
مرت أسبوعين على رسالة الواتساب دي، وحسيت إن الصفحة دي اتقفلت تماماً من كتاب حياتي بلا رجعة. حياتي بقت ماشية في روتين هادي ومريح؛ شغل بشتغله لنفسي من البيت في مجال التصميم والتنسيق اللي بحبه، ونزولات خفيفة أزور فيها صحباتي المقربات، وجلسات هادية مع نفسي ومع قهوتي في البلكونة.
في يوم أربع، والساعة كانت حوالي الساعة خمسة العصر، والجو برة كان بيميل للبرودة واللطافة، رن جرس الباب.
استغربت جداً! أنا مكنش عندي أي مواعيد أو زيارات مرتقبة اليوم ده، ولا حتى طلبية دليفري طلبتها.
قمت من على الكنبة بخطوات بطيئة، ووقفت قدام الباب أسأل:
— مين؟
جاني صوت ناعم ومتردد من برة الباب، صوت ست أول مرة أسمعه:
— السلام عليكم يا مدام أميرة… معلش لو جيت من غير ميعاد، بس أنا فاعلة خير، أو تقدري تقولي… حد كان بيعرف أبوكي الله يرحمه كويس قوي، وكنت لازمة أتكلم معاكي في كلمتين مهمين مش هينفع يتفوتوا!
قلبي اتقبض ثانية، ورجعت بضهري لورا. اسم بابا لما بيتقال بالطريقة دي بيفتح أبواب ذكريات وأسرار مكنتش متوقعة أبداً تظهر تاني بعد كل الوقت ده.
فتحت الباب بحذر، ولقيت قدامي ست في أواخر الأربعينات من عمرها، لابسة عباية سودا مريحة ووشاح هادي، وعيونها فيها نظرة طيبة بس مليانة قلق وارتباك.
بصيت لها باستغراب وسألتها:
— نعم؟ أهلاً بيكي… بس إنتي مين؟ وعرفتي اسمي وعنواني منين؟
ابتسمت الست بابتسامة خفيفة وقالت بصوت هادي:
— أنا اسمي “فاطمة”، وكنت بشتغل السكرتيرة الخاصة والمسؤولة عن أرشيف ومكاتب أبوكي الله يرحمه في شركاته القديمة قبل ما يبيعها ويوزع أملاكه زي ما أنتي عارفه في الوصية. ودلوقتي أنا بشتغل مديرة الحسابات للجمعية الخيرية الكبيرة اللي أبوكي نقل ليها كل أملاكه وأراضيه!
اتسمرت مكاني وصدمة خفيفة هزتني. فتحت باب الشقة على آخرها وقولت بسرعة:
— جمعية… جمعية إيه؟! وأبوكي… قصدي بابا عمل إيه تاني؟ اتفضلي يا مدام فاطمة، ادخلي اقعدي واحكي لي حالاً كل اللي عندك!
دخلت مدام فاطمة وقعدت على الكرسي في الصالون، وطلعت من شنطتها مجلد صغير أو ظرف قديم لونه أصفر، حطته قدامي على الترابيزة بحرص شديد وقالت:
— مدام أميرة، أنا جيت لحد عندك لأن فيه أمانة وكلمة حق لازم توصلك بنفسك، وأبوكي طلب مني بالحرف الواحد قبل وفاته بشهرين، لو حصل له أي حاجة وحس إنك في طريق الأمان وبعدتي عن طمع جوزك، أجي أسلّمك الظرف ده بنفسي، لأن جُوّاه سر كبير أوي عن تعب وشقى عمره الحقيقي، وعن سبب اختياره للوصية الصعبة دي!
بصيت للظرف القديم المكتوب عليه بخط إيد بابا الواضح والجميل: “إلى ابنتي الغالية أميرة… وحدك من سيفهم الحقيقة”، وحسيت إن روحي اتعلق بتفاصيل اللحظة دي.
فتحت الظرف بإيدين بتترعش، وطلعت منه ورق كتير وخطابات مكتوبة بخط إيد بابا، ومعاهم مفتاح قديم صغير!
سألت مدام فاطمة بصوت مكسور ودموعي على وشك النزول:
— إيه ده يا مدام فاطمة؟ بابا كان قاصد إيه بالمفتاح والخطابات دي؟!
ردت مدام فاطمة وهي بتمسح دمعة من عينها وقالت بحنان:
— أبوكي الله يرحمه مكنش مجرد راجل غني وذكي، أبوكي كان بيأسس ليكي مشروع خاص ومستقل بعيد تماماً عن أي ميراث ظاهر أو تركات ممكن تطمع فيها عيون طماعة زي طليقك. كل الأملاك الكبيرة والشركات اللي راحت للجمعيات الخيرية، دي كانت واجهة قانونية حمايتها قوية جداً ضد طمع أي شخص، بس بابا عمل صندوق استثماري خاص باسمك إنتي وحدك، مسجل في بنك تاني خالص، وبموجب المفتاح ده والورق ده، هتقدري تفتحي الخزنة الخاصة اللي فيها ثروة مالية ضخمة جداً ما تخصش الورث القديم، دي تخص أرباح مشاريعه السرية اللي كان شايلها لك لوحدك عشان تفتحي بيها أكبر مشروع باسمك!
اتسمرت مكاني ومش مصدقة ودانّي.
كملت مدام فاطمة كلامها وقالت:
— أبوكي كان عارف إن جوزك هيهد حياتك أول ما يموت، وعارف إنه هيطمع في الورث الظاهر، فعمل اللعبة دي كلها كدرس قاسي، وكطريقة ذكية يخليكي تتخلصي من العبء ده وفي نفس الوقت يحقق لك أمنيتك الحقيقية في الاستقلال والنجاح، ويسيب لك مال حلال طيب يخليكي ملكة في مكانك!
مسكت الورق والمفتاح، وبصيت لفوق ودموع الفرحة نزلت على خددي بغزارة، وعرفت ساعتها إن أبويا مش بس حمانی وهو حي، ده مد إيده من عالم الحق عشان يضمن لي مستقبل ما كنتش أحلم بيه أصلاً.
بصيت لمدام فاطمة وضحكت وسط دموعي وقولت:
— الله يرحمك يا بابا… كنت أذكى وأحن أب في الدنيا دي كلها!




