روايات وقصص

حكايات صافى 2

التفتُّ ببطء شديد نحو باب المكتب المفتوح جزئياً، وكأن كل ثانية تمر كانت تمتد كدهور. الكلمات وقفت في حلقي، وأنفاسي بقت متقطعة. الباب اتفتح أوسع شوية، وظهرت طفلة صغيرة شعرها كيرلي وعيونها واسعة وبراقة، وما إن رأت الدكتور طارق حتى سارت بخطوات سريعة متهدجة وهي تلوح بيدها الصغيرة، تتبعها طفلة أخرى أو ربما طفل يمسك بملابسها.

 

صوت الطفلة وهي بتقول «بابا طارق» نزل على قلبي زي طعنة خنجر بارد. بصيت لها كويس.. كانت ملامحها مرآة مصغرة مني وأنا في سنها، نفس رسمة الحواجب، ونفس نظرة العيون التي لا تخطئها عين.

الدكتور طارق بص لي بنظرة أخيرة حملت تحذيراً صامتاً، ثم نزل على ركبتيه بابتسامة دافئة محا تماماً تلك الهيبة والصرامة التي كان يحدثني بها قبل لحظات، وفاتح إيديه للأطفال وهو بيقول بحنان طغى على المكان كله: «يا هلا بالبطل وبأيرة قلبي.. خلصتوا لعب بره ولا إيه؟»

جريت البنت الصغيرة نحوه وارتمت في حضنه، بينما الطفل الصغير قرب منه وهو بيضحك بلهفة. في اللحظة دي، حسيت بنار تشتعل في صدري مع غصة مريرة كادت تخنقني. ولادي.. من صلبي.. بينادوا راجل تاني ببابا، وبيجروا على حضنه وهو اللي بيحتويهم، في الوقت اللي كنت أنا فيه قاعد على كرسي فاخر في القاهرة، باصص لشاشات البورصة وصفقات الملايين، ومفتكر إن الفلوس والشركات هي كل ما يمكن أن يقدمه الأب لأولاده.

وقفت مشاكلاً بين الغضب العارم وبين رغبة جامحة في البكاء. دقات قلبي كانت بتدوي في أذني كأنه طبول حرب. طارق شال البنت على إيده وبص لي وقال بصوت هادئ ومنخفض حتى لا يسمعه الأطفال: «شايف يا جاسر؟ الحب والاهتمام ما بيشتريوش بفلوس الدنيا كلها.. الولاد دول ما يعرفوش أصلاً يعني إيه اسمك في شهادة الميلاد، هم ما يعرفوش غير الإيد اللي مسحت دموعهم، والصوت اللي كان بيحكي لهم حكايات قبل النوم، والراجل اللي كان سهران جنبهم في سخونية الليالي الطويلة وأنت نايم في سريرك متهني.»

قبل ما أرد أو أنطق بحرف واحد، فتحت الباب الكبيرة للمكتب على مصراعيها، وظهرت هي.. سارة.

الوقت وقف.. الدنيا كلها سكتت. سارة دخلت وهي شايلة في إيدها شنطة أطفال صغيرة، كانت لابسة عباءة أنيقة وبسيطة، وشعرها مشدود للخلف بعناية. ملامحها اتغيرت كتير عن تلات سنين فاتت؛ الخدين اللي كانوا مليانين بقوا أنحف، وكسوف عيونها زمان اتحول لنظرة قوية وثابتة، فيها هدوء يشبه هدوء البحر في الصباح الباكر، لكنه هدوء يخفي خلفه عاصفة من الألم والذكريات.

لما عيونها وقعت عليا.. اتجمدت في مكانها. شنطة الأطفال وقعت من إيدها على الأرض بصوت خفيف.

الدموع لمعت في عيونها بسرعة، لكنها ما نزلتش. بصتلي وبصت لطارق اللي كان لسه شال الطفلة على كتفه، ورجعت بصتلي تاني بنظرة تجمع بين الذهول، الخوف، ومشاعر كتير دفينة حاولت تداريها سنين طويلة.

سارة بصوت مرتعش ومش مصدقة نفسها: «جاسر..؟»

الكلمة طلعت من شفايفها كأنها همس من عالم تاني. جسمي كله ارتعش، وحسيت برجلي مش شايلاني. مشيت خطوة ناحيتها وأنا باصص في عيونها اللي طالما هربت منها زمان، وقلت بصوت متهدج ومكسور: «سارة.. حقك عليا.. أنا أسف.»

سارة رجعت خطوة لورا، ورفعت إيدها بحركة تلقائية كأنها بتحمي ولادها مني، وقالت بصوت جاهدت عشان تخليه ثابت: «جايبك هنا إيه يا جاسر؟ إزاي تجرؤ تيجي هنا وتظهر في حياتنا فجأة بعد كل السنين دي؟»

طارق وقف بهدوء، نزل البنت بحنان على الأرض وقال لها بصوت هادي: «روحوا مع عائشة بره شوية يا حبايبي، عمو هينزل معاكم كمان ثواني.» الأطفال خرجوا وهم بيبصوا لي باستغراب، وساعتها بقينا التلاتة جوه المكتب، والهواء بقى أثقل من الجبال.

قربت من سارة أكتر، وعيوني كانت بتترجاها تنطق بكلمة واحدة تطفي النار اللي جوه صدري، وقلت: «رمزي قالي على كل حاجة.. وعرفت إن الولد والبنت ولادي.. ولادي يا سارة! إزاي خبيتي عني حاجة زي دي؟ إزاي قدرتِ تبعدي طفلي عن أبوه؟»

ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سخرية ووجع، وقالت وعيونها بتلمع بالدموع: «أبعدهم عن أبوهم؟! وأنت فين كنت يا جاسر وقت ما كنت بتموت كل يوم وأنا حامل؟ فين كنت وأنا في غرفة العناية المركزة والدكتور بيخيرني بين حياتي وحياة الولاد؟ فين كنت لما كنت بتصل بيك وتقفل في وشي عشان عندك اجتماع مهم مع عميل أو صفقة جديدة؟!»

صرخت فيها بوجع: «كنت جاهل وغبي! ماكنتش أعرف إنك للدرجادي لوحدك! وعشان كده أنا هنا.. عشان أصلح كل غلطة عملتها، عشان آخد مراتي وولادي وأرجعهم لبيتم، وهعملكم كل اللي تتمنوه!»

سارة هزت راسها بيأس وقالت بصوت جرحني أكثر من الصراخ: «البيت اللي بتتكلم عنه ده اتدمر من تلات سنين يا جاسر.. يوم ما سيبته وأنا بجرجر روحي المكسورة ورايا. مفيش رجعة. واللي قدامك ده..» أشارت بيدها لطارق «..مش مجرد راجل وقف جنبي وخلاص، ده الراجل اللي بنى معايا الحطام اللي أنت سيبته، وهو اللي استحق يكون أب لولادي بجد، مش بس بالاسم اللي في الورق.»

بصيت لطارق وقلت بصوت بيقطر غضب: «ده جواز مزيف، والأطفال دول دمي أنا، والشرع والقانون معايا، ولو أخدت الموضوع للمحاكم والنفوذ، هلجأ للقضاء عشان آخد حقي بالطرق القانونية!»

الكلمة دي كانت النقطة اللي وضحت حجم الفجوة بينا.

سارة اتنفضت من الغضب، وقربت مني وقالت بصوت عالي ومليان قهر: «بالفلوس والنفوذ؟! دي كل لغتك في الحياة يا جاسر! فاكر إن كل حاجة تشتريها بشوية فلوس وسلطة؟ أحب أقولك.. ولادي مش للبيع، وقلبي مات من زمان ناحيتك، ومركزي وحياتي هنا أشرف لي ألف مرة من قصرك اللي كان عبارة عن سجن ذهبي!»

طارق حط إيده على كتف سارة بحنان وثبات وقال لي بنبرة قوية: «كلامك ده ما يغيرش الحقيقة يا بشمهندس، إنت بتتعامل مع أم حاربت الموت عشان تحمي عيالها، ومع راجل واقف جنبهم بصدق. لو ناوي تحارب، فاعرف إنك هتاثر على ولادك سلباً، ومش أنا.. بل أنت اللي هتكون الخاسر الأكبر.»

وقفت في نص المكتب، تايه، مكسور، وحاسس إن الأرض بتهتز تحت رجليا. كل اللي كنت فاكر إني أملكه من قوة وسلطة بقوا ولا حاجة قدام نظرة الكره والاستغناء في عيون الست اللي كانت في يوم من الأيام مراتي ورفيقة عمري.

بصيت لسارة بدموع نزلت غصب عني، وسألتها بصوت شبه منعدم: «يعني دي النهاية يا سارة؟ هتعاقبيني لحد آخر يوم في عمري؟»

سارة بصتلي نظرة طويلة، نظرة جمعت فيها كل وجع السنين اللي فاتت، وقالت بهدوء مرعب: «النهاية يا جاسر.. بدأت يوم ما اخترت شغلك وفلوسك على حساب بيتك ومراتك. اللي بتشوفه دلوقتي.. هو مجرد نتيجة طبيعية لكل حاجة أنت زرعتها بايدك.»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى