعد مرور سنتين كاملين على اليوم اللي اتقلب فيه حالي، حسيت إن الصفحة القديمة اتقفلت للأبد، وبدأت أكتب فصل جديد ونظيف في كتاب حياتي.

في يوم تلات، وكنت قاعدة في الشقة الهادية بتاعتي بجهز نفسي عشان أنزل أزور روضة بابا وأقرأ له الفاتحة زي ما متعودة كل أسبوع، الموبايل رن على ترابيزة الصالون. بصيت على الشاشة، لقيت رقم غريب مش مسجل عندي. ترددت ثواني، وبعدين فتحت وسألت بصوت هادئ:

— ألو، مين معايا؟

جاني صوت من الخلفية مهزوز، ضعيف، ومليان انكسار مش قادر يخفيه. الصوت ده أنا عرفته كويس جداً، رغم إني ما سمعتهوش من وقت يوم الطلاق في مكتب الأستاذ رأفت. كان صوت طليقي!

قال بصوت مكسور:

— أميرة… أرجوكِ، اصبرِ عليا دقيقة واحدة وما تقفليش السكة. أنا عارف إني ما استاهلش أنطق اسمك، ولا حتى أطلب منك تسمعيني، بس… بس أنا مابقاش ليا غيرك في الدنيا دي كلها عشان أقوله الكلمة دي.

قلبي اتحرك لحظة من الصدمة، بس رجعت تماسكت بسرعة وثبتّ نبرة صوتي وقولت:

— خير يا فلان؟ فيه إيه؟ وعاوز مني إيه تاني بعد كل اللي حصل؟

تنفس بعمق بصعوبة وقال وهو بيبلع ريقه:

— أنا… أنا عايش كابوس حقيقي كل يوم وكل ساعة بتعدي عليا من ساعة ما سيبتك. الشغل اللي قدمت استقالته بغباء وطمع… مفيش مكان رضي يقبلني فيه. بقيت عايش لوحدي في شقة إيجار قديمة وصغيرة، بعد ما أختي خاصمتني وقاطعتني عشان خيبت أملها، وابني سافر لبلد تاني عشان يبعد عن المشاكل والفقر اللي حطيتهم فيه، وأمي… أمي الله يرحمها ماتت وهي مقهورة وزعلانة على حالي وحالنا.

سمعت كلامه وحسيت بقشعريرة في جسمي، بس مكنش فيه أي مكان للشماتة جوايا، كان فيه بس شعور عميق بقسوة الندم لما الإنسان بيجري وراء الوهم والطمع.

كمل طليقي بصوت بيبكي بجد:

— أنا كنت مغفل… كنت أعمى ومستني أبوكي يموت عشان أفتكر إني امتلكت الدنيا، وطلعت في الآخر ما بملكش غير جهلي. أنا بكلمك النهاردة مش عشان أطلب منك فلوس ولا عشان أرجعلك… أنا بكلمك بس عشان أقولك كلمتين مكنتش شجاع كفاية أقولهم وأنا معاكي: حقك عليا… سامحيني. أنا بوظت حياتي بإيدي، وضيعت أنضف وأجدع ست دخلت حياتي. أبوكي كان ذكي وفهمني صح، وأنا أخدت جزائي كامل ومتستاهلش غير اللي جرالي.

سكت ثواني طويلة، مكنتش عارفة أرد أقول إيه. هل أعاتبه؟ هل أفكره بكل كلمة جارحة قالها لي ولأبويا الله يرحمه يوم الوفاة؟

بس حسيت إن الكلام ملوش أي قيمة خلاص. الندم اللي هو عايش فيه هو أكبر عقاب، وأكبر دليل على إن حكمة بابا ووصيته كانت هي السلاح الوحيد اللي أنقذني.

خدت نفس طويل وقلت بصوت هادئ وثابت تماماً:

— ربنا يعينك على اللى أنت فيه، وعلى القرارات اللى اخترتها بنفسك. أنا سامحتك، مش عشان خاطر عيونك، بس عشان أرتاح وعشان أقفل السلبيات دي كلها من حياتي للأبد. صفحتنا اتقفلت من يوم ما طلقتني، وكل واحد فينا اختار طريقه. الله يسامحك، ومع السلامة.

قبل ما يرد، قفلت الموبايل في سعادة وراحة بال حقيقية عمر ما حسيت بيها قبل كده.

دخلت الأوضة، لبست طرحتي وعبايتي السودا، ومسكت بوكس الورد الطبيعي اللي كنت مجهزاه، ونزلت ركبت عربيتي وسوقت لحد المقابر.

وصلت عند قبر بابا، وقعدت جنبه على الأرض الهادية، ونظفت التراب الخفيف من على الشاهد بيدي بحب واشتياق كبير.

همست بصوت حنون والدموع بتنزل من عيني بفرحة لا توصف:

— سلام يا بابا… جيت أطمنك وأقولك إن بنتك بقت قوية، وإن الدرس خلص، وإني عايشة حياتي مرفوعة الراس زى ما كنت بتتمنى وأكتر كمان. ارتاح يا حبيبي في قبرك، لأن حقك وحقي اترفعت لرب السماوات والأرض، وبقيت ملكة نفسي وحياتي!

قعدت جنب القبر قرابة الساعة أقرأ القرآن وأدعي له، وحسيت بنسمة هواء باردة ولطيفة بتلاعب شعري كأنها إيد بابا الطيبة اللي بتطبطب على كتفي وبتقولي: “برافو يا بنتي… طول عمري عارف إنك قدها!”

قمت من مكاني، ابتسمت للسماء الصافية، وركبت عربيتي ورجعت لبيتي الهادي الجميل، وأنا عارفة تماماً إن بكرة مخبى لي حاجات أجمل بكثير، لأن اللي يبني سعادته على كرامته ورضا ربنا، عمره ما يخسر أبداً.

مرت الأيام والشهور، ودخلت في سنة جديدة حسيت فيها إن روحي بقت أخف بكتير، وكأن الشوائب كلها اتصفَت من حياتي. الشقة الصغيرة الهادية بقت مأواي وملاذي الآمن، وريحة الهدوء والحرية بقت تغطي على كل زاوية فيها.

في يوم خميس بالليل، كنت قاعدة على الكنبة بقرأ كتاب في التنمية البشرية وشاربة كوباية ينسون دافية، وفجأة جاني إشعار على الموبايل برقم غريب على تطبيق الواتساب.

فتحت الرسالة باستغراب، ولقيت صورة مرفقة ومعاها رسالة قصيرة بتقول:

— «أنا عارف إنك ممكن تقرأي الرسالة دي وتعملي بلوك، بس كان لازم أبعتلك دي… النهاردة نزلت اسمي في كشف المستحقين للضمان الاجتماعي، وبعد ما كنت مدير وأكبر مهندس في شركتي، بقيت واقف في طابور المساعدات. افتكرت كلامك وكلام أبوكي الله يرحمه… الطمع قل ما جمع. ربنا يوفقك ويكرمك يا أميرة.»

بصيت للرسالة بهدوء تام، ومحسيتش بأي شعور بالحقد ولا حتى الشماتة. حسيت بس بالسلام. الدنيا لما بتلف، بتدفع كل واحد ثمن اختياراته، وأنا اخترت طريقي الصح من أول خطوة.

عملت بلوك للرقم بهدوء، وقفلت الموبايل، وحطيت راسي على المخدة وأنا حاسّة بنوم عميق ومرتاح ممرّش عليا من سنين.

تاني يوم الصبح، صحيت ونشاط الدنيا كله في جسمي. فتحت الشباك والشمس دخلت تنور الأوضة كلها. بصيت للسماء وقولت بصوت عالي وبابتسامة واسعة:

— صباح الخير يا بابا… شكراً لأنك كنت دائماً أذكى وأطول بصيرة من الكل.

كملت قهوتي، ونزلت أشتري طلبات البيت، وأنا عارفة إن القصة خلصت، بس الحكاية الحلوة لسه في أولها، وبكرة مخبي لي حاجات تفرح القلب أكتر بكتير!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى